بحث في دلالة توثيقات كتاب كامل الزيارات ومباني الأعلام فيها
بسم الله الرحمن الرحيم. لا زال كلامنا مستمراً في النصوص المستند إليها في إثبات شعيرية البكاء. وقد ذكرنا فيما مضى أن لدينا طوائف متعددة من النصوص التي يمكن الاستناد لها في ذلك. كنا نتحدث عن الطائفة التي تقرر أن البكاء على الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) يوجب غفران الذنوب، أو يوجب غفران الذنوب العظام، وما شابه.
وقد كان حديثنا أخيراً في واحدة من تلك النصوص والتي اشتمل سندها على محمد بن موسى المتوكل، وقد عرفت أن طريق وثاقته تعتمد على الالتزام بوقوعه في أسانيد كامل الزيارات. سواء بني على القبول بوثاقة جميع الواقعين في أسانيد الكتاب المذكور، أم بني على اختصاص العبارة بوثاقة المشايخ فقط دون غيرهم.
الأقوال في دلالة توثيق ابن قولويه
من التوثيقات العامة المذكورة في كلمات الأعلام وقوع الراوي في أسناد كتاب كامل الزيارات للشيخ ابن قولويه، وذلك اعتماداً على ظهور كلامه (قدس الله تربته الطاهرة) في مقدمة الكتاب في حصر روايته في خصوص الثقات دون غيرهم. وسأشير بعد قليل إلى عبارته.
إن عبارته يمكن تحليلها إلى مقطعين، يستند بعض الأعلام إلى المقطع الأول، ويستند بعض الأعلام إلى المقطع الثاني كما سيتضح. ما يهمنا في المقام تعدد الأقوال الموجودة بين الرجاليين والباحثين والأعلام في تحديد مدلول عبارة ابن قولويه (رضي الله تعالى عنه)، فعندنا أقوال متعددة.
القول الأول: وثاقة جميع الواقعين في الأسانيد
وهو البناء على دلالة العبارة على وثاقة جميع الواقعين في أسناد الكتاب، بدعوى شهادة ابن قولويه بذلك. ويختلف القائلون بهذا القول سعة وضيقاً بلحاظ ما يستظهرونه من عبارة ابن قولويه والقيود الدخيلة في دلالتها، ولذا يمكن تصنيف القائلين بهذا القول إلى فئات:
الفئة الأولى: هي التي اشترطت للبناء على وثاقة الراوي أن يكون واقعاً في الكتاب من دون فرق بين كونه إمامياً أو غير إمامي، وإنما اعتبرت قيداً واحداً وهو أن يكون الخبر منتهياً إلى المعصوم (عليه السلام). وعليه، فكل خبر قد ورد في الكتاب لا ينتهي إلى المعصوم لن يكون داخلاً في دائرة الحجية.
وبهذا سنتغلب على مشكلة عمر بن سعد؛ فإن النص المنقول في الكتاب عن عمر بن سعد لا ينتهي إلى المعصوم (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وهذا يستدعي عدم دخوله في كبرى الشهادة الصادرة من ابن قولويه، وكذا فلان وفلان وما شابه. فبأخذ هذا القيد وهو أن يكون الخبر منتهياً إلى المعصوم (عليه أفضل الصلاة والسلام) سوف ينحصر التوثيق في فئة معينة وبالتالي سيقل العدد حينئذ.
وهذا الرأي يمكن نسبته إلى السيد الخوئي (قدس الله تربته الطاهرة)، إما قبل عدوله أو بناء على التشكيك في تحقق العدول منه. لم أقف على شيء مكتوب أن سيدنا (قدس الله تربته الطاهرة) قد عدل عن هذا الأمر إلا الاستفتاء الموجود في (صراط النجاة) بناء على الالتزام بأن كل ما ورد في صراط النجاة صادر عن السيد الخوئي (قدس سره) ولو من خلال دليل الإمضاء لتزكية الأستاذ الشيخ التبريزي (رضي الله تعالى عنه) لذلك. الاستاذ التبريزي عقب على الاستفتاءات الموجودة بين يديه، أما أنه يقطع أو يجزم بكونها صادرة عن سيدنا (قدس الله تربته الطاهرة) فهذا محل كلام. كيف ما كان هذا ما يمكن ذكره.
الفئة الثانية: وهم الذين يلتزمون بوثاقة جميع الرواة الذين وردوا في أسانيد الكتاب من دون فرق، سواء انتهت النصوص إلى المعصوم (عليه أفضل الصلاة والسلام) أم إلى غيره، وسواء كان الراوي إمامياً أم لم يكن الراوي إمامياً. وهذا ما التزمه العلمان الجليلان المقدسان: الشيخ الفاضل اللنكراني (قدس الله تربته)، والسيد محمد سعيد الحكيم (أعلى الله في الخلد مقامه)، فإنهما لم يعتبرا شرطاً ولم يتخذا قيداً.
الفئة الثالثة: وهي التي تلتزم بتخصيص شهادة ابن قولويه بالأسانيد التي تتضمن شروطاً ثلاثة:
- الشرط الأول: أن يكون السند منتهياً إلى المعصوم (عليه السلام) مسنداً (شرطين في شرط)، فلا يشمل ما ينتهي إلى المعصوم برفع أو ما ينتهي إلى المعصوم بإرسال.
- الشرط الثاني: أن لا يشتمل السند على غير الإمامي، فلو وقع فيه شخص غير إمامي لم يحكم بوثاقة الواقعين في هذا السند وإن كان السند منتهياً إلى المعصوم (عليه السلام).
