عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 45

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 45
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

المبحث الخامس في الإمامة: إمامة الأئمة بعد أمير المؤمنين عليه السلام

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. كان كلامنا في المبحث الخامس من مباحث الإمامة، وقد تكلمنا عن إمامة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، وانتهى بنا الكلام إلى قول العلامة الحلي:

(ثم من بعده ولده الحسن عليه السلام، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين عليه السلام، ثم محمد بن علي الباقر عليه السلام، ثم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ثم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، ثم علي بن موسى الرضا عليه السلام، ثم محمد بن علي الجواد عليه السلام، ثم علي بن محمد الهادي عليه السلام، ثم الحسن بن علي العسكري عليه السلام، ثم محمد بن الحسن صاحب الزمان صلوات الله عليهم أجمعين، بنص كل سابق منهم على لاحقه وبالأدلة السابقة.)

طالما أننا أثبتنا الإمامة بالشروط التي ذكرناها وعرفنا الإمامة بأنها رئاسة العامة في أمور الدين والدنيا، وقلنا على أن الله عز وجل كما يقول الإمام الجواد احتج في الإمامة كما احتج في النبوة، وأن الإمام لابد أن يكون أعلم أهل زمانه وأن يكون معصومًا، وأن يكون هو المقدم على أهل زمانه في كل شيء ولا يسبقه سابق.

أثبتنا ذلك للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك قلنا لابد من النص عليه، وقد أثبتنا الإمامة للإمام أمير المؤمنين بالنصوص الكثيرة. كذلك توفرت كافة شروط الإمامة في أبنائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالإمام بعده الحسن ثم الحسين.

(وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا”.)

أو قعدا. ثم بعد الإمام الحسين الإمام زين العابدين سلام الله عليه وسيد الساجدين، وبعده الإمام الباقر سلام الله عليه، والإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه، النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بلغ سلامه وتحيته إليه على لسان جابر بن عبد الله الأنصاري، كما أن جابرًا أيضًا بلغ تحية الإمام أمير المؤمنين للإمام الباقر سلام الله عليه. وباقي الأئمة أيضًا إمامتهم ثبتت، كما في الرواية:

(“الحسين إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم”.)

خلاص، فهذه محصورة في الأئمة سلام الله عليهم أجمعين. إضافة إلى ذلك النصوص الواردة لكل واحد منهم، وبالخصوص النصوص العامة والنصوص الخاصة التي وردت في شأنهم سلام الله تعالى عليهم أجمعين. وقلنا بأن هناك نصوص عامة مفصلة بأسمائهم واحدًا تلو الآخر، وهناك نصوص عامة مجملة بعددهم، وهناك نصوص خاصة، بحيث أن هناك نصوص جاءت لكل إمام سابق إلى الإمام اللاحق بالخصوص دون غيره.

فمن هنا قال الفاضل المقداد:

(أقول: لما فرغ من إثبات إمامة علي عليه السلام)

أي لما أن فرغ العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه من الكلام في إمامة أمير المؤمنين سلام الله عليه، شرع في إثبات إمامة الأئمة القائمين بالأمر بعده.

(والدليل على ذلك من وجوه:)

أدلة إمامة الأئمة الاثني عشر

الدليل الأول: النص من النبي صلى الله عليه وآله

(الأول: النص من النبي صلى الله عليه وآله، فمن ذلك قوله للحسين سلام الله عليه: “هذا ولدي الحسين إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم أفضلهم”.)

(ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، قلت: يا رسول الله، عرفنا الله فأطعناه، وعرفناك فأطعناك، فمن أولي الأمر الذي أمرنا الله تعالى بطاعتهم؟ قال: “هم خلفائي يا جابر، وأولياء الأمر بعدي، أولهم أخي علي، ثم من بعده الحسن ولده، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرأه مني السلام. ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا”.)

إذًا هذا نص جلي واضح في إمامتهم سلام الله عليهم أجمعين.

(ومن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: “إن الله اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار مني عليًا، واختار من علي والحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء، وهم تسعة من ولده يمنعون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”.)

الدليل الثاني: النص المتواتر من كل إمام على لاحقه

(الثاني: النص المتواتر من كل واحد منهم على لاحقه، وذلك كثير لا يحصى نقلته الإمامية على اختلاف طبقاتهم.)

الدليل الثالث: وجوب العصمة

(الثالث: أن الإمام يجب أن يكون معصومًا ولا شيء من غيرهم بمعصوم، فلا شيء من غيرهم بإمام. أما الأول فقد مر بيانه، وأما الثاني فبالإجماع أنه لم يدع العصمة في أحد إلا فيهم في زمان كل واحد منهم، فيكون هم الأئمة، وبيانه كما تقدم.)

الدليل الرابع: الأفضلية على أهل زمانهم

(الرابع: أنهم كانوا أفضل من كل واحد من أهل زمانهم، وذلك معلوم في كتب السير والتواريخ، فيكونوا أئمة لقبح تقديم المفضول على الفاضل.)

