شرح الباب الحادي عشر: وجوب المعرفة بالله وصفاته وأدلتها
أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كان كلامنا في يوم أمس عن تسمية هذا الكتاب، وذلك لما جاء في شرحه الموسوم والمعروف بالنافع يوم الحشر على الباب الحادي عشر الذي هو في الأصل مختصر للمصباح الذي ألفه الشيخ الطوسي عليه الرحمة بعشرة أبواب، واختصره بعد ذلك العلامة الحلي، وجاء الشيخ الفاضل المقداد السيوري وشرح الباب الحادي عشر الذي أضافه المحقق أو العلامة الحلي لمختصره الذي كان على المصباح، مصباح المتهجد للشيخ الطوسي.
وذكر فيه ما يبحث من هذا الفن وهو أصول الدين، وضرورة التصديق بنبوة النبي صلى الله عليه وآله، والأدلة على ذلك، والخلاصة أنه ذكره بشكل مختصر لما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، وبعدل الله سبحانه وتعالى، وبالنبوة والإمامة والمعاد.
قول المصنف: وجوب المعرفة بالله
توقفنا في يوم أمس عند قول المصنف، أي العلامة الحلي عليه الرحمة.
(قال: أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية).
يعني كيف؟ يعني أن هناك إجماع من العلماء كافة (أحد الطلاب): السلام عليكم. (الشيخ): عليكم السلام. على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته. فهذا الإجماع بين العلماء كافة، ولما أن قال كافة يعني جميع العلماء المسلمين بشتى مذاهبهم وشتى طوائفهم أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى، وأجمعوا على معرفة صفاته، وجوب معرفة صفاته. أي صفات هذه؟ الله سبحانه وتعالى له صفات ثبوتية، وله صفات سلبية، وله ما يمكن أن يصح عليه وما يمتنع عنه، وكذلك بالنسبة للإمامة والمعاد. فمن هنا قال: (أجمع العلماء كافة) أي إجماع بين علماء المسلمين كافة على وجوب معرفة الله تعالى، يعني يجب تحصيل المعرفة، يجب أن يصل الإنسان إلى معرفة الله سبحانه وتعالى باليقين، وذلك من خلال هذه الأبحاث العقائدية ومن خلال علم الأصول الذي هو علم الكلام، وذلك لما يصل إليه بعد ذلك من وجوب عيني عليه لمعرفة الله سبحانه وتعالى.
قال: (وصفاته الثبوتية). الصفات الثبوتية لله سبحانه وتعالى، ها، كالعلم، كالقدرة، كالإرادة، كالحكمة، إلى غير ذلك من هذه الصفات الثبوتية لله سبحانه وتعالى. (والسلبية)، يعني الصفات التي يجب أن تسلب عن الباري عز وجل، كالتركيب الجسماني، زين، كالتركيب. وكذلك بأنه ليس محلا للحوادث أو ما شابه ذلك.
قال: (وما يصح عليه وما يمتنع عنه). يعني ما يصح على الله سبحانه وتعالى، وما يمتنع عنه كصدور القبيح، يمتنع عن الله سبحانه وتعالى، العبثية ممتنعة على الله سبحانه وتعالى. زين. قال: (والنبوة)، أيضا ويجب تحصيل المعرفة بالنبوة. (والإمامة) التي هي فرع النبوة. الله سبحانه وتعالى يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، أولا الله، ها؟ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، لكن نحتاج إلى أن نعرف من هم هؤلاء؟ قال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وهذه نزلت في أمير المؤمنين سلام الله عليه عندما تصدق بالخاتم. فإذن، الولاية الأصلية، الولاية الأساسية، الولاية اليقينية التي هي في المقدمة الأولى هي ولاية الله سبحانه وتعالى، ثم بعد الولاية لله، الولاية للنبي صلى الله عليه وآله، لأنها تأتي، ها، في طول الولاية الإلهية. كيف نؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله ونحن لم نؤمن بالله؟ كيف نقول بولاية النبي صلى الله عليه وآله ولم نقل بولاية الله؟ فمن هنا ولاية النبي صلى الله عليه وآله، زين، تأتي بعد ولاية الله، فيراعى فيها الطولية. زين. ثم بعد ذلك ولاية الأئمة سلام الله تعالى عليهم أجمعين. فلا يمكن أن نؤمن بولاية الأئمة سلام الله عليهم أجمعين قبل أن نؤمن بولاية النبي صلى الله عليه وآله وقبل أن نصدق بالنبي صلى الله عليه وآله وأنه مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى. فإذا يراعى هنا فيها ماذا؟ الطولية. والمراد من الطولية أي الطولية المترتبة، يعني ولاية الله سبحانه وتعالى، وبعده ولاية النبي صلى الله عليه وآله، وبعده ولاية الأئمة سلام الله تعالى عليهم أجمعين.
