عنوان الدرس:

كتاب الصلاة - 7

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: الروضة البهية - الصلاة - 1447هـ
تسلسل الدرس 7
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--





شرح أحكام مكان المصلي

الشرط الرابع من شروط الصلاة: المكان

بعد أن تكلم المصنف رحمه الله عن الثالث، أي الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو ستر العورة، يدخل في الكلام عن شرط رابع وهو المكان.

(الرابع: المكان)

أي الشرط الرابع للصلاة هو المكان، أي المكان الذي يصلي فيه المصلي.

(الذي يُصلى فيه)

والمراد به هنا ما يشغله من الحيز أو يعتمد عليه ولو بواسطة أو وسائط. فهذا هو المكان الذي يشغله المصلي سواء كان الموضع أو كان المكان الذي يصلي عليه.

حكم الصلاة في المكان المغصوب

(ويجب كونه غير مغصوب)

يعني ويجب أن يكون المكان الذي يصلي فيه المصلي غير مغصوب (للمصلي). يعني إذا كان مغصوباً فلا يجوز أن يُصلى فيه، ولكن مع العلم بالغصب. أما بالنسبة للغاصب، حتماً أنه غاصب فصلاته باطلة. لكن من كان يجهل بالغصبية فصلى، وبعد ذلك علم أن هذه الأرض مغصوبة، هذا صلاته صحيحة.

(ويجب كونه) يعني كون المُصلى (المكان الذي يشغله المصلي) غير مغصوب للمصلي (ولو جاهلاً بحكمه الشرعي)، أي الحكم التكليفي، (أو الوضعي).

الفرق بين الحكم التكليفي والوضعي

أي جاهلاً بكون الأرض المغصوبة لا يجوز الصلاة فيها، هذا جهل بالحكم الوضعي. وأما الحكم الشرعي فهو جاهل بالحكم التكليفي.

الحكم التكليفي هو أن أمر الله عز وجل ونهيه قد تعلق بالخارج، فقد يريد مني إيجاد فعل في الخارج كما في أمره لي بالصلاة. فهذا حكم تكليفي. فالأحكام التكليفية هو فعل في الخارج أو نهي عن فعل في الخارج، مثل النهي عن شرب الخمر، وكذلك النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، والأوامر المستحبة كصلاة الليل وغسل الجمعة، وكذلك كما في الأشياء المكروهة كالصلاة في الحمام. هذه كلها أحكام تكليفية.

إذن الخلاصة في الأحكام التكليفية هو ما تعلق بالأحكام الشرعية الخمسة ولكن في الخارج (من وجوب، من حرمة، من كراهة، من استحباب، من إباحة).

فالصلاة في الأرض المغصوبة حرام، لا يجوز لي أن أصلي في الأرض المغصوبة، فهذا الحكم حكم تكليفي.

وأما الحكم الوضعي كالجزئية، مثلاً في القراءة (القراءة جزء من الصلاة)، والحكم بأن الطهارة شرط فهذا حكم بالشرطية، والحكم بأن الزوال سبب فهذا حكم بالسببية، والحكم بأن جلد الميتة نجس فهذا حكم بالمانعية. وكذلك صحة الشيء وفساد الشيء.

والأحكام الوضعية تنتزع من الأحكام التكليفية. فلما أن الشارع يقول لي: “لا صلاة إلا بطهور”، يريد أن ينتزع من هذا الحكم التكليفي إلا الشرطية (إلا بطهور). وكذلك: “لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب”، فينتج منه الشرطية. وكذلك الصلاة عند الزوال، ينتج عندي السببية. والخلاصة أن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية.

إذن صار عندنا فرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي. ومن هنا قال: (ولو جاهلاً بحكمه الشرعي) أي الأحكام الخمسة التي في الخارج التي تتعلق بالوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب والإباحة، (أو الوضعي)، (لا بأصله).

صور الجهل والنسيان وأثرها على الصلاة

هذه الصورة نحكم بصحة صلاته لكونه جاهلاً بأصل الموضع مغصوب مثلاً، أو ناسياً له، أي ناسياً للحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي، سواء أكان متذكراً للغصب أم ناسياً له.

