مشروعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) ومناقشة روايات الولادة
لا زال الكلام مستمراً في الحديث حول مشروعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام). وقد ذكرنا فيما مضى وجود طوائف من النصوص الدالة على ذلك، تعرضنا إلى طائفتين منها، وقد عرفت سلامة بعضها سنداً وتماميتها دلالة، وبالتالي تصلح أن تكون دليلاً على مشروعية البكاء.
كان كلامنا فعلاً في الطائفة الثالثة من النصوص المستند إليها في إثبات المشروعية، وهي عبارة عن ما تضمن بكاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والصديقة الزهراء روحي لها الفداء والأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم) وسيدي ولي النعمة صاحب الزمان عجل الله فرجه، للدلالة على مشروعية البكاء.
استعراض الروايات ومصادرها
فعلاً كان الحديث في رواية كراهة أو رفض الزهراء (عليها السلام) الحمل بالإمام الحسين (عليه السلام) أو عرض بشارة جبرائيل للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بولادة الإمام الحسين (عليه السلام) وإبلاغ النبي (صلى الله عليه وآله) الزهراء (عليها السلام) بذلك، وقول رسول الله (لا حاجة لي) وقول الزهراء (عليها السلام) (لا حاجة لي) بمولود يولد تقتله الأمة.
وقد استعرضنا النصوص، وأشرنا لروايتين في الكافي وأشرنا إلى رواية في كامل الزيارات. جميل جداً مراجعة ما ذكره السيد هاشم البحراني في كتابه البرهان في تفسير القرآن في المجلد السابع في تفسير سورة الأحقاف عند تفسير الآية رقم 15 وهي قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا).
هذه الآية استعرض السيد هاشم البحراني الروايات التي تضمنت هذا المعنى، فنقل الروايتين اللتين ذكرناهما عن الكافي، ونقل أيضاً رواية ابن بابويه ونقل أيضاً رواية عن الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) وإن لم تشتمل على عملية الكراهة، كما نقل أيضاً رواية عن الشيخ الصدوق في كتابه العلل.
قراءة نص رواية العلل للشيخ الصدوق
قرأ الأستاذ من المتن: (حدثني أحمد بن الحسين رحمه الله، قال: حدثني أحمد بن يحيى، قال: حدثني بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، قال: حدثنا علي بن حسان الواسطي، عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين عليه السلام الفضل على ولد الحسن عليه السلام؟ وهما يجريان في شرع واحد. فقال: لا أراكم تأخذون به، إن جبرائيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وآله، وما ولد الحسين عليه السلام بعد، فقال له: يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك. فقال: لا حاجة لي فيه. فخاطبه ثلاثاً، ثم دعا علياً عليه السلام فقال له: إن جبرائيل عليه السلام يخبرني عن الله عز وجل أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك. فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله. فخاطب علياً عليه السلام ثلاثاً، ثم قال: إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة. فأرسل إلى فاطمة عليها السلام: إن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي. فقالت فاطمة عليها السلام: ليس لي فيه يا أبة حاجة. فخاطبها ثلاثاً، ثم أرسل إليها: لابد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة. فقالت: رضيت عن الله عز وجل. فعلقت وحملت بالحسين عليه السلام، فحملت ستة أشهر ثم وضعت، ولم يولد مولود قط لستة أشهر غير الحسين بن علي وعيسى بن مريم عليهما السلام).
مناقشة المضامين العقائدية في الروايات
هذه الرواية دالة على الغرض. ورواية المجالس اشتملت على أن حمل الحسين (عليه السلام) ستة أشهر وأرضع سنتين وربطه بالآية القرآنية. كذلك أيضاً بقية الروايات. عندنا طبعاً رواية ينقلها كامل الزيارات ما فيها الكراهة وهذه التي أشرت لاختلاف الروايات زيادة ونقيصة. وهي رواية أبي خديجة، نفس سند الرواية السابقة ما عدا أبو سلمة وأبو خديجة.
نقطة مهمة ينبغي الالتفات إليها: (لما حملت فاطمة)، قبل قليل رواية العلل تقول (بعد لم تعلق) وهنا (حملت فاطمة عليها السلام). جاء جبرائيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (إن فاطمة ستلد ولداً تقتله أمتك من بعدك). فلما حملت فاطمة بالحسين (عليه السلام) كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): (هل في الدنيا أم تلد غلاماً فتكرهه؟ ولكنها كرهته لأنها تعلم أنه سيقتل). قال وفيه نزلت هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا).
هنا لو تتأملوا هذه الرواية لم تتضمن الإشارة إلى أن النبي قال: (لا حاجة لي)، ولم تتضمن الإشارة إلى أن السيدة الزهراء (عليها السلام) قالت: (لا حاجة لي). بل إنما أخبر بالحدث أنها ستلد، أيضاً لم يتضمن إخبار جبرائيل أن الحسين سيقتل، ولم يتضمن إخبار جبرائيل أن الله عز وجل قد عوض الحسين (عليه السلام) عن قتله بجعل الإمامة.
