عنوان الدرس:

شعيرة البكاء 4

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 40
تاريخ الدرس 19/10/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

النصوص المستند إليها في إثبات مشروعية البكاء على الحسين (عليه السلام)

لا زال كلامنا مستمرًا في الحديث حول النصوص المستند إليها في إثبات مشروعية البكاء، بل استحبابه. وقد تعرضنا فيما مضى إلى طائفتين من النصوص الدالة على استحباب البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، بل دلت بعضها على استحباب البكاء على أهل بيت العصمة والطهارة. نعم، كان الكلام في مدى سعة دلالة النصوص المذكورة لكل من انتسب للبيت العلوي، أو ينحصر ذلك في خصوص المعصومين من الحجج الإلهية صلوات الله عليهم.

الطائفة الثالثة: ما تضمن بكاء النبي وأهل بيته (عليهم السلام)

الكلام في الطائفة الثالثة من الطوائف المستند إليها، وهي ما تضمن بكاء النبي وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على الإمام الحسين (عليه السلام). بداية ينبغي الالتفات إلى أن دلالة هذه الطائفة من النصوص تكون تارة من خلال استفادة الحكم الشرعي من خلال الفعل؛ لأن الفعل أحد مصاديق السنة، فبكاء النبي (صلى الله عليه وآله) فعل، وفعله يعد مصدرًا من مصادر التشريع، وأقصى ما يستفاد منه المشروعية أو الجواز. أو أن يكون الاستدلال بهذه النصوص من خلال ملاحظة التأسّي، لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وعندها سيكون الكلام في حدود دائرة التأسّي.

رواية سالم بن مكرم (أبي خديجة)

من النصوص المستند إليها في المقام رواية سالم بن مكرم المعروف بأبي خديجة، والتي رويت في (الكافي) و(كامل الزيارات) و(بحار الأنوار) و(تفسير الصافي). ففي الكافي عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لَمَّا حَمَلَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلَام) بِالْحُسَيْنِ جَاءَ جَبْرَئِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِه) فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَام) سَتَلِدُ غُلَاماً تَقْتُلُهُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ فَاطِمَةُ بِالْحُسَيْنِ (عَلَيْهَا السَّلَام) كَرِهَتْ حَمْلَهُ، وَحِينَ وَضَعَتْهُ كَرِهَتْ وَضْعَهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهَا السَّلَام): لَمْ تُرَ فِي الدُّنْيَا أُمٌّ تَلِدُ غُلَاماً تَكْرَهُهُ، وَلَكِنَّهَا كَرِهَتْهُ لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ. قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)).

ونفس هذه الرواية رواها في (كامل الزيارات) باختلاف يسير في اللفظ، حيث جاء فيها: (فَقَالَ: وَعَلَى رَبِّيَ السَّلَامُ، لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُهُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي. فَعَرَجَ، ثُمَّ نَزَلَ، وَقَالَ كَمَا قَالَ، فَأَجَابَ النَّبِيُّ كَمَا أَجَابَ… فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْإِمَامَةَ وَالْوِلَايَةَ وَالْوَصِيَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِه) قَدْ رَضِيتُ).

المناقشة الدلالية: إشكالية الكراهة والعصمة

هذه الرواية عندنا فيها مشكلتان أساسيتان: المشكلة الأولى من حيث المضمون، والمشكلة الثانية من حيث السند. أما المشكلة المضمونية، فلأنها تضمنت كراهة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، كما تضمنت كراهة الصديقة الزهراء (عليها السلام) ولادته. وهذا يوحي بنحو اعتراض أو رفض لأمر الله سبحانه وتعالى، وهو ينافي مقام العصمة، بل ينافي مقام العلم المطلق المتصور في المقام للنبي وللزهراء. فهل يعقل أن يرفض المعصوم قضاء الله وقدره؟

توجيهات العلماء لمفهوم الكراهة

ذكر الأستاذ المحاضر عدة توجيهات لرفع هذا الإشكال:

أولاً: رأي الشيخ التستري: ذهب الشيخ التستري (رحمه الله) إلى أن المقصود بالكره هنا ليس الكراهة والمبغوضية والاعتراض، وإنما المقصود هو الحزن والأسف. فهي حزينة عليه آسفة عليه في حمله ووضعه وحضانته، لما تعلمه من مقتله.

ثانياً: توجيه بعض فضلاء العصر: وهو أن هذه الكراهة محمولة على معانٍ أخرى:

1. الاستخبار (طلب الحكمة): أن ذلك لم يكن اعتراضاً، بل كان بغرض استخبار الحكمة الإلهية، كسؤال “لماذا خلقت مولوداً تقتله أمتي؟”، فجاء الجواب بالتعويض بالإمامة والولاية في ذريته.

2. الجهة المقامية: أن قوله (لَا حَاجَةَ لِي بِهِ) بلحاظ مقام النبوة وليس بلحاظ شخصه (صلى الله عليه وآله). فالإنسان الشخصي قد لا يتأثر، لكن النبوة التي تستتبع الحفاظ على الإمام تقتضي هذا التساؤل، والعطاء الإلهي كان للمقام (بجعل الأئمة من نسله) وليس للشخص فقط.

إشكالية الرضاع من النبي (صلى الله عليه وآله)

ورد في ذيل الرواية أن الحسين (عليه السلام) لم يرتضع من أنثى، بل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يلقمه إبهامه أو لسانه فيمصه. وقد استشكل البعض في كون هذا مخالفاً للطبيعة البشرية. ويمكن الجواب بأن هذا نوع من الإعجاز والكرامة، وإن كان الالتزام بأن النبي يلقمه يومياً حتى استغنى عن الرضاع يحتاج إلى تأمل، إلا أن أصل الحدوث ككرامة أمر ممكن ومقبول.

البحث السندي

بالنسبة للرواية الأولى (رواية الكافي)، فإنها مروية بثلاثة طرق، طريقان منها معتبران، ويعتمدان على وثاقة سالم بن مكرم (أبي خديجة). وحتى الطريق الثالث في الكافي لو بني على وثاقة معلى بن محمد البصري اعتماداً على وقوعه في أسانيد (كامل الزيارات) سيكون معتبراً. أما الرواية الثانية (رواية كامل الزيارات)، فهي مرسلة لأنها عن (رجل من أصحابنا)، ولكن يمكن جبرها بالرواية الأولى المعتبرة.

التمرير إلى الأعلى