عنوان الدرس:

شعيرة البكاء 2

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 38
تاريخ الدرس 28/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

بحث أسانيد شعيرة البكاء ودلالة مقدمة كامل الزيارات على التوثيق

بسم الله الرحمن الرحيم، لا زال الكلام مستمراً في الحديث حول النصوص المستند إليها لإثبات شعيرية البكاء. وقد أشرنا إلى أن النصوص التي يمكن التمسك بها لإثبات ذلك على طوائف. كان كلامنا فعلاً في الطائفة الأولى، وهي النصوص التي تضمنت أن البكاء على الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) يوجب غفران الذنب، أو يوجب غفران الذنوب العظام، وقد ذكرنا بعض تلك النصوص في البحث الماضي.

الدليل الروائي: رواية محمد بن مسلم

من النصوص التي يمكن الاستناد إليها أيضاً رواية محمد بن مسلم، والتي نقلها صاحب الوسائل (قدس الله تربته الطاهرة) واردة في الوسائل (المجلد الرابع عشر، الباب 66 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث الثالث، صفحة 501).

وعن محمد بن موسى المتوكل (صدوق)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خديه بوأه الله بها غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فيما مسنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوأه الله مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار).

يهمنا في مقام البحث المقطع الأول من الرواية وهو قوله (عليه السلام): (أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خديه بوأه الله بها غرفاً يسكنها أحقاباً)، تقريب دلالتها على المدعى من خلال أن البكاء عليه (عليه السلام) يوجب غفران الذنوب ولو كانت من الكبائر والعظام، بملاحظة ما ترتب على البكاء عليه من نتيجة. فقد قال الإمام (عليه السلام): (بوأه الله بها غرفاً يسكنها أحقاباً)، ومن الواضح أن هذا لا يكون والباكي صاحب ذنب وخطيئة ومعصية، وإنما يكون هذا مصير من قد غفرت ذنوبه، من عفي عنه فلم يعد مطالباً بها. هذا من حيث الدلالة، فالرواية تامة الدلالة.

البحث السندي: وثاقة محمد بن موسى المتوكل

لكن يمنع من الاستناد إليها ضعف سندها، فقد اشتمل سندها على (محمد بن موسى بن المتوكل)، وقد خلت كلمات قدماء الرجاليين كالشيخ الطوسي والنجاشي (رضي الله تعالى عنهما) من التعرض لبيان حاله من حيث الوثاقة وعدمها.

نعم، نص على وثاقته العلمان الجليلان ابن داوود في رجاله، والعلامة الحلي (رضي الله عنه) في خلاصة الأقوال، وهما من المتأخرين. وقبول توثيقهما من عدمه مبني على المختار في وجه حجية قول الرجالي:

  • فلو كان وفق مختار سيدنا الإمام الخوئي (رضي الله تعالى عنه) من أن منشأ حجية قول الرجالي عبارة عن خبر الثقة في الموضوعات، فيعتبر فيه أن يكون حسياً أو لا أقل قريباً من الحس، فمن الواضح أن هذا لا يكون في توثيقات المتأخرين؛ فإنهم بعيدون جداً عن الرواة وعمن تعرض لبيان أحوالهم من حيث الشهادة.
  • بخلاف ما لو بني على المختار من أن المناط في ترتيب الأثر على قول الرجالي هو تولد الوثوق والاطمئنان من خلال حساب الاحتمال الرياضي والذي يعتمد على جمع القرائن الموجبة لهذا التولد. وفقاً لهذا المبنى (وهو المختار) لا يفرق بين قول القدماء وبين قول المتأخرين في البناء على التوثيق. عمدة ما كان، تولد الاطمئنان يختلف ما بين القدماء والمتأخرين؛ نحتاج في القدماء مثلاً لثلاث أو أربع قرائن، بينما نحتاج في المتأخرين لعشر قرائن مثلاً.

قرائن التوثيق عند المتأخرين

يمكن أن يبنى على وثاقته لترحم الشيخ الصدوق (رحمه الله) عليه في مواضع متعددة تنيفة على مئة وعشرين موضعاً. ويمكن التمسك أيضاً لإثبات وثاقته بكثرة رواية الصدوق (قدس سره) عنه. الأخيران (الترحم وكثرة الرواية) وإن لم يكونا -كما هو الصحيح- أمارتين مستقلتين للبناء على الوثاقة، لكن يمكن أن نجعلهما سبباً للبناء على عده من المعاريف.

الأستاذ الشيخ التبريزي (قدس سره) في مسلك المعاريف يلحظ حال الراوي: أولاً أن لا يكون قد ورد فيه ذم وقدح، وثانياً يلحظ مقدار ما اشتمل عليه من مدح وإن لم يوجب التوثيق، مثلاً موارد رواياته (كم رواية روى؟ ترحم أو ما شابه)، فبمقدار ما اشتمل عليه من موجبات الحسن أو موجبات المدح والثناء يجعل الشخص غالباً من المعاريف. ويركز هو بصورة أساس على الأمرين الأولين: أن لا يكون في المقام قدح وذم بالنسبة إليه، ويلحظ أيضاً الموارد التي رواها، فلو كان كثير الموارد أمكن البناء عندها على كونه من المعاريف. من هنا يمكن القول بأن محمد بن موسى المتوكل من المعاريف طبقاً لمختار الأستاذ أعلى الله في الخلد مقامه، وبالتالي يترتب الأثر.

