عنوان الدرس:

مناقشة أدلة المحقق النائيني على استحالة جعل حكم للتجري

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: بحث الأصول 2025-2026م
تسلسل الدرس 49
تاريخ الدرس 04/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

بسم الله الرحمن الرحيم.
لا زال الكلام مستمرًا في النقطة الثالثة من نقاط البحث، وهي إمكان تطبيق مسألة الملازمة في المقام. وقد كان الحديث فيما تقدم فيما عرضه المحقق النائيني أعلى الله في الخلد مقامه. وقد عرفت منا ما ذكره قدس سره.
كلام المحقق النائيني وقع موردًا للنقد والإبرام من قبل الأعلام رضي الله تعالى عمن مضى وأطال الله في عمر من بقي. وقد كان مما تعرضنا إليه كلام السيد الشهيد الصدر قدس الله تربته الزكية. فإن السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه لم يقبل محاولة المحقق النائيني لإثبات استحالة جعل حكم شرعي في مورد التجري وترتيب الأثر.
وقعت محاولة المحقق النائيني موردًا للنقض والإبرام عند السيد الشهيد أو غيره. عقب السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة على الفرضين اللذين وردا في كلمات المحقق النائيني الأول والثاني فذكر بأن ما أفيد في الفرض الأول من لزوم أخذ التحريم المتأخر في موضوع المتقدم يرده ما هو مقرر في محله بمناسبة البحث عن حجية الخبر مع الواسطة من أنه بلحاظ عالم المجعولات والأحكام الفعلية لا مانع من تأخير بعضها عن بعض، وأخذ بعضها في موضوع البعض الآخر، مع كونها جميعًا مجعولة بخطاب واحد وجعل واحد. وفي المقام يكون وصول الحرمة الفعلية للخمر الواقعي الذي يريد شربه مأخوذًا في موضوع الحرمة الفعلية للتجري، ولا محذور وإن كان مجعولين بخطاب واحد.
تضمن كلام السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة في هذا الجواب قياس المقام بمسألة حجية الأخبار مع الواسطة، فإن الشارع المقدس قد جعل الحجية لطبيعي الخبر الواصل إلى المكلف، فعندما ينقل الكليني رحمه الله خبر الصفار عن الإمام عليه السلام، ينطبق هذا الجعل على خبر الكليني قدس سره أولًا، لأنه المصداق الوجداني للخبر الواصل إلينا. وبعد ذلك يصير خبر الصفار عن الإمام عليه السلام مصداقًا للخبر الواصل إلينا بوصول تعبدي، فيتحقق مصداق جديد لحجية الخبر الواصل في طول شمول دليل الحجية لخبر الكليني رحمه الله. فتكون الطولية في المجعول الذي يكون انحلاليًا، مع أن الجعل واحد، متعلق بحجية طبيعي الخبر الواصل، ولم يلحظ فيه حكمان طوليان. المقام من هذا القبيل، لأنه يمكن أن يكون وصول حرمة شرب الخمر بالنسبة إلى المائع الذي يريد شربه مأخوذًا في موضوع حرمة شرب هذا المائع، فإنه لا محذور فيه وإن كان مجعولين بخطاب واحد.
هذا ما أفاده السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة في البداية.
يرد على هذا الكلام بأن ما ذكر وإن كان تامًا بلحاظ فعلية المجعول، إلا أنه ليس كذلك بلحاظ عالم الجعل، والحال أن كلام المحقق النائيني قدس الله تربته بلحاظ عالم الجعل وليس بلحاظ عالم المجعول، وتعدد الحكم الكلي، وقد صرح قدس سره بذلك في بحث التعبدي والتوصلي. فراجع يا شيخ مالك إن أردت كلام السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة في كتابه بحوث في علم الأصول، الجزء الثاني، صفحة 74.
مضافًا إلى أن قياس المقام بمثال حجية الأخبار مع الواسطة غير تام، لأن الجعل في مثال حجية خبر الواحد متعلق بعنوان واحد ولا يلحظ فيه الطولية بين المجعولين، ولكنه لا يفرض في استنتاج حرمة شرب مقطوع الخمرية زين من “لا تشرب الخمر” تعلق الحرمة بعنوان واحد ينطبق على كل من شرب الخمر والتجري بشرب مقطوع الخمرية.
