عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 37

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 37
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

المبحث السادس: وجوب العوض الإلهي عن الآلام

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

ما زال الكلام في مباحث العدل الإلهي، وقد ذكر العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه ستة مباحث، ووصل بنا الكلام إلى آخر هذه المباحث وهو المبحث السادس الذي قال فيه:

المتن: قول العلامة الحلي

(السادس في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة عنه. ومعنى العوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال وإلا لكان ظالماً تعالى الله عن ذلك. ويجب زيادته على الألم وإلا كان عبثاً).

الشرح والبيان

هناك آلام تصدر بفعل الباري عز وجل، فتصيب الإنسان تارة، وتصيب الحيوان تارة أخرى.

أمثلة على الآلام الصادرة من الله تعالى

الإنسان معرض للأمراض، هذه الأمراض تصاحبها الآلام الشديدة، خاصة الأمراض المتعلقة بالدماء الذي يعبر عنه بالسكلر، هذه آلام فظيعة جداً جداً كآلام الولادة. فالإنسان يمرض ومرضه يسبب له آلاماً شديدة.

الإنسان قد يتألم في ساحات الجهاد، في ساحات الجهاد يجرح، تقطع يده، قد يقتل، هذه كلها آلام. يكسر إلى غير ذلك، فهذه كلها بأمر الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان مريضاً وهو المشافي، ويكلف الله عز وجل المؤمنين بالجهاد وما يقع عليهم من آلام إنما هي من أمر الله عز وجل، لأن الله هو الذي أمرهم بالجهاد.

الإنسان قد يتألم بسبب الجوع، بسبب الصوم، فبسبب الصوم يشعر بآلام بسبب الجوع الذي يحصل بسبب الصوم، هذا أيضاً من الله سبحانه وتعالى.

فهذه الآلام التي يصاب بها الإنسان ويصاب بها الحيوان، هذه كلها من الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى الذي أعطانا مثلاً هذه النعم من البهائم نذبحها ونأكلها أو نركب على ظهرها وتتحمل الآلام وتتحمل المشقة في قطع الطرق وإلى غير ذلك، كل ذلك من الله سبحانه وتعالى، الله أعطانا ذلك. فهذه الآلام التي تحصل على الحيوانات هذه أيضاً من الله سبحانه وتعالى، الآلام التي تحصل عند الإنسان أيضاً من الله سبحانه وتعالى.

العدل الإلهي ووجوب العوض

هذه الآلام التي تصيب الإنسان وهي من فعل الله عز وجل أو بأمر الله عز وجل وكذلك ما يقع على الحيوان من آلام في الحياة الدنيا، الله سبحانه وتعالى الذي أعطانا ذلك. فهذه الآلام التي تصاب بها الإنسان لا يمكن أن توصف بالقبح، طالما سلمنا بأنها من الله والله لا يصدر عنه القبيح، إذاً هذه الآلام إنما من أجل ما أعده الله سبحانه وتعالى من أجر وثواب للإنسان. وهذا ما يقتضيه العدل الإلهي.

فهذه الآلام لها عوض، ولها أجر، ولها ثواب. والأجر والعوض يكون بقدر الألم، بقدر الألم. مثلاً، المرأة عند ولادتها، كل طلقة من طلقات الولادة لها أجر شهيد، ولو ماتت في ولادتها ماتت شهيدة وحشرت مع الشهداء. يدخل رجل على الإمام الصادق عليه السلام يقول له سيدي، حججت بأمي كذا من المرات حاملاً لها على كتفي على ظهري، فهل أديت حقها؟ قال: (إنك لم تعدل ثمن طلقة واحدة من طلقات الولادة). شوف شلون. المرأة في كل طلقة تموت وتحيا، لكن في مقابل هذا ماذا؟ الله سبحانه وتعالى جعل لها عوض، جعل لها عوض. والعوض هذا لابد أن يكون بمقدار الألم وبمقدار التحمل لهذا الألم وقد يكون هذا العوض مساوٍ لهذا الألم وقد يكون تفضلاً من الله بأن يكون أكثر من هذا الألم.

إذا قلنا العوض أقل مقداراً من الألم فهذا ظلم وقبيح ولا يصدر ذلك من الله سبحانه وتعالى. وإذا قلنا العوض يساوي مقدار الألم، زين، فهذا شنو؟ لغو وعبث. وإنما الله سبحانه وتعالى لا يكافئ بمقدار الألم فقط بل يكون متفضلاً بأكثر مما يتألم الإنسان ويجعل له عوضاً. فإذاً انحصر الجواب في لابدية أن يكون العوض أكثر من الألم. أنت تتعامل مع من؟ أنت تتعامل مع الله سبحانه وتعالى.