وهذا هو رأي العدلية فحسب.

(أحد الطلاب): العدلية هم الشيعة والمعتزلة.

الدليل الخامس: دعوى الإمامة مع ظهور المعجزة

(الخامس: أن كل واحد منهم ادعى الإمامة وظهر المعجز على يده فيكون إمامًا. وبيان ذلك قد تقدم، ومعجزاتهم قد نقلتها الإمامية في كتبهم، فعليك في ذلك بكتاب خرائج الجرائح للراوندي وغيره من الكتب في هذا الفن.)

فائدة: في الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر

وهذه في بيان حياة الإمام صاحب العصر والزمان عليه السلام.

(قال: فائدة: الإمام الثاني عشر حي موجود من حين ولادته وهي سنة ست وخمسين ومئتين إلى آخر زمان التكليف.)

لأن كل زمان لابد فيه من إمام معصوم لعموم الأدلة. ولهذا جاء الحديث والذي هو محل اتفاق بيننا وبين أبناء العامة:

(“من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية”.)

فمن هو الإمام؟ من هو إمام الزمان؟ إحنا لو تسأل أصغر واحد من أطفالنا، تقول له من هو إمام الزمان؟ يقول لك الإمام المهدي سلام الله عليه. لكن غيرنا لو تسأله من هو إمام زمانك؟ لا يعرف. ولهذا منهم من قال هو القرآن، ومنهم من قال أن من يتسلط عليك هو ولي أمرك وهو إمامك.

(لأن كل زمان لا بد فيه من إمام معصوم لعموم الأدلة وغيره ليس بمعصوم فيكون هو الإمام. وأما الاستبعاد ببقاء مثله فباطل.)

يعني كيف أنه ولد ويبقى هذه المدة؟ نقول عيسى عليه السلام للآن موجود، رفعه الله إليه. إبليس، الخضر.

(لأن ذلك ممكن خصوصًا وقد وقع في الأزمنة السالفة في حق السعداء والأشقياء ما هو أزيد من عمره عليه السلام، كالخضر وغيره.)

(وأما سبب خفائه)

لماذا هو مختفي؟

(فإما لمصلحة استأثر الله بعلمها، أو لكثرة العدو وقلة الناصر.)

ليش؟ لأن من ظلم الإنسان للإنسان أنه قد يتعدى ويقتل الإمام سلام الله عليه، يتعجل بقتله، وإلا الإمام يموت مسمومًا أيضًا. فإذا قتله بالسم فإن الأرض تخلو من حجة، فتسوخ بأهلها. فمن رحمة الله عز وجل علينا أن غيب عنا الإمام سلام الله عليه، رحمة إلهية بالعباد.

(لأن حكمته تعالى وعصمته لا يجوز معهما منع اللطف فيكون من الغير المعادي وذلك هو المطلوب. اللهم عجل فرجه وأرنا فلجه، واجعلنا من أعوانه وأتباعه وارزقنا طاعته ورضاه وعصمنا مخالفته وسخطه بحق الحق والقائل بالصدق وهو الله تعالى.)

الفصل السابع في المعاد

ندخل في آخر أصل من الأصول الخمسة وهو المعاد.

(قال: الفصل السابع في المعاد. اتفق المسلمون كافة على وجوب المعاد البدني ولأنه لولاه لقبح التكليف ولأنه ممكن والصادق قد أخبر بثبوته فيكون حقًا والآيات الدالة عليه والإنكار على جاحده.)

هذا هو الفصل السابع في المعاد، وهو آخر أصل من الأصول الخمسة. وما من فرقة من فرق المسلمين إلا ويعتقد بالمعاد. لأنه إخبار عن النبي صلى الله عليه وآله بأن هناك حساب وهناك كتاب وهناك جنة وهناك نار وهناك حياة لا موت فيها، حياة خلود، لا تعب فيها لا تكليف فيها لا نصب فيها إلى غير ذلك. فهذا هو محل اتفاق، وأن المعاد المعاد البدني. هناك قول بأنه معاد روحي لكن البدني هو الذي عليه المعول.

قال: (ولأنه لولاه لقبح التكليف)، لو لم يكن هناك يوم للحساب، فلماذا التكليف؟ ما له معنى بعد التكليف. فأين الثواب وأين العقاب؟

(ولأنه ممكن) يعني المعاد شنو؟ ممكن من الممكنات. (والصادق قد أخبر بثبوته) بثبوت شنو؟ بثبوت هذا الممكن وهو المعاد. (فيكون حقًا). (والآيات الدالة عليه والإنكار على جاحده.) هذا هو الدليل النقلي.

قال الفاضل المقداد:

(أقول: المعاد زمان العود ومكانه، والمراد به هنا الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرقها وهو حق واقع خلافًا للحكماء، والدليل على ذلك من وجوه.)