شرح المقداد السيوري وبيان الأدلة
قال: (أقول)، هذا كلام المقداد، هذا كلام المقداد السيوري رحمه الله. الكلام الذي ابتدأنا به هو كلام من؟ العلامة الحلي. الآن المقداد يشرح هذه الفقرة، قال: (أقول: اتفق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب هذه المعارف).
ما المراد من أهل الحل والعقد؟ العلماء يعني، الذين لهم الحل والعقد من خلال الاطلاع في هذه الأدلة، ومن خلال العلم بها، ومن خلال المعرفة بها. فهؤلاء العلماء بكافة طوائفهم، بكافة مذاهبهم، قال: (اتفق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب هذه المعارف. وإجماعهم حجة اتفاقا). هذا هو الدليل الأول على وجوب تحصيل المعرفة، وهو إجماع أهل الحل والعقد، يعني إجماع العلماء. قال: (وإجماعهم حجة اتفاقا) باعتبار أنهم يتفقون على ذلك. (أما عندنا)، زين، (فلمدخل)… فلدخول المعصوم فيهم. يعني، اتفاقا يعني بين العلماء أنفسهم. نعم. وإجماعهم حجة إتماما، يعني بحيث أنهم قالوا بأنه إذا اجتمعوا على أمر فاجتماعهم على هذا الأمر يدل على صحته. ولكن نحن لا، نحن نقول لابد في الإجماع من دخول المعصوم. وهم يستدلون لا تجتمع أمتي على خطأ، نحن لا نقول بهذا، نحن نقول أن الخطأ لا يحصل من الإمام سلام الله عليه. فإجماع العلماء إذا لم يكن مؤيدا بدخول الإمام لا يمكن أن يعتبر. ما يمكن. فمن هنا قال: (وإجماعهم حجة اتفاقا. أما عندنا فهذا الإجماع الذي عندنا ليس كالإجماع الذي عندهم أنه إذا اجتمع أهل الحل والعقد يكون إجماعهم صحيحا. اجتمع أهل الحل والعقد في إبعاد علي سلام الله عليه عن الخلافة، اجتمعوا في دار السقيفة. زين، فهل معنى ذلك أنهم أجمعوا على هذه البيعة للأول أن هذا هو الأمر الصحيح لأن الأمة لا تجتمع على خطأ؟ إذن أين قول النبي صلى الله عليه وآله علي مع الحق والحق مع علي؟ فلا يكون الإجماع، ها، معتبرا إلا إذا كان مؤيدا بدخول المعصوم).
لاحظ، قال: (وإجماعهم حجة اتفاقا، أما عندنا فلدخول المعصوم فيهم)، يعني دخول المعصوم في إجماع العلماء، وهذا الذي يعرف بالإجماع المدخلي. هذا الإجماع الذي يكشف عن دخول الإمام سلام الله عليه معهم هذا يسمى بالإجماع المدخلي. زين. قال: (وأما عند الغير) يعني عند غير الإمامية (فلقوله صلى الله عليه وآله: لا تجتمع أمتي على خطأ). وهذا الحديث ورد في صحيح الترمذي. هذه من الأحاديث التي وردت في صحيح الترمذي ولا يمكن أن نسلم به. نعم، نقول لا تجتمع على خطأ إذا كان الإمام معهم، وإلا فالخطأ ممكن وارد.
