ضرورة التكليف الإلهي
أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كان كلامنا وما زال في مباحث العدل الإلهي، وقد وصل بنا الكلام إلى المبحث الرابع من مباحث العدل الإلهي. وقد أخذنا بعضه وبقى الكلام في البعض الآخر. نذهب إلى المتن وهو كلام العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه لنرى إلى أين وصل بنا البحث.
المتن وشرحه
(قال العلامة الحلي: وإلا لكان مغريًا بالقبح حيث خلق الشهوات والميل إلى القبيح والنفور عن الحسن فلا بد من زاجر وهو التكليف).
نشرح ثم نطبق. خلاصة هذه العبارة هو أن التكليف أمر ضروري، التكليف أمر ضروري جدًا. لماذا هو أمر ضروري؟
علاقة الروح بالبدن وضرورة التكليف
الله سبحانه وتعالى عندما خلق الخلق، كما ذكرنا فيما سبق، أي خلقه من روح ومن بدن، من روح وبدن. وعندما يرتبط البدن مع الروح يكون الناتج من هذا الارتباط بين البدن والروح هو الحياة. ولذا البدن الذي لا روح فيه نقول هو ميت، لا حياة فيه. بدون هذا الارتباط لا توجد حياة، لا توجد حياة مادية. أي بدون هذا الارتباط تكون الروح مستقلة والبدن يكون ميتًا.
الروح ليست مادية، الروح أمر معنوي. وإلى الآن لم يصل أحد إلى معرفة الروح، القرآن نطق بذلك: (قل يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي). لكن الروح عندما تكون في البدن المادي تبعث على الحياة، وإلا فيكون البدن ميتًا.
إذا حدث ارتباط بين روح الإنسان وهي دائمة حية، ما تموت، الروح ما تموت، الذي يموت هو ماذا؟ البدن، وإلا الروح تبقى تبقى. نعم. فروح الإنسان هي دائمة حية وبين بدنه، وبين الروح علاقة، بين بدن الإنسان وبين الروح علاقة، علاقة الحياة بواسطة الروح. فالعلاقة بين الروح والبدن هو حياة، هو حياة. هذه الحياة تكون في هذا الجسد المادي. بدون هذا الارتباط لا حياة لهذا الجسد، ولكن الروح ما ماتت، الروح حية.
فإذًا، إذا قلنا أن الروح مستقلة وبدن الإنسان، جسم الإنسان مستقل، نقول لا حياة. لأن جسم الإنسان لا حياة له إلا بالروح، ولا محركية للجسم الإنسان إلا بالروح. فإذا صارت الروح مرتبطة بهذا البدن بثت الحياة فيه.
وإلا فكلاهما يكون مستقلًا عن الآخر. الاستقلالية بين الروح وبين البدن انعدام للتكليف. صار واضح أو لا؟ لأن التكليف لا يكون للروح لوحدها ولا للبدن لوحده. فإذا حدث ارتباط بين روح الإنسان وهي دائمة حية وبين بدنه حدثت الحياة، وهذه الحياة المادية تنتج النفس، والنفس من إنتاج الروح زائد البدن. يعني هذه الحياة تسمى نفس، تسمى نفس.
من هو الذي خلق النفس؟ من هو الذي أوجد النفس؟ الله سبحانه وتعالى. وذلك لقوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). الذي جمع بين الروح والبدن ليترشح عن هذا الاجتماع الحياة التي تعرف بالنفس لهذا البدن، ويصح لنا أن نقول شنو؟ أن هذا البدن هو فلان، أن هذا الجسم فلان. لكن لما أن يموت الإنسان، ما يقولون جابوا فلان، جابوا الجثة لو ما جابوها؟ شوف شلون؟ ليش؟ يقول لك إيه، اعتبار النفس بالروح والحياة. الآن خلاص، الآن حتى في دائرة الأنفوس اسمه مسحوب، صار في الأموات، جثة خلاص.