إذًا الأمر الأول الذي أجاب به السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة نقضًا على المحقق النائيني أعلى الله في الخلد مقامه، ليس في محله. أيضًا أجاب السيد الشهيد قدس سره عن الفرض الثاني الوارد في كلام المحقق النائيني بأنه لا يشترط في وصول التكليف الوصول التفصيلي، بل يكفي في معقوليته أن يصل التكليف إليه ولو بالوصول الإجمالي أو بالحجة. وفي المقام قد عرفت أن التجري ليس مختصًا بموارد العلم بالواقع، بل يثبت في مطلق موارد تنجز الواقع ولو بغير العلم، كما اعترف بذلك المحقق النائيني قدس الله تربته الطاهرة نفسه. فإذا تنجز التحريم الواقعي بغير العلم، وفرضنا حرمة الفعل المتجرى به، فإنه يحصل للمكلف العلم الإجمالي بحرمة هذا الفعل على كل حال، إما بعنوانه الأولي أو بعنوان التجري، فيكون مقطوع الحرمة.
يلاحظ على هذا الكلام بأن العلم الإجمالي المذكور في الجواب لا يتحقق إلا وهو منحل، فلا يكون حجة على المكلف حينئذٍ، لأن العلم الإجمالي لا يكون منجزًا في حالة تنجز أحد طرفيه بمنجز سابق. وفي محل الكلام ثمة طرفان للعلم الإجمالي وهما وهما: إما المرتبة الأولى الثابتة بدليله الأول وليس بالعلم الإجمالي، وإما الحرمة الثابتة في الطرف الذي لا يوجد فيه خمر واقعي، فيكون الطرف الأول منجزًا بمنجز سابق وهو دليل الحرمة الثابت للخمر الواقعي. النتيجة: ما أفيد في كلامه رضي الله تعالى عنه أيضًا غير تام.
هذا ما يرتبط بالفرضين الأول والثاني الواردين في كلام المحقق النائيني قدس الله نفسه وجواب السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة عليهما، وقد عرفت عدم تمامية الجوابين المذكورين في كلماته والرد عليهما.
الفرض الثالث الوارد في كلام المحقق النائيني وهو لزوم اجتماع المثلين، أجيب عنه بعدة أجوبة، أنقل من ذلك جوابين: جوابًا للسيد الخوئي قدس الله تربته، وجوابًا للسيد الشهيد أعلى الله في الخلد مقامه. أما جواب السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه حاصله: البناء على عدم صحة ما ذكره المحقق النائيني قدس سره لإشكالين. الأول: في حالة القطع بالموضوع يكون تصوير مورد الافتراق من الطرفين، فلو قال المولى مثلًا: “لا تشرب الخمر”، وقال أيضًا: “لا تشرب معلوم الخمرية”، وفرض أن المكلف قد قطع بخمرية شيء، وهو غير عالم بحرمة الخمر الواقعي، ولم يصل إليه دليله، وإنما علم حكم مقطوع الخمرية فقط، فيكون حكم مقطوع الخمرية حينئذٍ فعليًا عليه، من غير أن يستلزم اجتماع المثلين حتى في نظره، وهكذا عكسه. نعم في مورد العلم بالحكمين معًا يلزم ذلك، فيكون ما أفاده المحقق النائيني قدس سره مختصًا بالقطع بالحكم.
السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة تعجب من صدور هذا الجواب من السيد الخوئي رحمه الله، لأن المفروض أن البحث ليس في فرض وجود حكمين موضوع موضوع أحدهما ذات الخمر وموضوع الآخر معلوم الخمرية كي ما يقال بوصول أحدهما دون الآخر، بل البحث بصدد إثبات الحرمة لعنوان التجري وليس لعنوان معلوم الخمرية، وهذا هو المطلوب إثباته في الحكم الثاني. والحال أن عنوان التجري لا يصدق إلا مع وصول حرمة الخمر الواقعي إلى المكلف كما لا يخفى، وإلا كانت سالبة بانتفاء الموضوع. هذا إشكال السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه الأول وتعقيب السيد الشهيد أعلى الله في الخلد مقامه عليه.
الإشكال الثاني للسيد الخوئي رحمه الله قال: بأنه لا ملزم لأن يكون بين موضوعي الحكمين المتماثلين عموم من وجه، بل يمكن أن يكون بينهما عموم مطلق، نظير ما إذا تعلق النذر أو الشرط ضمن العقد اللازم بالواجبات، كالصلاة المفروضة، فإنها حينئذٍ تكون واجبة من جهتين: من جهة الأمر بالص من جهة الأمر بالصلاة، ومن جهة الأمر النذري، خوب أو قل من جهة الأمر الصلاتي ومن جهة الأمر النذري، طيب. يكون فيه فيهما، أو يكون في الأمر ملاكهما معًا. غاية الأمر نلتزم فيها بالـ، في الصلاة، نلتزم فيها بالتأكد في مقام الفعلية، أما في مرحلة الإنشاء والملاك فإن التعدد ثابت، والمقام من هذا القبيل. إذًا غاية ما يريد أن يقرره السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ذلك اجتماع حكمين متماثلين، لأن المفروض أن الحكم الثاني بمثابة المؤكد للحكم الأول وليس شيئًا آخر.
