عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 7

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 7
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح خواص واجب الوجود لذاته

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

كان كلامنا في يوم أمس حول التقسيمات الثلاثة التي لا بد من تعقلها. وقلنا أن هذه التقسيمات أولها الواجب الوجود لذاته وهو الله سبحانه وتعالى. والثاني واجب الوجود لغيره وهو الممكن وهو الإنسان. والثالث ممتنع الوجود لذاته. ممتنع الوجود لذاته. وهو شريك الباري. وعندنا قسم رابع وهو ممتنع الوجود لغيره.

تكلمنا وما زال الكلام وتوقفنا عند قول الشيخ الفاضل رضوان الله تعالى عليه، الفاضل المقداد قال: (ولنتم هذا البحث بذكر فائدتين يتوقف عليهما المباحث الآتية) يعني أي أن المباحث التي ستأتي تتوقف على هاتين الفائدتين. قال: (الأولى في خواص الواجب لذاته) هذه هي الفائدة الأولى. (في خواص الواجب لذاته وهي خمسة) أي هذه الخواص التي للواجب لذاته خمسة. أي خمسة من الخواص.

الفائدة الأولى: في خواص الواجب لذاته

الخاصية الأولى: أنه لا يكون واجباً لذاته ولغيره معاً

(الأولى أنه لا يكون وجوده واجباً لذاته ولغيره معاً). أي لا يمكن أن يكون الواجب لذاته واجباً بالغير. وإنما الذي يكون واجباً بالغير هو الممكن. لأن الواجب لذاته وجوب وجوده إنما هو من ذاته ولم يفتقر في وجوده إلى موجد. ولهذا قلنا على أن الله سبحانه وتعالى هو بذاته وجود، هو بذاته وجود وليس له ماهية لأن ماهيته إنيته. فوجوده هو ذاته وذاته هو وجوده. فمن هنا قال أن لا يكون وجوده واجباً لذاته ولغيره معاً، ما يمكن. وإلا صار كالممكن. فكيف يكون كالممكن الذي يفتقر في وجوده إلى موجد؟ لا يمكن أن يكون.

قال: (وإلا لكان وجوده مرتفعاً عند ارتفاع وجود ذلك الغير) أي وإلا، أي لو كان واجب الوجود لذاته واجباً بالغير أيضاً، لكان وجوده مرتفعاً عند ارتفاع وجود ذلك الغير. (فلا يكون واجباً لذاته، هذا خلف).

الخاصية الثانية: أن وجوده ووجوبه ليسا زائدين عليه

إذن هذه هي الخاصية الأولى. الخاصية الأولى إذا وصفنا واجب الوجود لذاته وأنه يستحيل عليه أن يتصف بواجب الوجود لغيره لأن واجب الوجود لذاته قسم وواجب الوجود لغيره قسم يدخل ضمن الممكن. والممكن مباين لواجب الوجود لذاته. الممكن مباين لواجب الوجود لذاته. ولا يمكن أن نجمع بين المباين والمباين الآخر، هل يمكن؟ خطان متباينان هل يلتقيان؟ إلى يوم القيامة ما يلتقيان. لكن الخطان المتقاطعان يلتقيان، ومر عليكم هذا في المنطق. زين، فهذه هي الخاصية الأولى.

(الثانية) أي الخاصية الثانية، عندما نقول بأن الله واجب الوجود، قال: (أنه لا يكون وجوده ووجوبه زائدين عليه) ما يمكن. يعني أن يكون وجوده ووجوبه مغيرين له. قال: (زائدين عليه مصداقاً). يعني كيف؟ شوية أريدكم تلتفتوا. المقصود من عبارته زائداً عليه أي مصداقاً من حيث المصداق. وأما مفهوماً فيوجد تغاير. فيوجد تغاير. والمقصود من الزيادة هو التغاير.