طبيعة النفس الإنسانية والميل للشهوات
فالله سبحانه وتعالى هو الذي سوى النفس، وهو الذي خلق النفس، وهو الذي جعل النفس من خلال علاقة الروح مع البدن. (ونفس وما سواها) بس فقط؟ (فألهمها فجورها وتقواها). وهذا دليل على أن الإنسان شنو؟ مو مجبر. الله ألهمه الخير وألهمه طريق الشر، ترى هذا خير وهذا شر، بعد هو اختار طريق الشر ذاك شيء آخر. (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).
فالنفس سويت من ارتباط البدن بالروح. هذه النفس التي سويت بأمر الله عز وجل، ووجدت بأمر الله عز وجل سبحانه وتعالى، هذه مجبولة على حب الملذات. نعم، مجبولة على حب الشهوات والملذات. ما من نفس إلا وعندها ميل للشهوات والملذات. ولا فرق بين بني الإنسان بما فيهم الأنبياء والرسل والأئمة، طالما هو إنسان إذًا عنده نفس تميل إلى الشهوات وتميل إلى الملذات. غاية ما في الأمر هناك شنو؟ تحكم من هذا الإنسان في شهواته وفي ملذاته وإلى غير ذلك. فالنفس الإنسانية مجبولة على حب الشهوات، مجبولة على حب المال، (ويحبون المال حبًا جمًا). مجبولة على حب الملذات على حب الشهوات. مجبولة على بعض المحاسن العقلية وهكذا، حسن عنده ميل الإنسان إليه، قبيح عنده شنو؟ نفور منه وهكذا.
فإذا الله سبحانه وتعالى خلق الملذات وخلق الشهوات وخلق الحياة الدنيا وما فيها من زخارف، ومن ثم خلق النفس محبة لما في هذه الحياة. والله سبحانه وتعالى لم يمنع النفس من هذه الملذات وهذه الشهوات، بل أكثر من ذلك، جعل الميل الأكيد والقوي في هذه النفس لهذه الشهوات وهذه الملذات. زين، فإذا الله خلق هذه الشهوات وخلق هذه الملذات، ووعد الإنسان بالثواب وتوعده بالعقاب، إذًا هذه الشهوات إن حصلت بطريق شرعي حصل الإنسان على الثواب، وإذا حصلت بالحرام حصل على العقاب.
الإغراء بالقبيح وضرورة الزاجر
فعندما نقول أن الله خلق الشهوات، هل معنى ذلك أن الله الذي أودع الشهوات في النفس الإنسانية جبره على أن يرتكب المحرم؟ لا، كيف يجبره على ارتكاب المحرم ويعاقبه؟ هذا قبيح، هذا خلاف العدل. فإذًا النفس محبة لهذه الملذات ومحبة لهذه الشهوات، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى هكذا، ليش؟ إضفاءً للنعم على هذا الإنسان، إضفاء. والله سبحانه وتعالى عندما خلق هذه الشهوات وخلق هذه الملذات فقد جمع الباري عز وجل بين النفس وبين الشهوات والملذات، ومن ثم يعاقب على ذلك؟ كيف يصير؟ هذا لا يمكن، هذا قبيح. فقد حصل بهذا المعنى إغراء، إغراء بارتكاب الحرام. وحاشا لله سبحانه وتعالى أن يغرر بمن خلقه لأنه قد جعل الشهوات والملذات عنده، وجعل عنده الميل، ثم يعاقبه.