أجاب عن ذلك السيد الشهيد قدس الله تربته فقال: إن كان قدس سره بصدد إنكار الكبرى، فهذا ما سوف يأتي بحثه في محله، زين في مسألة اجتماع الحكمين المتماثلين، وأما بالنسبة إلينا، لي طبعًا في قضية شبه ابن قبة، بالنسبة إلينا قد تقدم الكلام عنها مفصلًا فيما مضى، عند الحديث في العلاقة بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري ببيان مفصل، وهناك التزم السيد الشهيد قدس الله تربته بنظرية التزاحم الحفظي في بالنسبة للملاكات ببيان مفصل، ونحن هناك أيضًا التزمنا بعدم وجود شيء يسمى بالأحكام الظاهرية، بل الموجود عندنا دائمًا وأبدًا أحكام واقعية، وشبهة التصويب المتصورة في المقام قد أشرنا إلى اندفاعها وعدم ورودها ببيان مضى. على أي، يقول السيد الشهيد: إن كان نظر السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه إلى إنكار الكبرى، فهذا ما سوف يأتي في محله عندما يتم الحديث في بداية بحث الظن عن شبه ابن قبة وإمكانية جعل الحكم الظاهري من عدمه.
وأما ما ذكره السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه من النقض بالنذر في الواجبات، فالمفروض، بالنذر في الواجبات المفروضة، هذا النقض ليس تامًا، لماذا؟ يقول لأنه خلط بين وجوب الوفاء بهذا النذر الخاص وبين وجوب الوفاء بالنذر مطلقًا، الذي هو الجعل الكلي من الشارع. فإن وجوب الوفاء بالنذر المخصوص ليس هو إلا فعلية المجعول، والمجعول من الشارع هو خصوص الجعل الكلي، ونسبة هذا الأخير مع دليل “أقيموا الصلاة” هي العموم من وجه، فيردع بذلك محذور اجتماع المثلين ولا يتأتى الأمر.
لكن، هذا طبعًا جواب السيد الشهيد. أيضًا يمكن أن يجاب عن كلام السيد الخوئي قدس سره في الإشكال الثاني الذي أشرنا له، والذي مفاده إمكان جعل حكمين متماثلين تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، بلَغْوية جعل الحكم المماثل للمطلق بالنسبة إلى المقيد، بأن يجعل وجوب إكرام العالم العادل بعدما جعل وجوب إكرام العالم مطلقًا، ولا نعني باللغوية في المقام اللغوية العقلية حتى يجاب عنها بأن تأثـ بأن أثر تعدد وجوب إكرام العادل مثلًا هو تعدد العقاب عليه، فيكون آكد في الباعثية، لا، المقصود من اللغوية في المقام هي اللغوية العقلائية، وبالتالي يترتب الأثر.
بل يمكن أن يقال بأن تعدد الوجوب يتقوم بتعدد روحه، وهو إرادة المولى، وتعلق إرادتين بأن تتعلق إرادة المولى مرة بإكرام كل عالم، وتتعلق إرادته ثانيًا بإكرام كل عالم عادل، خلاف الوجدان. تعدد الوجوب خلاف الوجدان، بعد أن كان المقيد هو نفس المطلق مع قيد زائد، ولذا يقال بأن اجتماع الإرادتين يكون من من اجتماع المثلين، طبعًا متى؟ إذا كان الخطاب انحلاليًا. وأما إذا كان الخطاب أمرًا بصرف وجود الطبيعة فقد وقع البحث في أنه هل يمكن تعلق الأمر بصرف وجود الطبيعة وأمر آخر بحصة منها، كأن يأمر بعتق رقبة ويأمر أيضًا بعتق رقبة مؤمنة، أو لا يمكن إلا بأن يأمر بالحصة الفاقدة خب للقيد، مترتبًا على عصيانه للأمر بالحصة المقيدة، وهو الذي اختاره السيد الخوئي قدس الله تربته الطاهرة، بينما الذي اختاره السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة إمكانه، والمختار هو عدم معهودية مثل ذلك بين العقلاء وإن كان ممكنًا عقلًا، وهذا قريب جدًا مما قد اختاره السيد الشهيد أعلى الله في الخلد مقامه. ثم، إذا كانت النسبة بين الخطابين العموم من وجه، كقوله أكرم كل عالم، وقوله أكرم كل هاشمي، حيث يتعدد العنوانان لا مانع من تعلق كل بإرادة بموضوع من تعلق كل إرادة