عندما أقول الله عز وجل واجب الوجود، الله ذات، فالله ذات وواجب الوجود ما هو ارتباطه بهذه الذات من ناحية المصداق؟ الجواب: واجب الوجود هو نفس الذات. وهذا يأتي في بحث الصفات فنقول: الله عالم، قادر، ملك، خبير. فمن ناحية المصداق عندما أقول الله عالم، قادر، ملك، خبير، نجد أن المصداق واحد. ذات واحدة. لأنه العليم هو الله والخبير هو الله وذاته عليم وذاته خبير وذاته قادر. فمن ناحية المصداق عندما أقول الله عالم، الله ملك، الله خبير، نجد أن المصداق واحد لا يتغير. وذلك لأن الصفات هي عين الذات، مو زائدة. لأن الصفات هي عين الذات والذات عين الصفات. والذات عين الصفات. فالله سبحانه وتعالى عالم من حيث هو عالم وقادر من حيث هو قادر. ومن حيث أن الله عز وجل هو علم وهو قدرة، فالله سبحانه وتعالى عالم من حيث هو عالم وقادر من حيث هو قادر وهو علم وهو قدرة وهو ذات وهو حكمة. وهو ليس ذات نسب إليها العلم، لأن نسوي عندنا مشكل. إذا قلنا أن العلم صفة زائدة على الله يكون مركبا. مشكلة. فنبحث فيها، هل أن هذه الصفة من الممكنات؟ هل هي حادث أم أنها قديم؟ إن قلنا قديم فقد تعدد القدماء، وإن قلنا من الممكنات فالله صار فقيراً لها حتى يكون عالماً لا بد أن يعلم. فهذه مشكلة وراح تجينا إن شاء الله. فالله سبحانه وتعالى ذاته علم، ذاته حياة، ذاته قدرة، ذاته حكمة، وهكذا. فإذن لا يمكن أن يكون الله واجب الوجود مغايراً لوجوب الوجود. ليس مغايراً لوجوب الوجود، بل وجوب الوجود هو ذات الله عز وجل. ولكن لا مانع أن تكون هناك مغايرة بالمفهوم. مفهوم القدرة، مفهوم العلم، مفهوم الإرادة، مفهوم، هذه كلها مغايرة من حيث المفهوم. فالعلم يغاير مفهوم القدرة، العلم شيء والقدرة شيء آخر. القدرة تغاير مفهوم الإرادة، والإرادة تغاير مفهوم الحياة، والحياة تغاير مفهوم الحكمة، والحكمة تغاير مفهوم الإله وتغاير مفهوم الله، فهذا مفهوماً. فإذن التغاير بين الله سبحانه وتعالى هذه الذات الواجبة الوجود في هذه الصفات إنما هو في المفهوم لا في المصداق.

وأما المصداق فلا تغاير، لماذا؟ لأن الله علم، لأن الله قدرة، لأن الله حكمة، لأن الله حياة. لكن من حيث المفهوم يختلف، اكو تغاير من حيث المفهوم. مفهوم القدرة غير مفهوم الحياة، مفهوم الحياة غير مفهوم العلم، مفهوم العلم غير مفهوم شيء آخر، وهكذا. فلا مانع عندنا من التغاير في المفهوم، وإنما المانع هو التغاير في المصداق. فالله سبحانه وتعالى يعلم بعلم، يعلم بعلم هو علم، ويقدر بقدرة هو قدرة، هو ذاته قدرة، هو ذاته علم، هو ذاته… وهكذا. فإذن بلحاظ المصداق لا تكون هذه الصفات زائدة عليه لأن المصداق واحد. وأما بلحاظ المفهوم فهناك تغاير بين هذه الصفات وبين واجب الوجود.

(وإلا لافتقر إليهما فيكون ممكناً) لأن الممكن هو الفقير وإذا قلنا أن الله سبحانه وتعالى هو ذات وجوده وإنيته وجوده، هو نفسه بذاته، فإذن لا يمكن أن ننسب له الفقر والحاجة وأنه يحتاج لعلة توجده، هذه في الممكنات تقع.