الدليل العقلي على وجوب المعرفة
قال: (والدليل على وجوب المعرفة سندا للإجماع). أي والدليل على وجوب المعرفة لهذه الأصول سندا، يعني تأييدا للإجماع، (على وجهين: عقلي وسمعي). يعني شلون؟ يعني أن هذا الإجماع الذي هو محل اتفاق بين جميع الطوائف هل دائما وأبدا يكون صحيحا؟ هل دائما وأبدا يكون مقبولا؟ نقول يقبل قولهم أنه يجب تحصيل هذه المعارف، إجماعهم مقبول، نقبل به، نقبل به فقط فقط في هذه الحيثيات المتعلقة بتحصيل العقائد، ضرورة تحصيل المعرفة بالله وبالنبي، ها، وبالأئمة وبالمعاد، إلى غير ذلك. هاي تحصيل حاصل. ولكن لا نعرف الصواب في معرفتنا بهذه الأصول إلا إذا دخل المعصوم فيهم. ومن هنا قال: (والدليل على وجوب المعرفة)، أي معرفة هذه؟ أصول الدين، (سندا للإجماع على وجهين، على وجهين: عقلي وسمعي). يعني دليل عقلي ودليل سمعي، يعني من الروايات.
(أما الأول) وهو الدليل العقلي، (الدليل العقلي، قال: أما الأول فلوجهين). (الأول)، أي الوجه الأول من الدليل العقلي: (أنها) يعني المعرفة، (دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف). أنها ماذا يعني؟ المعرفة. المعرفة. أي ندرك بعقولنا أن المعرفة دافعة للخوف الحاصل عند الإنسان من الاختلاف. لا شك ولا ريب أنه إذا صار الاختلاف، الإنسان يخشى أنه ليس على صواب، يخشى من يوم الجزاء، يخشى أن يقع في الخطأ، يخشى أن، إلى غير ذلك. فمن الضروريات، من الضروريات العقلية أن الإنسان يدرأ عن نفسه المخاطر، ويدرأ عن نفسه الخوف. ومن هنا أصبح دفع الخوف من الواجبات. دفع الخوف من الواجبات. وهذا الدفع يدركه حتى الحيوان بفطرته. تلاحظ هذا الحيوان إذا عرف أن في هذا المكان خطر يبتعد عنه. فما بالك في من ميزه الله على جميع الخلق بهذا العقل، بهذه الجوهرة الثمينة؟ ألا يدرك بعقله أن ما يكون سببا في هلاكه يجب الابتعاد عنه؟ ألا يدرك على أن الأخطار يجب التحذر منها؟ ألا يدرك على أن هذا الخوف يجب الابتعاد عن أسبابه؟ فمن أسباب الخوف هو الاختلاف، هو الاختلاف. فمن هنا قال: (أما الأول، أي الدليل العقلي أو الوجه العقلي، فلوجهين. الأول: أنها، أي المعرفة، دافعة للخوف الحاصل للإنسان من الاختلاف). إذا صارت عندي المعرفة حتما أني أصل إلى ماذا؟ أصل إلى حقيقة ما أبحث عنه، مو صحيح؟ إلى حقيقة ما أبحث عنه. وقال: (ودفع الخوف واجب)، واجب عقلي دفع الخوف. لماذا؟ سؤال مقدر. لأنه، جواب، جواب السؤال المقدر. شوف، قال: (ودفع الخوف واجب). لماذا؟ خل نسأل أنفسنا، لماذا دفع الخوف واجب؟ الجواب على السؤال المقدر: (لأنه)، أي لأن الخوف، (ألم نفساني يمكن دفعه). الألم تارة يكون ألم نفساني، وتارة يكون ألم بدني، كلاهما عقلا يجب ماذا؟ أن أدفعهما عن نفسي. بل والألم النفسي أشد من الألم ماذا؟ البدني، الجسماني. عندما نتأمل بين أمرين: بين الضرب بالحسام وبين الضرب باللسان، أيهما أشد على النفس؟ اللسان. خاصا إذا كان ممن لا يمكن أن يحصل منه مثل هذا الكلام، لأنه يبقى غائر، بينما جرح الحسام يطيب، لكن هذا يبقى إلى الأبد، يبقى إلى آخر الحياة. نعم، (أحد الطلاب): لو في واحد ما خاف، فما يجب عليه البحث؟ (الشيخ): لا، لماذا نبحث؟ لأن الخوف يجب أن نبتعد عنه، لأنه يوقعنا في الخوف بسبب عدم وصولنا إلى هذه الحقيقة. (أحد الطلاب): لو في واحد ما يخاف أصلا من الاختلاف؟ (الشيخ): ما يصير ما يصير، بعدين إذا عندك هذا خل عشر مواصل. زين، قال: (ودفع الخوف واجب)، عقلا عقلا، ألا يجب أن تدفع عنك المخاطر؟ عقلا، عدل لو لا؟ عقلا، مو تقول أنا ما أخاف، لا، لابد أن تخاف. ألا تخاف الله عز وجل؟ ألا، لحظة، ألا تخاف من النار؟ بلى. خلاص، كلنا نخاف من النار، عدل لو لا؟ السبب الذي يجعلني، زين، أن أبحث، والسبب الذي يجعلني أن أزداد في معرفة هذه الأصول خوفي من النار. لكن الإمام أمير المؤمنين عبادته ليست كعبادتنا، شو يقول الإمام أمير المؤمنين؟ إلهي ما عبدتك خوفا من نارك، أما أنا وأنت لا، احنا نخاف يمكن بعد لو ما في نار شب… إي. زين، إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك، ولكني وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. ولهذا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ماذا يقول؟ يقول لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا، خلاص. عندنا يقين وعندنا كشف اليقين وعندنا حق اليقين. زين.
قال: (ودفع الخوف واجب، لماذا؟)، سؤال مقدر، (الجواب على السؤال المقدر: لأنه، أي الخوف، الخوف، ألم نفساني يمكن دفعه). نفسيا إذا كنت أنا أخشى أن بكرة يحاسبني الله سبحانه وتعالى، أبتعد عن شنو هو؟ عن هذه الأكلة، أخاف أنها شنو هو؟ حرام. عدل لو لا؟ عندما لا أعلم، لا أعلم هذه المعارف المتعلقة بالله عز وجل، ألا يكون سببا لأنني أعبد الله عز وجل على جهل؟ عبادتي لله على جهل شنو معناه؟ يوقعني في ماذا؟ ألم. أحسنت. يوقعني في المخاطر، يوقعني في الحساب، يوقعني في، إلى غير ذلك، وهذه يجب عقلا دفعها ودرؤها. ومن هنا قال: (لأنه ألم نفساني يمكن دفعه). فكلاهما عقلا يجب دفعهما، سواء كان الألم ألم نفساني أو ألم جسماني. (فيحكم العقل بوجوب دفعه، فيجب دفعه). واضح لو لا؟ زين، هذا الشق الأول من العقلي.
