شرح شرائط الوضوء: الموالاة والمباشرة وأحكام الشك
الشرط العاشر: الموالاة
ذكر المصنف: (عاشراً من شرائط الوضوء الموالاة). والموالاة مأخوذة من الولاء، والولاء هو التتابع، فالمقصود بالموالاة لابد أن يكون العمل متتابعاً، بمعنى أن كل جزء يتبعه الجزء الآخر من دون فاصل زمني طويل. فالموالاة ملخصها أن لا يوجد فاصل طويل بين كل جزء وجزء آخر.
وهذه الموالاة شرط في الصلاة وفي كثير من الأحكام. والفاصل الطويل يحدده العرف؛ فالعرف إذا رأى أن هذا الإنسان يصلي وأن هذا الجزء هو تكملة لذاك الجزء، فالموالاة متحققة. أما إذا قال العرف: (الظاهر هذا الجزء انفصل عن ذاك)، فهنا يوجد إخلال بالموالاة. فالفواصل الزمنية لا تحدد بالدقائق (خمس أو عشر دقائق)، بل تختلف باختلاف الأعمال، والعرف هو المحدد.
أقسام الموالاة في الوضوء
الموالاة في الوضوء تختلف قليلاً عن الموالاة العرفية العامة، حيث تنقسم إلى:
1. الموالاة العرفية: وهي التتابع العرفي المذكور آنفاً.
2. موالاة الجفاف: وهذه خاصة بالوضوء، ومعناها أن تشرع في غسل العضو اللاحق قبل أن يجف العضو السابق. فلو جف العضو السابق قبل غسل اللاحق، بطل الوضوء.
وقد ذكر الأستاذ أنه إذا كانت هناك حالات استثنائية، كما لو كان الجو حاراً جداً أو كان الإنسان مصاباً بحمى تؤدي لجفاف الماء فوراً رغم التتابع، ففي هذه الحالة نرجع إلى الموالاة العرفية ولا يضر الجفاف الاضطراري.
وقد نص المصنف على ذلك بقوله: (ويتحقق ذلك -أي الموالاة- بالشروع في غسل كل عضو كاليدي اليسرى، أو مسحه كالرأس، قبل أن تجف الأعضاء السابقة عليه. نعم، لا بأس بالجفاف لكن من جهة الاضطرار، كجهة الحر أو الريح أو التجفيف إذا كانت الموالاة العرفية متحققة).
الشرط الحادي عشر: المباشرة
قال المصنف: (الحادي عشر من شرائط الوضوء المباشرة). والمقصود بالمباشرة أن يباشر المكلف أفعال الوضوء بنفسه، فلا يوضئه غيره. فإذا اعتمدت على غيرك في الغسل والمسح بطل الوضوء، إلا في حالات الضرورة كالمشلول أو العاجز، فيجوز أن يوضئه غيره مع تولي النية بنفسه.
مسألة: أحكام الشك والسهو
تطرق الدرس إلى قواعد مهمة في الفقه الإسلامي تتعلق بالشك، وهي:
1. قاعدة الاستصحاب (اليقين لا ينقض بالشك)
وهي أن يكون عند الإنسان يقين سابق وشك لاحق، فيبني على يقينه السابق. مثال ذلك: لو كان ثوبك طاهراً (يقين)، ثم شككت هل تنجس أم لا؟ تبني على الطهارة. والعكس صحيح: لو كنت متيقناً من الحدث وشككت في الطهارة، تبني على الحدث.
وقد وردت الرواية عن الإمام (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك». وهذه من أهم القواعد الفقهية.
2. قاعدة الفراغ والتجاوز
وهي تعني أن الشك إذا طرأ بعد الفراغ من العمل، يُبنى على صحة العمل. وأما قاعدة التجاوز فهي الشك في جزء من العمل بعد الدخول في الجزء الذي يليه.
قاعدة الفراغ: إذا فرغت من الوضوء أو الصلاة ثم شككت: (هل أتيت بها صحيحة أم لا؟)، فالقاعدة تقول: امضِ، وعملك صحيح. يقول المصنف: (من تيقن الوضوء وشك في الحدث بنى على الطهارة)، وهذا تطبيق للاستصحاب. أما (من شك في الوضوء بعد الفراغ من الصلاة)، هنا تجري قاعدة الفراغ بالنسبة للصلاة (فالصلاة صحيحة)، ولكن يجب عليه الوضوء للصلوات الآتية، لأن قاعدة الفراغ تصحح العمل الماضي ولا تثبت الطهارة للمستقبل.
قاعدة التجاوز: إذا شككت في القراءة وأنت راكع، فقد تجاوزت المحل، فتمضي ولا تلتفت. أما إذا شككت في القراءة قبل الركوع (المحل باقٍ)، فيجب الإتيان بها.
وقد لخص الأستاذ الفرق الدقيق: قاعدة الفراغ تجري بعد الانتهاء من العمل بالكامل، وقاعدة التجاوز تجري في أثنائه عند الانتقال من جزء لآخر. أما الاستصحاب فيجري عند توفر يقين سابق وشك لاحق دون النظر لكونه في الأثناء أو بعد الفراغ.
قال المصنف في المسألة: (من شك في الوضوء بعد الفراغ من الصلاة بنى على صحتها، وتوضأ للصلوات الآتية. ومن شك أثناءها، قطعها وأعاد الوضوء). لأن الشك في الأثناء (في أصل الطهارة) يهدم شرط الصلاة، وقاعدة التجاوز لا تجري في شروط الصلاة العامة كالطهارة، بل في أجزائها الداخلية.