(أو لأصله) كما لو علم بالغصبية ونسي الغصبية على ما يقتضيه إطلاق العبارة في الأخيرين، أي نسيان حكم الغصب ونسيان أصل الغصب. وفي الأخيرين للمصنف رحمه الله في (البيان) قول آخر بالصحة.

يعني تارة المصلي ناسياً للحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي، وتارة ناسياً للغصبية مع كونه هو الغاصب. وقد تقدم من المصنف رضوان الله تعالى عليه القول ببطلان صلاة الغاصب في هاتين الصورتين، وقول الآخر هو الصحة.

وتارة أسمع أن زيداً يقول: “أرضي الفلانية مغصوبة ولا أباح لأحد أن يصلي فيها إطلاقاً”، وأنا سمعت وعلمت أن صاحب الأرض هكذا قال، فإذن لا يجوز لي أن أصلي فيها. لكن إذا أنا ما أدري أن هذه الأرض مغصوبة وصليت، ما فيها شيء. لكن بالنسبة للغاصب ما يحتاج.

لكن لو أن صاحب الأرض قال: “أبحت للصلاة في أرضي إلا الغاصب”، هنا يصح لي أن أصلي في الأرض وإن كانت الأرض مغصوبة لوجود الإذن من صاحبها في الصلاة، فهنا يصدق أني أصلي في أرض مغصوبة ولكن صلاتي صحيحة.

(وثالث) أي قول ثالث للمصنف في الدروس والذكرى، (بها في خارج الوقت خاصة)، يعني تصح الصلاة إذا علمت خارج الوقت، ومثله القول في اللباس. يعني المصنف عنده قول ثالث في خصوص الصورتين المتقدمتين، وهو إن تذكر المصلي الحكم التكليفي أو الوضعي أو تذكر الغصبية في الوقت فصلاته التي صلاها مع النسيان باطلة ولا بد من الإعادة، أما لو لم يتذكر حتى خرج الوقت فصلاته صحيحة.

(واحترزنا بكون المصلي هو الغاصب عما لو كان غيره)، فإن الصلاة فيه (في المغصوب) بإذن المالك صحيحة في المشهور. وهذا قول السيد المرتضى. وخالف المشهور الشيخ الطوسي رحمه الله، حيث بنى الحكم على عنوان الأرض والمكان المغصوب، طالما أن العنوان متحقق وهو الغصب فلا تصح الصلاة سواء كانت من الغاصب أو غيره مطلقاً.

حالة الاضطرار

وكل ذلك مع الاختيار، أما مع الاضطرار (كالمحبوس فيه) فلا، لعدم كونه مختاراً (لكونه مضطراً). (خالياً من نجاسة متعدية) ويجب أن يكون الموضع الذي يصلي فيه أو يصلي عليه خالياً من النجاسة المتعدية إلى المصلي، (أو محمولة) الذي يشترط طهارته على وجه يمنع من الصلاة، فلو لم تتعدى أو تعدت على وجه يعفى عنه كقليل الدم أو إلى ما لا يتم الصلاة فيه لم يضر. تارة نجاسة تكون محمولة ولكنها لا تضر.

طهارة موضع السجود

(طاهر المسجَد) بفتح الجيم، ولهذا جعلت لي الأرض مسجَداً وطهوراً، البعض ماذا يقرأها؟ مسجِداً، لا، مسجَداً. والمسجَد بفتح الميم وهو ما يسجد عليه. (بفتح الجيم وهو القدر المعتبر منه في السجود مطلقاً) سواء كانت النجاسة متعدية أو غير متعدية. وذهب الشيخ أبو الصلاح الحلبي إلى اعتبار طهارة مواضع المساجد السبعة.

فضل المساجد وتفاضلها

(والأفضل المسجد) لغير المرأة، أو مطلقاً بناء على إطلاق المسجد على بيتها، ولهذا ورد: “المرأة بيتها مسجدها”. وكذا ما ورد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام: “خير مساجد نسائكم البيوت”. والأفضل المسجد لغير المرأة، أو مطلقاً بناء على إطلاق المسجد على بيتها بالنسبة إليها كما ينبه عليه.

