عنوان الدرس:

شعيرة البكاء 5

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 41
تاريخ الدرس 21/10/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

مناقشة رواية كراهة الحمل بالإمام الحسين (عليه السلام) وتحقيق حال سالم بن مكرم

مقدمة في روايات شعيرة البكاء

كان حديثنا في الطائفة الثالثة الدالة على شعيرة البكاء، وقد ذكرنا أول الروايات، وهي رواية (كراهة السيدة الزهراء عليها السلام حمل الإمام الحسين صلوات الله عليه)، و(كراهة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ذلك). وقد نقلنا الرواية من كتاب الكافي ومن كتاب كامل الزيارات، وقلنا بأن للرواية طريقين في كتاب الكافي، وللرواية طريق في كتاب كامل الزيارات.

الإشكالات الواردة على الرواية

أشرنا ضمن ما أشرنا إلى أن الرواية المذكورة تواجه مشكلتين أساسيتين: المشكلة الأولى من ناحية المتن، والمشكلة الثانية من ناحية السند.

أولاً: الإشكال المتني

أما من ناحية المتن، فإن مضمون الرواية يتنافى مع العصمة الثابتة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وللصديقة الزهراء (عليها السلام)، ومع قانون علمهما بالغيب مطلقاً؛ إذ إن مفاد الرواية أن النبي والصديقة فاطمة قد رفضا أمر الله عز وجل بوجود الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وهذا يتنافى والعصمة. مضافاً إلى أن رفضهما للإمام الحسين وعدم علمهما بما يترتب على ذلك من أمر في مستقبل الأيام يوحي أنهما لم يكونا عالمين بحال الأئمة (صلوات الله عليهم) ولا من هو الإمام أو الأثر المترتب، كما تمت الإشارة لذلك.

ثانياً: الإشكال السندي

المشكلة الثانية أن هذه الطرق الثلاثة تنتهي إلى أبي خديجة، وهو سالم بن مكرم. وسالم بن مكرم محل كلام بين الرجاليين.

لقد تعرضنا في البحث الماضي إلى ناحية المتن، وأشرنا إلى أن بعض فضلاء العصر حاول التغلب على مشكلة المتن من خلال ذكر وجهين، وجّه من خلالهما الرواية بحيث تكون منسجمة مع قانون العصمة وقانون علم الغيب المطلق، وتضمن عرضنا إياهما شيئاً من التعليق، وسيكون لنا تعليق من حيث القبول أو الرفض على هذين الوجهين بعد استكمال ملاحظة سند الرواية.

تحقيق حال سالم بن مكرم (أبي خديجة)

فعلاً الكلام الآن في الإشارة للمشكلة الثانية من المشاكل التي تعاني منها الرواية، وهي مشكلة السند، وذلك بوجود سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة.

أبو خديجة وثقه النجاشي صريحاً في رجاله، وكذلك صنع ذلك الشيخ الطوسي (رضي الله تعالى عنه)، إلا أنه ضعفه في مورد آخر كما نقل عن العلامة. وقد وقع في أسانيد كامل الزيارات ومدحه ابن فضال.

تعارض التوثيق والتضعيف عند الشيخ الطوسي

حاول الشيخ الجزائري (رحمه الله) في كتابه حاوي الأقوال، وتابعه على ذلك مقرر التنقيح الميرزا علي الغروي (رضي الله تعالى عنه) في تنقيح العروة الوثقى المجلد الأول، علاج التعارض بأن يتساقط تضعيف الشيخ الطوسي (رحمه الله) مع توثيقه لحصول المعارضة بينهما، ولا مرجح لأحدهما، ويبقى توثيق النجاشي وابن قولويه على حالهما.

وبعبارة أوضح: الموجود عندنا معارضة، والمعارضة حاصلة بين توثيق الشيخ وبين تضعيف الشيخ، وهذه المعارضة لا يوجد ما يرجح أحدهما على الآخر، لا مناص أنهما يتساقطان، يبقى توثيق النجاشي سالماً عن المعارضة، يبقى توثيق ابن قولويه -لأنه واقع في أسانيده- سالماً عن المعارضة، يُبنى حينئذٍ على وثاقة سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة.