الخاصية الثالثة: أنه لا يكون صادقاً عليه التركيب

(الثالثة أنه لا يكون صادقاً عليه التركيب) يعني كيف؟ من ضمن خواص واجب الوجود أن لا يكون مركباً. أن لا يكون مركباً. والمركب ما هو؟ المركب يكون التركيب من أجزاء خارجية مثلاً، خلينا نقول كتركيب البناء من أجزاء. يعني البناء يتركب من طوب، يتركب من سمنت، يتركب من حديد، يتركب من أدوات أخرى، يتركب مثلاً من باب، من نافذة، فيكون مثلاً هذا البناء متكاملاً يصدق عليه أنه دار، يصدق عليه أنه دار، لكن بدون أن نوجد هذه الأجزاء التي نبني بها هذه الدار لا نحصل عليها. ما يمكن أن نبني لنا دار بدون أن نستعمل الأجزاء، سواء كانت أجزاء من الإسمنت والطوب أو أجزاء أخرى كالخشب وما شابه مثلاً. الله سبحانه وتعالى بسيط وليس مركب، لأن البسيط لا يفتقر إلى أجزاء ليكتمل، بينما المركب لا يكون كاملاً إلا بأجزائه. والله سبحانه وتعالى بسيط وليس مركب، وإلا لو كان مركباً لاحتاج إلى أجزاء فيكون فقيراً، فيكون ممكناً وهذا خلف. وتارة التركيب يكون تركيب ذهني. مثل شنو؟ عندما أقول مثلاً الإنسان مركب من حيوانية وناطقية، هذا التركيب تركيب ماذا؟ مادي أو ذهني؟ ذهني. لأن الحيوانية والناطقية نتصورها ونركب الإنسان في عالم الثبوت من الحيوانية والناطقية، فنقول الإنسان يتركب من حيوانية وناطقية. فهو مركب وبما أنه مركب إذن هو ممكن وبما أنه ممكن إذن يحتاج إلى أجزاء ويفتقر إلى من يركب هذه الأجزاء وهذه الأجزاء التي تكون الإنسان تفتقر إلى من يركبها وهو الله سبحانه وتعالى. إذن هناك فرق بين المركب وبين البسيط. فالمركب يكون ممكناً والبسيط لا يحتاج إلى أحد إطلاقاً.

(لأن المركب مفتقر إلى أجزائه المغايرة له فيكون ممكناً) لو يحتاج إلى التركيب كان ممكناً، لأن التركيب من صفات الممكن. وقد أثبتنا على أن الله سبحانه وتعالى ماذا؟ واجب الوجود. والممكن لا يكون واجباً لذاته، لأن من هو الذي يكون واجباً لذاته؟ الله. الواجب الوجود لذاته هو الله سبحانه وتعالى، أما الممكن فلا.

الخاصية الرابعة: أنه لا يكون جزءاً من غيره

(الرابعة أنه لا يكون جزءاً من غيره، وإلا لكان منفعلاً) أو منفصلاً عندكم؟ منفعلاً. (عن ذلك الغير فيكون ممكناً). الخاصية الرابعة هو أن الله سبحانه وتعالى لا يكون جزءاً من غيره. تارة ننظر لهذا البناء فنقول البناء مركب من أجزاء. وهذا العنوان لا يصدق على واجب الوجود لذاته لأنه بسيط وليس بمركب. الباب جزء من المركب، ولا يكتمل الدار زين البناء ولا تكتمل الدار إلا بوجود الباب. فإذن الباب ماذا؟ جزء. فإذن هناك انفعال وهناك ارتباط وهناك حالة لهذا الجزء ليكتمل البناء ويكتمل التركيب. فهذا الانفعال وهذا التركيب مرتبطان مع بعضهما البعض وهذا البعض هي أجزاء تركب المركب. الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن الله سبحانه وتعالى قلنا بسيط وكما أثبتنا بأنه ليس مركب، فإذن نثبت على أن الله سبحانه وتعالى ليس جزءاً من المركب أيضاً، مو فقط ليس مركباً، بل ليس حتى جزءاً من المركب.