(وتتفاوت) أي المساجد في الفضيلة، بحسب تفاوتها في ذاتها أو عوارضها، ككثير الجماعة. المسجد الذي تقام فيه الجماعة أفضل من المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة.

  • (فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة)، ومنه الكعبة، من المسجد الحرام لو صلى بداخل الكعبة. ولكن لا يخفى على أن النوافل في داخل الكعبة ليس فيها شيء، وإنما الصلوات الواجبة بداخلها مكروهة. بل حكم الشيخ الطوسي في الخلاف والنهاية والتهذيب وتبعه القاضي (ابن البراج) بعدم جواز الصلاة في جوف الكعبة. وأما الصلاة على ظهر الكعبة فالمشهور قال بالجواز للمختار، أما القاضي ابن البراج فقال بالنسبة للمختار لا يجوز، وأما المضطر فيجوز له الصلاة على ظهر الكعبة.
  • (والنبوي) بالمدينة (بعشرة آلاف صلاة)، وحكم زيادته الحادثة كما مر.
  • (وكل من مسجد الكوفة والأقصى) سمي بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، (بألف صلاة).
  • (والمسجد الجامع) في البلد للجمعة أو الجماعة، وإن تعدد (بمائة).
  • (ومسجد القبيلة) كالمحلة في البلد (بخمس وعشرين).
  • (ومسجد السوق باثنتي عشرة).
  • (ومسجد المرأة بيتها) بمعنى أن صلاتها فيه أفضل من خروجها إلى المسجد، أو بمعنى كون صلاتها فيه كالمسجد في الفضيلة، فلا تفتقر إلى طلبها بالخروج. وهل هو كمسجد مطلق أو كما تريد الخروج إليه؟ من المفروض أن تكون العبارة “أو كلما تريد الخروج إليه” فيختلف بحسبه.

الظاهر الثاني (أي الحديث الوارد في مسجد المرأة بيتها له احتمالان):

الأول: أن فضيلة الصلاة في بيتها كفضيلة الصلاة في المسجد المطلق المجرد عن أية إضافة مكانية كمسجد الحرم والكوفة والجامع، أو شخصية كمسجد النبي صلى الله عليه وآله. فإن لها من الثواب ما لو صلت في مسجد السوق وهو اثنا عشر درجة الموجودة في جميع المساجد.

وأما الثاني: أن فضيلة الصلاة في بيتها متوقفة ومنوطة على قصدها للمسجد الذي تريد إتيان الصلاة فيه. فمثلاً إذا كانت قاصدة للصلاة في المسجد الجامع فإن لها ثواب ذاك المسجد وهو مائة درجة، وكذا إذا كانت مريدة للصلاة في مسجد الكوفة فإن لها ثواب ذاك المسجد. وهكذا الحال في سائر المساجد. فإذاً يكون المدار في كيفية الثواب شدة وضعفاً، وأصله مدار القصد.

(ويستحب اتخاذ المساجد استحباباً مؤكداً). فمن بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة. وزيد في بعض الأخبار: (كمفحص قطاة). كما في صحيحة أبي عبيدة الحذاء وهو زياد بن عيسى، روى في سند صحيح: سمعت أبا عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام) يقول: “من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة”. فمر بي أبو عبد الله في طريق مكة، وقد سويت بأحجار مسجداً، فقلت: جعلت فداك، نرجو أن يكون هذا من ذاك؟ قال: “هذا الذي عملته مثل ذاك” الذي قلت بانه من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة. قال: نعم هذا من ذاك.

وكذلك في رواية أبي عبيدة الحذاء عن الباقر، تجمع بين المعنيين: “من بنى مسجداً كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة”. وهو كمقعد الموضع الذي تكشفه القطاة (نوع من الحمام) وتلينه بجؤجؤها لتبيض فيه. والتشبيه به مبالغة في الصغر بناء على الاكتفاء برسمه حيث يمكن الانتفاع به في أقل مراتبه، وإن لم يعمل له حائط ونحوه. والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


التمرير إلى الأعلى