لأن الدنيا فيها ملذات وفيها شهوات وإلى غير ذلك. فهؤلاء الذين يرتكبون الملذات والشهوات المحرمة، هؤلاء تارة يكون قد ارتكبوها بقصد وبعمد، وتارة بدون قصد وبدون عمد. نفسه غلبته. هذا عنوانه يختلف عن المتعمّد. تارة هذا الإنسان يرتكب هذه الشهوات وهذه الملذات ولكن بالطريق الحلال. بالطريق الإلهي، بالطريق المباح. فنقول هذا التزم بالتكليف وذاك ابتعد عن التكليف. فمن التزم بالتكليف أثيب، لأنه منع نفسه عن الحرام وفعل الحلال. ذاك منع نفسه عن الحلال وفعل الحرام. ما يمكن أن نقول كلاهما في الجنة، ولا يمكن أن نقول أن الله سبحانه وتعالى زين، يعاقب الاثنين لأنهما فرغا الشهوات، ومالا إلى الشهوات والملذات في هذه الدنيا، نقول لا، هذا التزم بالتكليف وهذا لم يلتزم بالتكليف.
القول بأن كلاهما في الجنة أو كلاهما في النار هذا خلاف العدل الإلهي، وهذا قبيح. وإلا كيف يكون حساب وكيف يكون عقاب؟ الله سبحانه وتعالى كلف الإنسان، منعه عن ارتكاب الحرام، كلف الإنسان أن لا يعتدي على حدوده، على حدود الباري عز وجل. فلذلك تحصل الموازنة في الدنيا، الموازنة بين ماذا؟ بين الشهوات الحلال والشهوات الحرام. من هو الذي خلق هذه الموازنة؟ الله، لكن من هو الذي يفعل هذه الموازنة؟ الإنسان. أعطاه القدرة. أحسنت. الله جعل عندك ميزان العقل، العقل تزن به الأمور. الموازنة عندك، الله خلق عندك الموازنة، ولكن الإنسان هو الذي لم يفعل هذه الموازنة وهذا العقل، فإنك ستعاقب يوم القيامة.
فإذًا هناك ملذات حلال وملذات حرام، شهوات حلال وشهوات حرام. ولذلك لا بد من التكليف، لا بد من التكليف. فاللابدية من التكليف لماذا؟ زجرًا. بالضبط، بالضبط. حتى إذا ارتكب الحرام لا يلوم الله سبحانه وتعالى ويقول يا رب أنت لم تزجرني، أنت لم تقل لي، أنت لم تبلغني، أنت لم تكلفني. ولهذا يجيء الإنسان يوم القيامة ويؤاخذ على فعله، لم فعلت؟ قال لم أعلم، قال ولم لا تتعلم؟ فتكون الحجة البالغة لله عز وجل. فإذًا التكليف أمر ضروري، ولذا قال العلامة رضوان الله تعالى عليه: (فلا بد من التكليف وإلا) يعني أي لو قلنا بأن التكليف ليس ضروريًا (كان الباري مغريًا بالقبيح حيث خلق الشهوات والميل إلى القبيح والنفور عن الحسن) ولا بد من زاجر، إذًا ما هو الزاجر؟ هو التكليف. شوف، هذا العلامة يريد يقول لك هالشكل، أن الزاجر عن فعل المحرمات والامتثال بطاعة الله هو التكليف، فإذًا لا بد من التكليف.
قال النبي صلى الله عليه وآله في الخبر: (تكلفوا فعل الخير وجاهدوا نفوسكم عليه فإن الشر مطبوع عليه الإنسان). وفي رواية أخرى عن مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ماذا يقول فيها؟ قال: (أكره نفسك على الفضائل فإن الرذائل أنت مطبوع عليها). تحقيق الفضائل يحتاج إلى مجاهدة نفس، لكن الرذائل؟ ما تحتاج.
إشكال وجواب: هل العلم كافٍ عن التكليف؟
(والعلم غير كافٍ لاستهلال الذم في قضاء الوطر). خلاصة دليل العلامة قدس سره، قال التكليف ضروري، لماذا؟ لأن الإنسان يميل إلى ارتكاب المحرمات ويميل إلى ارتكاب الشهوات ويميل إلى فعل القبيح، وإذا ترك بلا تكليف فإذا هذا شنو؟ قد غرر به. فيها غرر. لأن الله سبحانه وتعالى كيف يخلق الإنسان ويخلق الميل فيه لهذه الشهوات فعندما يرتكب الحرام ولا يمنعه من الحرام ثم يعاقبه على ارتكاب الحرام؟ هذا تغرير، والتغرير قبيح ولا يرفع هذا القبح إلا يرفع هذا القبح إلا بشنو؟ بالتكليف.
