عنوان الدرس:

شرح العروة الوثقى - المسألة السابعة عشرة: طرق ثبوت الاجتهاد والأعلمية

اسم الأستاذ:

الشيخ عمار الخزعلي

اسم الدورة: المسائل المنتخبة - تدريس الشيخ عمار الخزعلي
تسلسل الدرس 5
تاريخ الدرس 14/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

المسألة السابعة عشرة: الرجوع في تعيين الأعلم إلى أهل الخبرة

(يجب الرجوع في تعيين الأعلم إلى أهل الخبرة والاستنباط، ولا يجوز الرجوع في ذلك إلى من لا خبرة له بذلك).

مفهوم أهل الخبرة

لتحديد الأعلم، لابد من الرجوع إلى أهل الخبرة. وأهل الخبرة في كل شيء هم الخبراء أصحاب المعرفة في هذا الشيء؛ فأهل الخبرة بالطب هم الأطباء، والصيادلة، ومن ينتمي إلى هذه المنظومة الطبية. فإذا كانت لديك مسألة طبية، قد يجيبك الطبيب أو المعاون الطبي أو الصيدلي، وهؤلاء كلهم يُعتبرون من أهل الخبرة بالطب.

أما إذا سألت شخصاً خارج هذا التخصص، كبائع في محل أو أستاذ لغة عربية، فلا ربط له بالطب ولا يُعتبر من أهل الخبرة، حتى وإن كان أستاذاً في مجاله. فأهل الخبرة هم أصحاب التخصص في هذا الشيء الذي نحن نتكلم عنه.

من هم أهل الخبرة في الفقه والاجتهاد؟

محل بحثنا هو تحديد الأعلم والمجتهد، ومعرفة من يفهم بالاستنباط. والمتخصص في هذه الأمور هو:

أولاً: المجتهد نفسه. فالمجتهد من أهل الخبرة بهذه الأمور قطعاً. فإذا كان هناك مجتهد (أ)، يمكننا الذهاب إلى مجتهد آخر لنسأله عنه، لأنه يعرف الصنعة ويعرف كيف يحدد أن ذاك يفهم بالاجتهاد أم لا، تماماً كما يقيّم الطبيب طبيباً آخر.

ثانياً: طالب البحث الخارج المتمكن. ليس كل من يدعي العلم، بل المتخصص الذي يمارس البحث الخارج مدة طويلة. فالطالب في المقدمات أو السطوح لا يصلح أن يكون من أهل الخبرة في الاستنباط؛ لأن دراسته تقتصر على الأوليات والمفاهيم العامة (نحو، منطق، بلاغة) أو مفاهيم الاستدلال في السطوح (أصول الفقه نظرياً)، ولا يمارس الاستنباط فعلياً.

إن طالب البحث الخارج الذي مارس الدرس لمدة طويلة (وليس من حضر شهراً أو شهرين) هو الذي يرى كيف يستنبط المجتهد الأحكام من الروايات والأدلة، وبالتالي يمتلك الأهلية ليكون من أهل الخبرة.

مثال توضيحي (صاحب الصنعة)

لتقريب الفكرة، إذا أردنا معرفة من لديه خبرة بالسيارات وتصليحها (الفيتر)، نسأل المتخصص. أما إذا سألنا شخصاً تعلم اليوم اسم أداة التصليح (السبانة)، فهذا لا يُعد من أهل الخبرة. طالب السطوح يشبه هذا الشخص الذي تعلم أسماء الأدوات فقط (عام وخاص، مطلق ومقيد) دون ممارسة فعلية، فلا يُقبل قوله في تحديد الأعلمية.

تعارض أهل الخبرة (الترجيح بالكيف لا بالكم)

إذا لم يتعارض أهل الخبرة فيما بينهم، فالأمر واضح. أما إذا اختلفوا، فقال المجتهد (أ) أن زيداً هو الأعلم، وقال المجتهد (ب) أن عمراً هو الأعلم، فما الحل؟

نسأل: هل هما متكافئان في الخبرة؟ إذا تساويا في الكفاءة العلمية، نلجأ إلى المرجحات الأخرى (كالأكثرية العددية). أما إذا كان أحدهما أكفأ من الآخر، فنأخذ بقول الأكفأ، حتى لو عارضه عدد أكبر من الأقل كفاءة. فالعبرة بـ (الكيف) لا بـ (الكم).

مثال ذلك: إذا كان لديك عشرون عصا سهلة الكسر (كم)، وعصا واحدة قوية لا تنكسر (كيف)، فالأهمية للكيف. وكذلك في الطب، لو شهد طبيب ممارس حاذق بشيء، وخالفه ثلاثة مضمدين، نأخذ بقول الطبيب الحاذق لقوة خبرته (نوعية الشهادة) لا بعدد المخالفين.

الاحتياط والرجوع للظن

إذا تعارضت البينتان وتساويا في الكفاءة (تساقطا)، يجب العمل بأحوط الأقوال إذا أمكن. ومع عدم إمكان الاحتياط (دوران الأمر بين محذورين كالوجوب والحرمة)، نلجأ إلى الظن في تعيين الأعلم. والظن هنا مراتب، والفقهاء يسمون المراتب العالية من الظن (الاطمئنان) أو (الوثوق)، والمراتب الدنيا (احتمال). ومع عدم الإمكان، يتخير المكلف في تقليد من شاء منهم.

طرق ثبوت الاجتهاد

يثبت الاجتهاد أو الأعلمية بأحد أمور:

  1. الاختبار: أن يختبره بنفسه إذا كان من أهل الخبرة.
  2. شهادة العدلين: وهما أهل الخبرة، بشرط العدالة والاستقامة في العمل، وألا تعارضها شهادة مثلها.
  3. الشياع: وهو الاشتهار بين الناس بالعلم والفضل، بحيث يوجب العلم أو الاطمئنان. والشياع المفيد هو الذي ينشأ من مناشئ عقلائية صحيحة، لا مجرد إشاعات يتناقلها العوام دون تثبت.
التمرير إلى الأعلى