السر في ذلك هو أن تضعيف الشيخ (رضي الله تعالى عنه) وتوثيقه لا يخرجان عن حالات ثلاث:

1. الحالة الأولى: أن يكونا متقارنين بأن صدرا من الشيخ (قدس سره) في وقت واحد، فيسقطان لتعارضهما؛ لأن أدلة حجية خبر الواحد لا تشمل المتعارضين، فتبقى شهادة النجاشي وابن قولويه بلا معارض.

2. الحالة الثانية: أن يكون توثيق الشيخ الطوسي متأخراً عن تضعيفه، فلا يضر أيضاً لعدوله عن التضعيف.

3. الحالة الثالثة: أن يكون تضعيف الشيخ الطوسي (رضي الله تعالى عنه) متأخراً عن توثيقه، فيكون عدولاً عن التوثيق، فيقع التعارض بينهما. وبما أن تاريخ المتقدم والمتأخر غير معلوم، يندرج تضعيف الشيخ في الشبهة الموضوعية للتضعيف لعدم ثبوت شيء من التوثيق والتضعيف، فلا عبرة عندها بكل من قوليه؛ لا القول بالتوثيق ولا القول بالتضعيف، فيبقى توثيق النجاشي وتوثيق ابن قولويه بلا معارض.

مناقشة السيد الخوئي ورأيه في المسألة

السيد الخوئي (رضي الله تعالى عنه) بعدما ذكر هذا المعنى في معجم رجال الحديث أورد عليه نقضاً وحلاً.

أما النقض: فقال بأن هذه المعارضة الموجودة في المقام لها نظائر كثيرة في الفقه، فإذا فرضنا رواية عن زرارة دلت على حرمة شيء، ودلت رواية أخرى عن زرارة وعن محمد بن مسلم مثلاً على خلاف الأولى، فهل يمكن أن يقال إن رواية زرارة الأولى تعارضها رواية زرارة الثانية فتتساقط الروايتان اللتان لزرارة وتبقى رواية محمد بن مسلم بلا معارض فيؤخذ بها؟ لا يمكن ذلك أبداً.

مقامنا من هذا القبيل، لا معنى لأن يقال بأن توثيق الشيخ الطوسي (قدس الله تربته الطاهرة) معارض بتضعيف الشيخ الطوسي (رحمه الله) فقط وفقط، فيتساقط التوثيق والتضعيف، ويبقى توثيق النجاشي وتوثيق ابن قولويه من دون معارض فيرتب الأثر. هذا الكلام شوية غير دقيق، شوية في غير محله. إذاً مقامنا من هذا القبيل، فكما لا تقبلون في تعارض الروايات فتقولون المعارضة حاصلة بين هاتين الروايتين دون الأخرى، وإنما تقررون أن المعارضة حاصلة بين جميع الروايات؛ مقامنا من هذا القبيل، التوثيق في طرف والتضعيف في طرف، فكل ما ورد في شأن التوثيق معارض بما ورد في جانب التضعيف، يتساقط التوثيق والتضعيف على حد سواء بالنسبة للجميع.

وأما الحل: فقال (رضي الله عنه) والجواب للسيد الخوئي: إذا ثبت أن الشيخ الطوسي (رضي الله تعالى عنه) وثقه في موضع فلا يمكن شمول دليل حجية الخبر له ولإخباره بالضعف معاً، ولا يمكن اختصاصه بأحدهم لعدم الترجيح. وهذا كما يجري في خبري الشيخ الطوسي يجري أيضاً بين خبره بالضعف وخبر النجاشي بالوثاقة.

النتيجة: ليس المورد صغرى التكذيب، بل هو صغرى لخبرين متعارضين مجهولي التاريخ، فلا يُعرف أيهما المتقدم وأيهما المتأخر.

المختار في وثاقة سالم بن مكرم

اختار السيد الخوئي (رحمه الله) الوثاقة، فلا يؤخذ بتضعيف الشيخ الطوسي في نفسه في المقام بهذا البيان. قال بأن سالم بن سلمة المتقدم قد عرفت قول النجاشي فيه: (أن حديثه ليس نقياً)، وأن ابن الغضائري قد ضعفه. وقد ذكر النجاشي كتاباً له وذكر طريقاً له كالتالي: (أخبرني عدة من أصحابنا عن جعفر بن محمد قال حدثني أبي وأخي قالا حدثنا محمد بن يحيى عن علي بن محمد بن علي بن سعد الأشعري قال حدثنا محمد بن سالم ابن أبي سلمة عن أبيه بكتابه).