بموضوع، فتتعلق مثلًا إرادة أكرم كل عالم، زين، فتتعلق إرادة بإكرام كل عالم، تتعلق إرادة أخرى بإكرام كل هاشمي، ولا محذور في اجتماع الوجوبين بعنوانين في مورد الاجتماع، ولا وجه لما ذكره العلمان المحقق النائيني قدس سره والسيد الخوئي قدس سره من لزوم رجوعه إلى ثبوت وجوب واحد مؤكد، بل الفعلية تابعة للإنشاء والجعل، ومع تعدد الإنشاء والجعل لا محالة يتعدد الحكم المجعول. نعم، قد لا يساعد فهم العرف على تعدد الملاك في المجمع، فلا محالة تكون الإرادة الثابتة في المجمع واحدة، وهذا بخلاف ما إذا تعدد الملاك، كما في مثال نذر الواجب أو شرط الواجب، فإن النسبة بين دليل الوفاء بالنذر أو الشرط وبين خطاب الأمر بصلاة الفريضة مثلًا، العموم من وجه. في المجمع يثبت وجوبان بملاكين مختلفين، فلو عصى يكون قد خالف تكليفين. إذًا اتضح مما تقدم أن تمثيل السيد الخوئي رضي الله تعالى عنه للخطابين اللذين تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق بنذر الواجب وشرطه في غير محله. بقي عندنا دعوى، دعوى السيئـ، دعوى أن خطا أن وجوب الوفاء بالنذر حيث يختص بما إذا تعلق النذر بالراجح شرعًا فتكون النسبة بين دليله وبين مجموع خطابات وجوبات، بين دليله وبين مجموع خطابات وجوب الواجبات واستحباب المستحبات، العموم والخصوص المطلق، هذه الدعوى يمنعها مضافًا إلى عدم تأتي هذا البيان في دليل الوفاء بالشرط لعدم اختصاصه بفرض رجحان متعلقه، أيضًا أن الكلام في النسبة، زين، الكلام في النسبة هو النسبة بين خطاب الوفاء بالنذر وبين كل واحد من خطابات الواجبات والمستحبات، مع أن رجحان متعلق النذر لا يعني ثبوت استحبابه أو وجوبه، بل يكفي الإتيان بمشكوك الوجوب أو الاستحباب بقصد الاحتياط والرجاء، أو ترك مشكوك الكراهة أو الحرمة كذلك، كنذر الاجتناب عن التدخين مثلًا، فإنه لا ينبغي الإشكال في انعقاده لرجحان متعلقه ولو بعنوان الاحتياط، واحتمل أنه مباح وليس مكروهًا واقعًا. هذا ما يتعلق بجواب السيد الخوئي وما يرتبط بالنقض أو المناقشة فيه.
جواب الثاني، مو ذكرت أن الفرض الثالث الذي ذكره المحقق النائيني وهو اجتماع حكمين تمت الإجابة عليه بمجموعة من الإجابات، قلنا سنتعرض إلى جوابين، جواب الأول ما ذكره السيد الخوئي، جواب الثاني ما ذكره السيد الشهيد. السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه في الجواب عن الفرض الثالث الوارد في كلام المحقق النائيني قدس سره اقتصر على النقض ولم يتعرض إلى الحل، فنقض السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه على المحقق النائيني بنقضين: النقض الأول: منع أن تكون النسبة بين الحكمين نسبة العموم والخصوص المطلق في نظر القاطع دائمًا، كما ذكر المحقق النائيني، بل النسبة في نظره هي العموم من وجه، ومن ثم لا داعي للقول بالاستحالة بهذا البيان. قال: إننا نقبل أن النسبة هي العموم المطلق في شخص هذه الواقعة التي يرى المكلف فيها أن قطعه مطابق للواقع، إلا أن شخص هذه الواقعة ليس هو الحكم المجعول، بل هو أعم منها ومن غيرها، لأن المجعول هو الجعل بنحو القضية الحقيقية، وشخص هذه الواقعة أحد مصاديقها، لا أن هذا الأخير هو المجعول نفسه، وعليه لو نظرنا إلى الجعل الثاني الذي وضع لمعلوم الخمرية وطبقه القاطع على نفسه في غير هذه الواقعة كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه، لأنه يعتقد أن قطعه الفعلي بالخصوص مطابق للواقع، ولا يعتقد أن كل ما قطع به لا بد أن يكون كذلك. مضافًا إلى أن إشكال المحقق النائيني لا يتم إلا مع وجود