دلالة مقدمة كامل الزيارات على التوثيق

مشكلة أننا من المصرين -ولا زلنا- على أننا لم نعرف نكتة فنية لأصل الكبرى (ما هو الدليل على الكبرى؟). حاول بعض الأساتذة دام موفقاً إيجاد نكتة فنية لهذا الأمر، إلا أنها غير صالحة لإثبات الكبرى المتحصل، أن الكبرى في نفسها غير تامة فلا موجب للنظر إلى الصغرى.

سيدنا الخوئي (قدس الله تربته الطاهرة) بنى على وثاقة محمد المذكور وقبول مروياته عند تعرضه لطريق الشيخ الصدوق (قدس الله تربته الطاهرة) إلى إسماعيل بن مهران، وقد ذكر أن الموجب للبناء على وثاقته هو الاتفاق الموجود على كونه ثقة. (راجع معجم رجال الحديث، المجلد الرابع، صفحة 103). والظاهر أن منشأ الاتفاق المذكور المدعى في كلام سيدنا (قدس الله تربته الطاهرة) ما ورد في كلام السيد ابن طاووس (رحمه الله) في كتابه (فلاح السائل)، فإنه عند ذكر رواية في طريقها محمد بن موسى المتوكل قال: (ورواة الحديث ثقات بالاتفاق).

والحق أنه لم يحرز أن ما ورد في كلام السيد ابن طاووس (رحمه الله) حكاية لاتفاق قديم، بل الظاهر أنه نقل لاتفاق المتأخرين على العمل بمروياته. لأنه لو كان القدماء متفقين على العمل برواياته لبان ذلك وظهر، ومع التسليم بعملهم بمروياته فإن منشأ ذلك يعود للوثوق بصدورها وليس للبناء على وثاقته. وهذا يعني أن الإجماع المحصل من كلماتهم من قبل السيد (قدس سره) لو تم فهو إجماع حدسي يصعب ترتيب الأثر عليه.

مناقشة عبارة ابن قولويات في مقدمة الكتاب

يتحصل مما تقدم أنه يصعب البناء على الرواية المذكورة لضعف الطريق بوجود محمد بن موسى. نعم، رويت هذه الرواية بطريقين آخرين لا يقع فيهما محمد بن موسى. الطريق الثالث (وهو كامل الزيارات)، الظاهر أن طريق كامل الزيارات (قدس الله تربته الطاهرة) فيه مشكلتان:

المشكلة الأولى: وجود الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى، وهذا الحسن ليس له توثيق صريح إلا بناءً على كونه من مشايخ ابن قولويات المباشرين. فهنا إن بنيتم على القبول بالكبرى المذكورة فبها، وإلا فلا. وكان سيدنا الخوئي (أعلى الله في الخلد مقامه) من البانين عليها، وكان الأستاذ الشيخ التبريزي (قدس الله تربته الطاهرة) كذلك من البانين عليها، وقد عدل (رضي الله تعالى عنهما) عن هذا المبنى، والتزما باختصاص العبارة المذكورة في خصوص المشايخ دون غيرهم (المشايخ المباشرين).

هذه عبارة ابن قولويات في المقدمة:

(وقد علمنا أنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم عليهم السلام في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله برحمته).

هنا محل الكلام، هذه (الثقات من أصحابنا) هل هي عموم مجموعي أم عموم استغراقي؟ بمعنى هل العبارة دالة على وثاقة جميع من وقع في أسانيد الكتاب؟ أم هي دالة على خصوص مشايخه المباشرين؟

يوجد أقوال متعددة، القول الذي نرجحه هو وثاقة خصوص المشايخ المباشرين من أساتذة ابن قولويات، وهذا هو الذي اختاره صاحب الخاتمة (المحدث النوري) وعليه العلمان الجليلان: الإمام الخوئي والأستاذ الشيخ التبريزي (رضي الله تعالى عنهما).

والقول الثالث: أنه لا يستفاد من هذه المقدمة وثاقة لا المشايخ ولا غيرهم. أكثر ما يستفاد من المقام هو التالي: أن ابن قولويات يتحدث أن رواة الكتاب من (نقاد الأخبار) ليس إلا. أما أنهم ثقات أو غير ثقات فلا يتكلم عنه.

الترجيح لرأي اختصاص التوثيق بالمباشرين

إنصافاً، لو لم تكن العبارة متعينة في أنه يتحدث عن النصوص الواصلة إليه، وهذا يعني أنه يتحدث عن توصيف مشايخه بالوثاقة، لا أقل من ظهورها في هذا الأمر. وظهورها في أوسع من هذا المعنى يحتاج إلى دليل. أنا دعواي هكذا: العبارة لو لم تكن نصاً في خصوص المشايخ، فإنها ظاهرة في خصوص المشايخ المباشرين، والبقية نشك في شمولها لهم، فلا نحتاج إلى قدر متيقن، بل نقول أن العبارة ظاهرة في هذا المعنى ولا ظهور لها في شيء آخر.

وبالتالي، يترتب الأثر على خصوص مشايخ ابن قولويات المباشرين. وحيث أن (الحسن بن عبد الله) الذي في الطريق هو من مشايخه المباشرين، فيثبت توثيقه بناءً على هذا المبنى.

التمرير إلى الأعلى