ولم يتعرض الشيخ الطوسي (رحمه الله) لسالم بن أبي سلمة حتى في رجاله، مع أن الرجال أعم من الفهرست. فيُحصر سر عدم تعرضه له في تخيله أنه هو سالم بن مكرم، فإن الشيخ الطوسي (قدس الله تربته الطاهرة) قد اعتقد أن مكرماً كنيته أبو سلمة، وقد تعرض له في الفهرست والرجال. وعليه، فيكون تضعيفه لسالم بن مكرم مبنياً على أنه متحد مع من؟ مع سالم بن أبي سلمة الذي عرفت كلام النجاشي وابن الغضائري في حقه.

وحيث أن الشيخ الطوسي (رضي الله تعالى عنه) أخطأ في ذلك، فإن سالم بن أبي سلمة رجل آخر غير سالم بن مكرم، فالتضعيف لا يكون راجعاً إلى سالم بن مكرم الذي ليس بابن أبي سلمة، بل هو نفسه مكنى بأبي سلمة، وانما التضعيف الصادر من الشيخ الطوسي لسالم بن أبي سلمة. وقد اشتبه الأمر على الشيخ (رحمه الله) وبالتالي خلط هذا بذاك، فهذا موجب التضعيف. وبالتالي لا معارضة لكلام النجاشي في إثبات الوثاقة.

تأييد المحقق التستري والشيخ المامقاني

نفس المعنى الذي ذكره سيد المعجم (أعلى الله في الخلد مقامه) الإمام الخوئي (قدس الله تربته)، قد ذكره أيضاً المحقق التستري (أعلى الله في الخلد مقامه) في كتابه قاموس الرجال. واللطيف أن الشيخ التستري (قدس سره) لم يختلف عن السيد الخوئي (رضي الله عنه)، فكما أن سيد المعجم لم يبرهن الدعوى التي بنى عليها النتيجة التي قد سمعت، كذلك شيخ القاموس (قدس الله تربته) لم يبرهن الدعوى التي بنى عليها النتيجة التي سمعت.

تابع بعض مشايخنا (أطال الله في عمره الشريف) في أصول علم الرجال الشيخ المامقاني، فاتخذا طريقاً آخر في كتابه تنقيح المقال في دفع هذا الإشكال، حيث مضيا إلى القول بالوثاقة من خلال أن توثيق الشيخ الطوسي (رحمه الله) حاكم على تضعيفه؛ لأن الشيخ الطوسي كان ناظراً في التضعيف إلى أيام كان سالم بن مكرم خطابياً، لما ظفر الشيخ الطوسي بتوبته ورجوعه عن الخطابية القائلين بألوهية الإمام الصادق (عليه السلام) وبنبوة أبي الخطاب، قال بتوثيقه. إذاً النتيجة أن التضعيف معلل بفساد العقيدة والانحراف، لما انتهى الانحراف وزالت فساد العقيدة قال بوثاقته.

خلاصة البحث في السند

المتحصل إلى هنا هو: إما الحكم بعدم وثاقة سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة لعدم وجود ما يوجب التوثيق؛ لأن النتيجة سوف يبنى على تحقق المعارضة بين ما دل على التوثيق والتضعيف، يتساقط ما دل على التوثيق والتضعيف تكون النتيجة أن الرجل مجهول الحال أو أن الرجل مهمل فلا يعول على مروياته. أو لا أقل، لا نجزم بتقدم التوثيق على التضعيف أو تقدم التضعيف على التوثيق، وجراء عدم الجزم بأحدهما على الآخر ستكون النتيجة البناء على التوقف في المقام.

وهذا ما يمكن أن يلتزم به في البين. إذاً النتيجة: أن مشكلة الرواية السندية وهي وجود سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة مما يصعب علاجها أو يصعب حلها، وبالتالي لا مجال لرفع اليد عن ذلك.

التمرير إلى الأعلى