مناقشة رواية (لا حاجة لي به) في ولادة الإمام الحسين عليه السلام: دراسة نقدية وتحليلية
تمهيد: الإشكال العقدي في الرواية
لا زال كلامنا مستمراً في الحديث حول الرواية التي اشتملت على قول النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام): (لا حاجة لي به) في التبشير بالإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). وقد ذكرنا فيما مضى أن الرواية المذكورة تمثل مشكلاً عقديّاً يمنع من القبول بها إلا أن يُعمد إلى حله وعلاجه.
التوجيه الأول: التخيير لا الإخبار (رأي المجلسي)
كان آخر ما عرضناه ما تضمنته كلمات بعض الأعلام، كالمجلسي (أعلى الله في الخلد مقامه)، من أن مفاد هذا النص ليس الإخبار، وإنما مفاد هذا النص هو التخيير. فلو قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأعطي الإمام الحسين (عليه السلام)، ولو لم يقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلن يعطى. ولما قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطيه، ولو لم يقبل لم يعطى.
مناقشة التوجيه الأول: القرائن النصية
ومرد هذا الأمر إلى نكتة أشرنا إليها، من أن القضايا عندنا نوعان: إخبارية وإنشائية، وتخييرهم (عليهم أفضل الصلاة والسلام) في القضايا الإنشائية دون الإخبارية. ورفض النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لن يكون حينئذ مخالفاً لرضا الله سبحانه وتعالى أو معارضاً لإرادة الله عز وجل، إذ أنه بعد لم تتحقق الإرادة الإلهية، ولم يتحقق الرضا الإلهي كيما يقال بتحقق المخالفة حينئذ.
والإنصاف أن الجواب المذكور حسن بناءً على التسليم بكبرى التخيير، ولكن هل فعلاً يخير المعصومون (عليهم أفضل الصلاة والسلام) في الأمور؟ صحيح نحن عندنا قول الإمام الحسين (عليه السلام) يوم خروجه من مكة: (رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين). إلا أن هذا النص نص متأخر جداً لا وجود له في كلمات القدماء، وبناءً على ما ينقل من أن المعيار في قبول النصوص التاريخية هو وجودها في المصادر القدمائية، لن يكون النص المذكور مقبولاً.
ولكن، لو سلمنا بهذه الكبرى وبنينا على تماميتها، فهل يصلح الجواب المذكور والنصوص محل البحث؟ إذا رجعنا للنصوص الموجودة عندنا في المقام، سنجد أن الجواب المذكور لا ينسجم مع مجموعة من الروايات الواردة، منها ما في (كتاب كامل الزيارات) وغيره، حيث تضمنت جملة خبرية لا إنشائية.
عرض الروايات وتحليلها
1. رواية الكافي
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما حملت فاطمة بالحسين عليه السلام جاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن فاطمة ستلد غلاماً تقتله أمتك من بعدك). هذا إخبار أو إنشاء؟ واضح في أن المقام مقام إخبار وليس المقام مقام إنشاء، وهذا لا ينسجم والجواب الذي ذكره شيخنا المجلسي (أعلى الله في الخلد مقامه).
2. رواية كامل الزيارات
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما حملت فاطمة بالحسين عليه السلام جاء جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن فاطمة ستلد ولداً تقتله أمتك من بعدك).
3. رواية كمال الدين وتمام النعمة
وهي تتضمن التعبير: (لما حملت فاطمة عليها أفضل الصلاة والسلام جاء جبرائيل). فإذا ما دار بين الأمين جبرائيل والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لن يكون قضية إنشائية، وإنما سوف يكون قضية خبرية.
التوجيه الثاني: الحمل على ما قبل التعلق (رأي السيد العاملي)
ذكر بعض الباحثين، وهو السيد جعفر مرتضى العاملي (قدس الله تربته) في كتابه (سيرة الحسين في الحديث والتاريخ) جواباً طويلاً مفاده: أن النصوص الموجودة عندنا فيها مرحلتان: ما قبل الخلقة، وما بعد الخلقة. الرفض كان قبل الخلقة، والقبول كان بعد الخلقة. ويشهد لذلك أنه لم تتضمن النصوص الرافضة رفضاً للحسين، وإنما رفض لمولود يولد.
مناقشة التوجيه الثاني
هذا الجواب مبني على التسليم، ولكن النصوص محل البحث لا تنسجم معه. ففي رواية العلل عن أبي عبد الله (عليه السلام): (جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين عليه السلام الفضل على ولد الحسن عليه السلام وهما يجريان في شرع واحد؟… إن جبرائيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وآله وما ولد الحسين عليه السلام بعد). وفي رواية أخرى: (يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بمولود يولد من فاطمة عليها السلام تقتله أمتك من بعدك). النصوص صريحة في الإخبار، وبعضها يشير إلى أن ذلك بعد الحمل، فلا مجال للحمل على ما قبل تعلق الروح أو ما قبل الخلقة.
الخلاصة
إن النصوص الموجودة بأيدينا بعضها نص صريح في الإخبار، وبعضها ظاهر في الإخبار ولو بقرينة نصوص أخرى، ولم نجد في النصوص ما يشير من قريب أو بعيد إلى الإنشاء بحيث يصرح بتخييره. فبالتالي، الجواب الصادر من شيخنا المجلسي، أو محاولة التفريق بين مراحل الخلق كما طرحه السيد العاملي، لا ينسجم مع ظاهر النصوص التي بأيدينا التي تثبت الإخبار وتحدد وقتاً لا يقبل التخيير التكويني السابق.