الإشكاليات حول مدة الحمل والرضاعة
عندنا مجموعة نقاط جرت العادة أن تذكر:
- أن الإمام الحسين (عليه السلام) ولد لستة أشهر.
- أن الإمام الحسين لم يرتضع من أنثى.
لو سألنا ما هو دليلكم على أن الحسين (عليه السلام) قد ولد لستة أشهر؟ وما هو دليلكم على أن الحسين (عليه السلام) لم يرتضع من ثدي أنثى وإنما ارتضع من إبهام رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ دليلهم على ذلك هي هذه الروايات.
وهنا ننتظر نتيجة مهمة: هل تتعاطون مع هذه النصوص كروايات عقدية؟ أو تتعاطون مع هذه النصوص كروايات تاريخية؟ إذا تتعاطون مع هذه النصوص كروايات تاريخية فلا معنى لأن نقف عند هذه الروايات سنداً، خصوصاً وأننا لن نستنبط منها حكماً شرعياً ولن نستفيد منها مدلولاً عقدياً. أما إذا تقررون بأن هذه النصوص روايات عقدية، لأنكم بصدد بيان أن القرآن نزل في الحسين (عليه السلام) كما أصر على ذلك بعض الباحثين فجعل الآية رقم 15 قضية في واقعة لأنها مختصة بالإمام الحسين، فهذه روايات عقدية أو روايات لا أقل تفسيرية، وبالتالي لا بد من كونها معتبرة سنداً.
بحث الإشكال العقائدي: الرضا بقضاء الله
وعليه لو قلنا بعدم تمامية هذه النصوص من حيث السند، لا يمكن الالتزام بأن الحسين ولد لستة أشهر. ولا يقبل القول بأن الحسين لم يرتضع من ثدي أنثى. وهذا يترتب عليه مجموعة من الآثار. الكلام بناء على هذا سوف تواجه الرواية المذكورة مجموعة إشكالات.
أول الإشكالات التي سوف تعرض على هذه الرواية: منافاتها لما ورد عندنا. نحن نعتقد طبقاً لما بأيدينا من النصوص أن رضا محمد وآله (عليهم أفضل الصلاة والسلام) رضا الله، وأن إرادة الله عز وجل إرادة محمد وآله. بمعنى أن محمداً وآله (عليهم السلام) يرضون كل ما يرضاه الله عز وجل، ويريدون كل ما يريده الله سبحانه وتعالى. فلا نتصور أن يرضى الله عز وجل أمراً لا يرضاه محمد وآله، أو يريد الله عز وجل أمراً لا يريده محمد وآله.
إذا بنينا على هذه الكبرى، سوف تكون هذه الروايات منافية لهذه الكبرى. فإن قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): (لا حاجة لي) يتنافى مع كون رضاهم لرضا الله، إرادتهم لإرادة الله. أو ما يريده الله ويرضاه يريدونه ويرضوه.
نظرية الشيخ المجلسي (التخيير)
ذكر الشيخ المجلسي (قدس سره) أشار بأن المقام من موارد التخيير. المقصود من مقام التخيير، المفروض أن القضايا الموجودة عندنا قسمان: قضايا إخبارية وقضايا إنشائية. نقصد من القضايا الإخبارية التي يكون لها واقع متحقق موجود في الخارج يقصد الإخبار عنه. في مقابل القضية الإنشائية وهي التي لا يكون هناك واقع متحقق وإنما يقصد تحققه فيما بعد في الخارج.
عندما نقول بأن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) رضاهم موافق لرضا الله سبحانه وتعالى، قطعاً هذا متصور في القضايا الإخبارية، القضايا التي تحققت إرادة الله عز وجل فيها وتحقق رضا الله سبحانه وتعالى بها بأن أوجدها الله عز وجل خارجاً هم يرضون بها. أما القضايا الإنشائية والتي لم يوجدها الله عز وجل في الخارج، مو شرط أن يكون رضاهم موافقاً لرضا الله.
العلامة المجلسي يوصل لهذه النتيجة: أن الموجود هو عملية تخييرية. جبرائيل (عليه السلام) نزل على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مخيراً: (يا محمد أترغب أن أرزقك ولداً تقتله أمتك وستكون الإمامة فيه؟)، نظير ما تقولون في تخيير ملك الموت للنبي، فالآن القضية قضية إنشائية ليس لها واقع في الخارج، فمو شرط، لو خالف محمد (صلى الله عليه وآله) لن يكون منافياً لي (رضا الله رضانا أهل البيت)، لن يكون مخالفاً لإرادة الله عز وجل لأن المقام مقام تخيير. فمحمد (صلى الله عليه وآله) مخير إن شاء أن يقبل وإن شاء أن يرفض.
هذه الروايات ناظرة إلى هذا الجانب، ناظرة إلى العملية التخييرية ليس إلا، وليس النظر فيها إلى شيء آخر. سنطرح تساؤلاً: ألا يتنافى هذا مع ما دل عندنا من النصوص أن الله عز وجل قد خلق جميع الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من عالم الذر؟ وللحديث تتمة.