قطع عند المكلف بأن الذي أمامه خمر، أما لو كانت هناك أمارة على ذلك، فهو لا يعتقد بأن كل ما قامت عليه الأمارة مطابق للواقع، وعليه يمكن تصوير نسبة العموم من وجه في هذه الحالة أيضًا، ده النقض الأول. النقض الثاني: قال: بأن أو بيانه، النقض الثاني: السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه يرى استحاء يرى عدم، يرى عدم استحالة جعل حكمين في موارد نسبة العموم المطلق، وذلك فيما لو فرضنا أن المولى أمر بوجوب الإتيان بالجامع، ثم أمر بوجوب حصة خاصة منه، فهنا حكمان ولا محذور فيه، بالرغم من أن النسبة بينهما هي العموم المطلق. وتطبيقات ذلك كثيرة في الفقه، مثلًا: الأمر بعتق الرقبة والأمر بعتق الرقبة المؤمنة، أو كما في باب قضاء الواجب حيث قالوا بوجود حكمين، أحدهما يأمر بجامع الصلاة والآخر يوجب صلاة الظهر داخل الوقت. على أي حال، لم تشتمل كلمات السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه على ذكر حل المطلب، لكن يمكن أن يقال في حل المطلب بـ بالتالي، طبعًا ما سوف أنقله من حل يمكن أيضًا استفادته من بعض كلمات السيد الشهيد في الجملة. على أي، يمكن حل المطلب أن يقال: بأن لزوم اجتماع المثلين يمكن تصويره على مستويات ثلاثة وهي: لزوم اجتماع المثلين في عالم الجعل، لزوم اجتماع المثلين في عالم المجعول، لزوم اجتماع المثلين في عالم المحركية والباعثية. وسوف يتضح عدم لزومه فيها جميعًا. عدم لزوم اجتماع المثلين، نجي إلى الأول وهو عدم لزوم اجتماع المثلين في عالم الجعل، نقول: لأن كل جعل يعرض على موضوعه الخاص، فإن الجعل الأول يعرض على موضوع غير الذي يعرضه الجعل الآخر، وفي المقام يمكن القول إن لحاظ العام ولحاظ الخاص لحاظان مختلفان، ومع كونهما لحاظين مختلفين إذًا لا يلزم اجتماع المثلين. نجي الفرض الثاني أو المستوى الثاني وهو على مستوى فعلية المجعول. المحقق النائيني رضي الله تعالى عنه وإن قبل بوجود حكمين أحدهما الجعل الكلي والآخر المجعول الذي يتحقق بوجود موضوع ذلك الحكم، إلا أن ذلك لم يقبل به السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة، زين كما في محله، زين، حيث قرر بأن عالم المجعول الذي يدعيه المحقق النائيني ليس إلا وهمًا، وعليه لا اجتماع للمثلين في الأمور الوهمية. نجي للمستوى الثالث والأخير، على مستوى عالم المحركية والامتثال. فإنه يمكن للمحقق النائيني رضي الله تعالى عنه أن يدعي لزوم اجتماع المثلين أو اللغوية، لأن الحكم الأول ما لم يحرك المكلف فلا داعي للحكم الثاني، وإن كان يحركه فكذلك أيضًا، إلا أن ذلك ليس واردًا أيضًا، لأن لكل حكم شرعي محركيته وأثره الخاص به، فالحكم الذي يتعلق بالجامع له أثره الخاص، والحكم الذي يتعلق بالحصة أيضًا له أثره الخاص، وفقًا لما ذكر، سوف تكون النسبة حينئذ هي نسبة العموم المطلق، ولا داعي للقول باستحالة جعل الحكم الثاني. هذا ما يرتبط بمسألة المناقشة الصادرة من السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه، وقد عرفنا أن السيد الشهيد أورد على المحقق النائيني قدس سره بنقضين ولم يتعرض للحل، نحن قد ذكرنا حل المطلب من خلال ملاحظة مستويات ثلاثة، وقد بينا عدم لزوم اجتماع الحكمين في أي من المستويات. مع أن ما أفاده السيد الشهيد قدس الله تربته الطاهرة جوابًا عن المحقق النائيني صحيحا، إلا أنه صحيح من جهة وليس صحيحًا من جهة أخرى. ما هو منشأ عدم الصحة في كلام السيد الشهيد رضي الله تعالى عنه وما يرتبط بذلك؟ أحيله للبحث القادم، والحمد لله.

التمرير إلى الأعلى