المعاد هو اسم زمان أو مكان من زمان العود أو مكان العود. المراد به هنا الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرقها، وهو حق واقع خلافًا للحكماء والدليل على ذلك من وجوه.

أدلة وجوب المعاد

الدليل الأول: إجماع المسلمين

(الأول: إجماع المسلمين على ذلك من غير نكير بينهم فيه، وإجماعهم حجة.)

لماذا إجماعهم حجة؟ لأن المعصوم معهم، ولا تجتمع الأمة على خطأ وفيهم المعصوم.

الدليل الثاني: قبح التكليف بلا جزاء

(الثاني: أنه لو لم يكن المعاد حقًا لقبح التكليف، والثاني باطل، فالمقدم مثله. بيان الشرطية أن التكليف مشقة مستلزمة للتعويض عنها، فإن المشقة من غير عوض ظلم، وذلك العوض ليس بحاصل في زمان التكليف، فلا بد حينئذ من دار أخرى يحصل فيها الجزاء على الأعمال، وإلا لكان التكليف ظلمًا وهو قبيح، تعالى الله عنه.)

الدليل الثالث: إمكان الحشر وإخبار الصادق به

(الثالث: أن حشر الأجسام ممكن، والصادق أخبر بوقوعه فيكون حقًا. وأما إمكانه فلأن أجزاء الميت قابلة للجمع مرة ثانية وإفاضة الحياة عليها، وإلا لما اتصف بها من قبل. والله تعالى عالم بأجزاء كل شخص لما تقدم من أنه عالم بكل المعلومات على حد سواء، وهو قادر على جمعها لأن ذلك ممكن، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فتثبت أن إحياء الأجسام ممكن.)

يحيي العظام وهي رميم. ما قال الأرواح، قال العظام. دليل شنو؟ دليل على أنه معاد بدني جسماني.

(وأما أن الصادق أخبر بوقوع ذلك فلأنه ثبت بالتواتر.)

والتواتر مما يفيد العلم.

(أن النبي صلى الله عليه وآله كان يثبت المعاد البدني ويقول به، فيكون حقًا وهو المطلوب.)

الدليل الرابع: دلالة القرآن

(الرابع: دلالة القرآن على ثبوته والإنكار على جاحده، فيكون حقًا. أما الأول فالآيات الدالة عليه كثيرة، نحو قوله تعالى: “وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم”، وغير ذلك من الآيات.)

وجوب الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله

(وكل من له عوض أو عليه يجب بعثه عقلًا، وغيره يجب إعادته سمعًا.)

قال الفاضل المقداد: (أقول: الذي يجب إعادته على قسمين: يجب إعادته عقلًا وسمعًا، وهو كل من له حق من ثواب أو عوض ليصل حقه إليه، وكل من عليه حق من عقاب أو عوض لأخذ الحق منه. وثانيهما: من ليس له حق ولا عليه حق من باقي الأشخاص إنسانية كان أو غيرها من الحيوانات الإنسية والوحشية، وذلك يجب إعادتها سمعًا لدلالة القرآن والأخبار المتواترة.)

(المبحث الثالث: ويجب الإقرار بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله، فمن ذلك الصراط والميزان وإنطاق الجوارح وتطاير الكتب، لإمكانها وقد أخبر الصادق بها فيجب الاعتراف بها.)

ولهذا الميت عندما يلقن، يلقن بما يعتقده ليبقى في ذهنه. يقولون كل شيء يتعطل في الإنسان إلا السمع. ولهذا يلقن عند الاحتضار ويلقن عند التغسيل ويلقن في القبر ويلقن تلقين الرجعة وهو أفضلهم.

(أقول: لما ثبت نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وعصمته، ثبت أنه صادق في كل ما أخبر بوقوعه، سواء كان سابقًا على زمانه كإخباره عن الأنبياء السالفين وأممهم والقرون الماضية وغيرها، أو في زمانه كإخباره بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات وندب المندوبات والنص على الأئمة وغير ذلك من الأخبار، أو بعد زمانه، فإما في دار التكليف كقوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: “ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين”.)

الناكثين هم طلحة والزبير والمرأة، الذين خرجوا في حرب الجمل، هم الناكثين، نكثوا البيعة، نكثوا بيعة علي سلام الله عليه. والقاسطين وهم أهل الشام. والمارقين وهم الخوارج.

(أو بعد التكليف كأحوال الموت وما بعده، فمن ذلك عذاب القبر والصراط والميزان والحساب وإنطاق الجوارح وتطاير الكتب وأحوال القيامة وكيفية حشر الأجسام وأحوال المكلفين في البعث. ويجب الإقرار بذلك أجمع والتصديق به، لأن ذلك كله أمر ممكن لا استحالة فيه، وقد أخبر الصادق بوقوعه فيكون حقًا.)

(قال: ومن ذلك الثواب.)

يأتي عليه الكلام إن شاء الله، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

التمرير إلى الأعلى