عنوان الدرس:

شعيرة البكاء 1

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 37
تاريخ الدرس 21/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شعيرية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام): البحث الدلالي والسندي

بعد الفراغ عن توقيفية الشعائر الحسينية لعدم تمامية شيء من العمومات التي ذُكرت للبناء على مشروعية كل شعيرة مخترعة، مما يوجب الاقتصار على خصوص ما تضمنته النصوص ولا يُتعدى منها إلى غيرها؛ وكذا بعد وضوح مفهوم الشعيرة وأنه ما يتقوم بعناصر ثلاثة قد عرفناها؛ يقع البحث فعلاً حول ما تضمنته النصوص من مفاهيم عُدّت شعائر حسينية، وملاحظة مدى تمامية النصوص المذكورة سنداً ودلالة.

أولاً: البحث في شعيرة البكاء

أول ما ينبغي أن يُلحظ في النصوص شعيرة البكاء، والكلام فعلاً في ذلك من حيث ملاحظة الأسناد والدلالات. وقد عُمد إلى عرض بعض القضايا البعيدة إنصافاً عن البحث العلمي في هذا المجال، كاستعراض آيات استحباب البكاء في نفسه أو على المؤمن، وصولاً لمشروعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام). إلا أن ما يهمنا في المقام هو خصوص ملاحظة النصوص التي تضمنت الحديث حول شعيرية البكاء، وهل أن البكاء شعيرة أم لا.

لقد ذُكرت نصوص عديدة تضمنت الحديث عن محبوبية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد صارت سبباً للبناء على أنه من المستحبات المؤكدة. وهي نصوص كثيرة عقد لها العلامة المجلسي (قدس سره) باباً في البحار، ويمكن تصنيف الروايات الواردة في شعيرية البكاء إلى طوائف:

الطائفة الأولى: ما يوجب غفران الذنوب

وهي النصوص التي تضمنت أن البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) يوجب غفران الذنوب، ومنها رواية ابن شبيب المشهورة الواردة في (الوسائل) وفي كتاب (البحار) وكذا في (أمالي الصدوق) و(عيون أخبار الرضا). والكلام فعلاً في هذه الروايات المستند إليها لإثبات شعيرية البكاء.

نص رواية ابن شبيب:

روى الشيخ الصدوق (أعلى الله مقامه) عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن شبيب، عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل أنه قال له: (يا ابن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله).

إلى أن قال: (يا ابن شبيب، إن بكيت على الحسين (عليه السلام) حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً. يا ابن شبيب، إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك فزر الحسين (عليه السلام)…) الرواية.

البحث الدلالي:

إن تقريب دلالة هذه الرواية على المدعى واضح، فقد نص الإمام (عليه السلام) على أن البكاء يوجب غفران الذنوب. نعم، تضمن الخبر توصيف البكاء بأن يصير على الخدين بقوله: (حتى تصير دموعك على خديك). وهذا التعبير فيه احتمالات:

  • الاحتمال الأول: أن يكون غرض الإمام (عليه السلام) هو التفريق بين البكاء والتباكي، وأن المقصود هو تحقق البكاء الفعلي الذي من مقوماته صيرورة الدمع على الخدين.
  • الاحتمال الثاني: أن الإمام يشير إلى أن البكاء من المفاهيم المشككة، وأن البكاء الذي يوجب غفران الذنوب هو خصوص البكاء الذي يكون سائلاً على الخدين، لا مطلق خروج الدمعة ولو لم تسل.

ولعل الثاني منهما أقرب، وهذا يعني أنه يُعتبر في البكاء الموجب لغفران الذنوب خصوص ما يسيل على الخدين. وبالنتيجة، الخبر دال على محبوبية البكاء.

البحث السندي:

يمنعنا من الاستناد للرواية وجود علتين في سندها: الأولى من جهة (إبراهيم بن هاشم) والكلام في توثيقه، والثانية وجود (محمد بن علي بن ماجيلويه). ولو رفعنا اليد عن المشكلة الأولى لوجود ما يوجب البناء على قبول مرويات إبراهيم بن هاشم، فإنه يصعب البناء على وثاقة الثاني لخلو كلمات الرجاليين من النص على وثاقته.

نعم، ربما بُني على وثاقته اعتماداً على كبرى “شيخوخة الإجازة”، فإن ماجيلويه واحد من مشايخ الشيخ الصدوق (قدس سره). أو الاعتماد على تصحيح العلامة الحلي لطريقٍ أمارةً على وثاقة جميع من وقع في ذلك الطريق. ولكن جميع ما ذُكر لا يصلح للبناء على الوثاقة، وهذا يعني أن الطريق ضعيف فتسقط الرواية عن الحجية والاعتبار.

الطائفة الثانية: رواية الفضيل بن يسار

وهي ما رواه في (كامل الزيارات) بسنده عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كان مثل زبد البحر).

وهذه الرواية ليست مختصة بالبكاء على الحسين (عليه السلام) بل عامة لأهل البيت، ودلالتها واضحة في محبوبية الفعل. إلا أن هذا النص اختلف عن سابقه، حيث لم يعتبر سيلان الدمع على الخدين، بل اكتفى بمجرد فيض العين ولو بمقدار جناح الذباب.

المشكلة السندية:

سند هذه الرواية فيه مشكلتان: الأولى وجود (حكيم بن داود) وليس له توثيق خاص، والثانية وجود (سلمة بن الخطاب) الذي ضعفه ابن الغضائري والنجاشي. نعم، حاول البعض كالميرزا النوري (رحمه الله) في (المستدرك) توثيق مشايخ ابن قوليه المباشرين، ولكن هذا لا يتم في غير المباشرين، كما أن تضعيف النجاشي لسلمة بن الخطاب يمنع من الاعتماد عليه. وعليه؛ يصعب البناء على اعتبار رواية ابن يسار لضعف سندها.

الطائفة الثالثة: رواية محمد بن مسلم

رواها الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال بسند صحيح -على بعض المباني- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام). ومضمونها مشابه لما تقدم من ترتيب الأثر العظيم على خروج الدمع ولو يسيراً.

التمرير إلى الأعلى