قال: (الثاني)، أي الدليل العقلي الثاني أو الشق الثاني من الدليل العقلي: (إن شكر المنعم واجب، لا يتم إلا بالمعرفة). واحد قدم لك هدية، جاء واحد قال والله هذه هدية لفلان، جيت أنت أعطيتك الهدية، من من؟ ما أدري، واحد جاء. أنت لما أنت تشكر، شلون تشكر؟ تشكر على نحو العموم أو على نحو الخصوص؟ على نحو الخصوص. على نحو العموم، لأن ما تدريها من هو. في هذه المسألة. أنت إذا ما تعرفه شلون توجه له الشكر؟ عدل لو لا؟ ما عندك معرفة به. ما عندك معرفة به، فأنت إذا ما عندك معرفة بالله سبحانه وتعالى كيف تشكره وأنت أصلا لا تعرف من هو الله؟ قال: (إن شكر المنعم واجب، ولا يتم إلا بالمعرفة)، بمعرفة المنعم وهو الله سبحانه وتعالى. (أما أنه واجب)، يعني وأما شكر المنعم واجب فلماذا؟ (فلاستحقاق الذم عند العقلاء بتركه). تكون مذموم. يعني واحد يقدم لك شيء حتى ما تقول له شكرا؟ تصير مذموم. هذا شيء مستقبح يعني. فما بالك إذا كان المنعم هو الله سبحانه وتعالى؟ ألا يجب عليك أن تشكره ليلا نهارا وفي جميع الآنات؟ لكن إذا أنت لا تعرفه، كيف توجه الشكر لمن لا تعرف؟ قال: (فلاستحقاق الذم عند العقلاء بتركه)، أي بترك الشكر. (وأما أنه لا يتم إلا بالمعرفة)، أي وأما أن الشكر لا يتم إلا بالمعرفة للمشكور، (فإن الشكر إنما يكون بما يناسب حال المشكور). يعني واحد ملياردير أو ملك يعطيك عطية دينار واحد، وواحد فقير يعطيك عطية 1000 دينار، فالشكر يكون شلون؟ حق الفقير أكبر. الشكر بمقدار العطاء. فما بالك إذا كل هذه النعم التي عندنا من الله سبحانه وتعالى، هل تعد هذه النعم؟ ما تعد ولا تحصى. والله ماذا يقول؟ (ولئن شكرتم لأزيدنكم). فلا بد للإنسان أن يشكر الله، ومهما لهجنا بالشكر لله فإننا لا نفي بهذه النعم التي أضفاها علينا سبحانه وتعالى. فمن هنا قال: (فلأن الشكر إنما يكون بما يناسب حال المشكور).
قال: (فهو مسبوق بمعرفته، وإلا لم يكن شكرا). فلابد للشاكر أن يكون مسبوقا بمعرفة من يشكر، وبمعرفة المنعم. (والباري تعالى منعم فيجب شكره، فيجب معرفته). (ولما كان التكليف واجبا في الحكمة كما سيأتي، وجب معرفة مبلغه)، يعني المرسل من قبله وهو النبي صلى الله عليه وآله. (وحافظه)، هو الإمام، أي وحافظ الدين بعد النبي صلى الله عليه وآله، لأن الأئمة سلام الله تعالى عليهم هم أمناء الله في خلقه بعد انقضاء وحيه، هم الذين يحملون الرسالة، ولم يكمل الدين إلا بهم، لم يكمل الدين إلا بالأئمة سلام الله تعالى عليهم أجمعين. قال: (ومعرفة المعاد) كذلك، أنه إذا عرفنا الله، عرفنا المنعم وشكرناه، وعرفنا المرسل من قبله، وعرفنا من هم بعده، بعد هذا المرسل، زين، معرفة المعاد كذلك. لماذا؟ قال: (لاستلزام التكليف وجوب الجزاء). لأن التكليف، زين، له جزاء، جزاء. والجزاء يكون يوم الجزاء، ويوم الجزاء هو يوم الدين، ويوم الدين هو يوم القيامة، يوم تبلى السرائر. شو اللي تبلى السرائر يعني؟ يعني يكشف الناس على حقائقهم يوم القيامة. فكل يجازى بما فعل، إن كان خيرا خيرا وإن كان شرا شرا. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
الدليل السمعي على وجوب المعرفة
قال: (وأما الدليل السمعي فلوجهين). (الأول)، الوجه الأول: (قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)). آه، يعني هذه الآية المباركة، الآية المباركة ترشدنا إلى أن كلمة التوحيد هو العلم بلا إله إلا الله، أنه لا إله سواه. فاعلم، يعني تيقن، تيقن أنه لا إله إلا الله. (والأمر للوجوب). لأن اعلم صيغة افعل، وصيغة افعل كما يقول علماء أصول الفقه تدل على الوجوب. صيغة افعل تدل، اعلم يعني افعل، تدل على الوجوب، أي يجب عليك أن تقول لا إله إلا الله. فهذا فعل أمر يدل على الوجوب.