الخاصية الخامسة: أنه لا يكون صادقاً على اثنين

(الخامسة أنه لا يكون صادقاً على اثنين كما يأتي في دلائل التوحيد) أي في البرهان الذي يؤتى به لإثبات توحيد الواجب وهو الله سبحانه وتعالى. الخاصية الخامسة أنه من الخاصيات لله سبحانه وتعالى، لواجب الوجود، أن لا يكون صادقاً على اثنين. واجب الوجود لذاته ليس إلا مصداق واحد فقط فقط. لا يصدق على أحد غيره. كما يأتي إن شاء الله في دلائل التوحيد وسوف يأتي إن شاء الله في بحث وجود الباري عز وجل، وما هو الدليل على وحدانية الله سبحانه وتعالى.

الفائدة الثانية: في خواص الممكن

(الثانية في خواص الممكن وهي ثلاثة: الأولى أن لا يكون أحد الطرفين أعني الوجود والعدم أولى به) يعني أولى بالممكن (من الآخر). يعني لا الوجود أولى بالممكن ولا العدم أولى بالممكن. بل هما أي الوجود والعدم متساويان بالنسبة إليه. إلى من هو؟ إلى الممكن. ككفتي الميزان متساويان. فإن ترجح أحدهما فإنما يكون بالسبب الخارجي عن ذاته. يعني بسبب خارجي عن ذاته. (لأنه لو كان أحدهما) الوجود أو العدم (أولى من الآخر فإما أن يمكن وقوع الآخر أو لا، فإن كان الأول وهو ممكن وقوع الآخر لم تكن الأولوية كافية). (وإن كان الثاني وهو عدم إمكان وقوع الآخر كان المفروض) كان المفروض (الأولى به واجباً له) يعني الأولى لهذا أو بهذا الممكن واجباً له (فيصير الممكن إما واجباً أو ممتنعاً).

(الثاني أن الممكن محتاج إلى المؤثر) لأنه فقير، الممكن يفتقر إلى المؤثر (لأنه لما استوى الطرفان) أي طرفان؟ الوجود والعدم (أعني الوجود والعدم بالنسبة إلى ذاته) يعني ذات الشيء، أي ذات الممكن، لا الوجود أولى بالعدم ولا العدم أولى بالوجود (استحال ترجيح أحدهما على الآخر إلا لمرجح) إلا إذا حصلنا على مرجح وإلا فيستحيل الترجيح. (والعلم به بديهي). يعني استحالة ترجيح أحدهما على الآخر بدون مرجح بديهي وهذه القاعدة الفلسفية بديهية.

(الثالث أن الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر). الممكن كما أنه في حدوثه يحتاج إلى الواجب ففي بقائه يحتاج أيضاً إلى الواجب. نحن وجودنا في هذه الدنيا من الله سبحانه وتعالى، ولولا إفاضة الله علينا لما بقينا ولا حتى لحظة. فإذن نحن نستمد الوجود والبقاء من ذات الله سبحانه وتعالى. (وإنما قلنا ذلك لأن الإمكان لازم لماهية الممكن). إذن ماهية الممكن يلزمها الاحتياج أينما وجدت، سواء كان في مقام الحدوث أو مقام البقاء، حدوثاً وبقاءً يعني. (ويستحيل رفعه عنه وإلا لزم انقلابه من الإمكان إلى الوجوب والامتناع وقد ثبت أن الاحتياج لازم للإمكان ولازم اللازم لازم). إذن ماهية الممكن يلزمها الاحتياج أينما وجدت. (فيكون الاحتياج لازماً لماهية الممكن وهو المطلوب). والحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

التمرير إلى الأعلى