وقد عُد من أصحاب هذه الفئة سيدنا الخوئي (رضي الله تعالى عنه) في المرحلة الثانية من عمره.
الفئة الرابعة: وهذا ما ينسب للسيد السيستاني (أطال الله بقاءه) سابقاً، وهو تخصيص التوثيق العام الوارد في مقدمة ابن قولويه بخصوص النصوص التي تضمنت ثواب زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وليس مطلق روايات الكتاب. مثلاً عندنا روايات واردة في ثواب المشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ما دامت الرواية تتحدث عن ثواب المشي لا تتحدث عن ثواب الزيارة فهي غير مشمولة.
الفئة الخامسة: تخصيص التوثيق الصادر عن ابن قولويه (قدس الله تربته الطاهرة) بأسانيد بعض من روايات كل باب من أبواب الكتاب، على أساس أن ما صدر من ابن قولويه راجع إلى عناوين الأبواب، فيكفي في ثبوت ما ذكره في عناوين الأبواب وجود رواية واحدة من روايات الباب يكون رجالها ثقات. وهذا هو الذي التزمه الأستاذ الشيخ التبريزي (قدس الله تربته الطاهرة) في صراط النجاة.
القول الثاني: اختصاص التوثيق بالمشايخ المباشرين
وهو البناء على دلالة العبارة على وثاقة خصوص مشايخ ابن قولويه الذين روى عنهم في كتابه من دون واسطة. وهذا أول من اختاره على ما يبدو هو المحدث النوري (قدس الله تربته الطاهرة) في خاتمة المستدرك، وتبعه على ذلك سيدنا الخوئي (أعلى الله في الخلد مقامه) وهو مختار الأستاذ التبريزي (رضي الله تعالى عنه)، وقد اختاره سيدنا الشهيد الصدر (أعلى الله في الخلد مقامه).
تحليل عبارة ابن قولويه
لنرجع إلى عبارة ابن قولويه الواردة في المقام، وهي قوله:
(ولم أخرج فيه حديثاً روي عن غيرهم إذ كان فيما رويناه عنهم من حديثهم صلوات الله عليهم كفاية عن حديث غيرهم، وقد علمنا أنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله برحمته، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشواذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم).
إن ابن قولويه (رضي الله تعالى عنه) بصدد الحديث عن إعطاء امتياز لكتابه، وقد ميز كتابه من خلال امتيازات ثلاث وهي عبارة عن ملاحظة الرواة الذين نقل عنهم في هذا الكتاب:
- أنهم ثقات.
- أنهم من أصحابنا، وهذا صريح في أنهم ليسوا من العامة وأنهم على مذهب الحق.
- أن هؤلاء يستحقون الترحم، فهو بمثابة التصريح من صاحب الكتاب أنهم من أتباع مذهب أهل الحق.
المقطع الثاني من العبارة يشير إلى أن كتابه وبشكل معتمد لا يروي عن الضعفاء وبشكل معتمد لا يروي عن الشواذ على مستوى الرواية، فكأن ابن قولويه يريد أن يؤكد على هذا المعنى.
وههنا نقطة ينبغي الالتفات لها؛ ظاهر هذا التعبير الصادر من ابن قولويه هل يشمل المشايخ وغير المشايخ؟ أو أن هذا التعبير مختص بالمشايخ؟ ملاحظة القيود الثلاثة التي عرضناها من خلال العبارة تشكل قرينة داخلية موجبة لحصر التعبير في المشايخ دون غيرهم، فإن أدنى تتبع لمرويات الكتاب تجعلك تقف على التالي: تجعلك تقف أن الشيخ ابن قولويه قد روى في كتابه عمن لا إشكال ولا لبس ولا توهم ولا تردد في ضعفه، بل قد روى عمن لا يتوهم أنه على مذهب الحق، بل قد روى عمن لا يستحق أن يترحم عليه لأنه من أصحاب المذاهب الفاسدة.
إذن هو بصدد بيان اعتبار كتابه، بيان اعتبار رواياته، فجاء يبين أن الروايات منقولة في الكتاب عن المشايخ المتصفين بالصفات الثلاث التي ذكرناها قبل قليل.
مناقشة الدلالة
قد يطرح إشكال حول دلالة العبارة بناءً على القول الأول، وهو عدم اختصاص التوثيق بالمشايخ. والجواب أن المقصود بالقول الأول في مقابل القول الثاني، هو عبارة عن عدم اختصاص التوثيق بالمشايخ والذي هو مقتضى القول الثاني.
لنرجع للعبارة الثانية: (لم يخرج في كتابه حديثاً روي عن الشواذ)، إلا إذا كان هذا الشاذ قد روى عنه الأعلام المعروفون بالرواية المشهورون بالحديث والعلم، وهو بمثابة المشايخ الثقات. فالنتيجة أنه يريد أن يقرر: لو وجدتم في كتابي رواية مروية عن شخص شاذ من الرجال وقع في أسانيد تلك الرواية، فهذا لا يستدعي إسقاط الكتاب، لأنني قد اعتمدت في الرواية عنه على الأعلام المعروفين المشهورين الثقات في العلم وفي الحديث. وهذا يعني أن هذا المقام مقام وثوق ليس إلا.
إذن ابن قولويه بصدد توثيق المشايخ المباشرين (ليس إلا)، وبصدد بيان أن وجود بعض الأفراد من الشواذ في البين لا يستدعي إسقاط الكتاب عن الاعتبار وعن الحجية.
والنتيجة؛ أننا لن نحكم بوثاقة شخص لمجرد وقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وإنما سوف نقتصر على خصوص المشايخ المباشرين.