قال: (والثاني)، أي الدليل السمعي الثاني أو الوجه الثاني من الدليل السمعي، (لما نزل قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)). يعني اختلاف الليل والنهار، هذه من الذي يفكر فيها؟ من يفكر في كيفية تعاقب الليل والنهار؟ من يفكر في، ها، هذه الأمور التي تكون متعلقة بهذه التعاقبات الليلية والنهارية؟ قال: (لآيات لأولي الألباب)، يعني أصحاب العقول، أولي الألباب أصحاب العقول. قال النبي صلى الله عليه وآله: (ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها). يعني ويل لمن قرأ، ها، هذه الآيات دون أن يتدبر فيها، دون أن يتدبر فيها. وبين لحييه يعني عندنا الجزء الأسفل متحرك والجزء الأعلى ثابت، أي ما بين اللحيين باللسان، يعني من قرأها، يعني أخرج الصوت، أخرج الصوت ما بين لحييه دون تدبر، زين، يقول شنو هو؟ قال: (ويل). وويل شنو هو؟ ويل واد في النار، واد من أودية نار جهنم والعياذ بالله. (ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها). طبعا هذه الرواية رواية وردت عند أبناء العامة، ولكن الرواية وردت عندنا هكذا: (ويل لمن لاكها بين فكيه فلم يتأمل أو ولم يتأمل). هذه الرواية الواردة عندنا. (أحد الطلاب): شيخنا ممكن تعيدها؟ (الشيخ): ويل ما ورد عندنا، ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل.
على كل حال، فحسب النص الأول دعوة للتدبر، وحسب النص الثاني دعوة للتأمل. النص الأول في الرواية الواردة عن أبناء العامة ذكرت التدبر. النص الثاني الذي ورد عندنا وهو شنو هو؟ التأمل. قال: ويل لمن لاكها بين فكيه فلم يتأمل. وحسب دعوة النص القرآني قال: لآيات لأولي الألباب، أي أصحاب العقول. فالله عز وجل يريد أن يربط بين التدبر والعقل وبين التأمل وبين خلق السماوات والأرض وبين اختلاف الليل والنهار، فالتدبر زين، والتأمل فيما خلق الله سبحانه وتعالى، تدبر وتأمل. قال: (رتب الذم على تقدير عدم تدبرها). إذن الإنسان إذا لم يتدبر هذه الآيات فيكون مذموما. (أي عدم الاستدلال بما تضمنه الآية عن ذكر الأجرام السماوية والأرضية بما فيها من آثار الصنع والقدرة والعلم بذلك الدالة على وجود صانعها). يعني هذه النجوم وهذه السماوات التي بدون عمد، والنجوم زينة، وكل نجم يتحرك بسرعة ولا يصطدم بالآخر، وكذلك الكواكب تتحرك بسرعة ولا تصطدم ببعضها، وهي معلقة في السماء، يقولون اكو نظام جاذبية بحيث لا تسقط ولا تصطدم. ألا يدل هذا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى؟
قال: (والعلم بذلك الدالة على وجود صانعها وقدرته وعلمه، فيكون النظر والاستدلال واجبا، وهو المطلوب). وهو المطلوب. لكن واجبا بماذا؟ قال: (بالدليل لا بالتقليد)، يأتي عليه الكلام إن شاء الله. صل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.