سؤال وجواب

(أحد الطلاب): من تصيبه الابتلاءات، يتألم منها، ولكن تلك الابتلاءات بسببه هو، هل يعوضه الله عز وجل؟

طبعاً إذا كانت من الله سبحانه وتعالى يختلف عما إذا كان هو الذي أضر نفسه. نعم. أخذ سكين وقطع يده، نقول هذا بعد ألم من الله؟ الألم من الله صحيح، لكن هل بفعل الله سبحانه وتعالى؟ هو اللي فعل في نفسه. هذا الإنسان الذي ينتحر، ألم، فهل نقول الله سبحانه وتعالى بعد يكافئه على هذه الآلام؟ لا، تختلف.

متابعة الشرح

قال المبحث السادس من مباحث العدل الإلهي، قال العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه: (السادس في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة عنه) وقلنا يجب عليه تسامحاً، وإنما يجب عنه، يجب عنه.

قال: (في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة عنه ومعنى العوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال) بخلاف الثواب. فالله عز وجل يثيب الإنسان إجلالاً للمطيع وتعظيماً للمطيع. فالثواب هو إعظام للإنسان وإجلال للإنسان لأنه أطاع الله سبحانه وتعالى، والإنسان الذي عظم الخالق عز وجل وأطاعه يحصل على الثواب، والإنسان الذي أجل الخالق عز وجل وأطاعه يستحق الثواب، وأما الإنسان الذي يعصي الله فيستحق العقاب.

قال: (هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال وإلا لكان ظالماً)، يعني إذا لم يعوض الله الآلام للإنسان التي تكون بأمر منه كآلام الجوع بسبب أمره بالصوم وآلام ما يحصل عليه الإنسان في ساحات الجهاد والمشقة التي يحصل عليها مثلاً في الحج وغير ذلك أو أي ابتلاء، يكون ظالماً إذا لم يعوضه يوم القيامة.

(وإلا لكان ظالماً تعالى الله عن ذلك ويجب زيادته على الألم وإلا كان عبثاً). أي وإلا لو لم يكن زيادة لكان عبثاً، لكان عبثاً.

قال أقول: الألم الحاصل للحيوان إما أن يعلم فيه وجه من وجوه القبح فذلك يصدر عنا خاصة أو لا يعلم فيه ذلك فهو الحسن. ابتدأ بالحيوان. الألم الذي يصيب الحيوان حسن أو قبيح؟ طبعاً المراد من الحيوان هنا بالمعنى المنطقي الأعم. الألم الذي يكون على هذا الحيوان بسبب الإنسان مثلاً وهو من فعل الإنسان فهذا قبيح. كأن يؤذي نفسه أو أن يؤذي هذا الحيوان بدون أي حاجة فهذا قبيح. أما الألم الذي يصيب الإنسان أو يصيب الحيوان ولا يكون بسببه هو فهو حسن. الحيوان يذبح لمصلحة الإنسان، فالحيوان يتألم لكن ألمه هنا ليس قبيحاً لأنه في مصلحة الإنسان.

أقسام الآلام وحكمها

وقد ذكر لحسن الألم وجوه: الأول كونه مستحقاً، أي كون ذلك الإنسان أو الحيوان مستحقاً لذلك الألم، كالجاني الذي مثلاً وجب عليه الحد. الحد قد يكون يتعلق بالنفس، (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). من المصلحة من الحسن من أجل إنهاء مثل هذه الأفعال الله شرع هذا القصاص، فهذه الآلام التي يحصل عليها هذا الإنسان يوم القيامة يجازى عليها.

الثاني: كونه مشتملاً على النفع الزائد العائد إلى المتألم. الثالث: كونه مشتملاً على وجه الدفع. الرابع: كونه مما جرت به العادة. الخامس: كونه مشتملاً على وجه الدفع، يعني دفع القبيح، أي أتألم من أجل دفع القبيح. أدافع عن عرضي، دفاعي عن عرضي يعرضني للضرب، يعرضني للجرح، يعرضني للقتل، أدافع عن مالي، فهذا دفع للقبيح، دفع للاعتداء على العرض، ودفع للاعتداء على المال، وهكذا.

أو لا، أدافع عن الإسلام، لأن الكفار يريدون قتل المسلمين، وقتل المسلمين قبيح، فأنا أدفع هذا القبيح بالقتال بالجهاد، فالآلام التي أحصل عليها حسنة بواسطة الدفع.

جهاد النفس مثلاً، لماذا أجاهد نفسي؟ عن الملذات. النفس الإنسانية عندها شهوات، عندها شهوات، خاصة شهوة الفرج، شهوة الجنسية. ولهذا يا معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج وإلا فليصم ثلاثة أيام فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. هو ما يتألم من مجاهدته لنفسه؟ يتألم، يتألم. فهذه آلام حسنة لدفع القبيح.

التمرير إلى الأعلى