ويوجد إشكال وحاصل هذا الإشكال يقول من يقول أن القبح لا يرفع إلا بالتكليف، لعل القبح يرفع بالعلم. أنا ما قد يعني ألجأ إلى التكليف ولكن أعلم أن هذا قبيح، الاعتداء على أعراض الناس شنو؟ قبيح. عاد أنا أعلم التكليف أن هذا حرام وحرام، فأنا أبتعد عنه لعلمي بأنه قبيح. يعني المكلف إذا علم بأن هذا قبيح وهذا حرام وعلم بأن هذا حسن، ما يحتاج أن يكلف؟ ونقول بما أنه علم إذًا يدرك بأن هذا قبيح وهذا حسن بالعلم، والعلم قادر على رده وصده عن القبيح. نقول العلم ليس كافيًا. ليش؟ لأن العلم بعيدًا عن التكليف لا ثواب ولا عقاب. لا ثواب ولا عقاب. ومر عليكم وقلنا على أن العقل يدرك هذا حسن وهذا قبيح، والأشاعرة ايش قالوا؟ قالوا مو العقل، قالوا التكليف الشرع. لولا الشرع قال هذا قبيح وهذا حسن لما أمكننا أن نقول بعقولنا أن هذا حسن وهذا قبيح. لكن احنا ايش قلنا؟ قلنا لا، القبح والحسن يدرك بالعقل وبالشرع أيضًا. لكن العقل متقدم.
فهناك فرق بين التكليف وبين العلم. التكليف فيه من قبل الباري عز وجل فيه وعد ووعيد، ثواب وعقاب. فمن أتى بالإحسان يجازى، ومن أتى بغيره يعاقب. وأما العلم فالله سبحانه وتعالى أعطاه لهذا الإنسان من أجل فقط أن يميز بين أن هذا قبيح وهذا حسن، من أجل أن يميز أن طاعة الله حسنة وواجبة، ومعصية الله قبيحة ومحرمة. فهذا المقدار من العلم هذا لا يصلح للزجر أصلًا، أعلم لكن لا يصلح للزجر. فمن هنا العلامة الحلي يقول العلم لا يكفي بل الذي نحتاجه من الباري عز وجل هو التكليف وهو الوعد والوعيد، لماذا؟ لأن الإنسان إذا علم بقبح شيء ثم مارسه مرارًا وتكرارًا أو مارسه معه الناس والمجتمع فهذا لا يكون رادعًا، وإنما سيصبح عنده أمرًا عاديًا. ولهذا الإنسان أول ما يرتكب المعصية يشعر بندم، لكن لما مرة ثانية، شوي الندم عنده أقل، مرة ثالثة بعد أقل، مرة رابعة خلاص يصير عنده طبيعي، قسا القلب.
قال العلامة الحلي: (والعلم غير كافٍ لاستهلال الذم في قضاء الوطر). قال أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقدير السؤال أنه لم لا يكون العلم باستحقاق المدح على الحسن داعيًا إليه؟ وباستحقاق الذم على القبيح زاجرًا عنه؟ وحينئذ أي وإذا كان العلم موجودًا لا حاجة إلى التكليف لحصول الغرض بدونه، أي بدون التكليف. أجاب المصنف بأن العلم غير كافٍ، لماذا؟ لأنه كثيرًا ما يستسهل الذم على القبيح مع قضاء الوطر من العمل القبيح خاصة مع حصول الدواعي الحسية التي هي الأكثر تكون قاهرة للدواعي العقلية.
ثم قال العلامة الحلي: (وجهة حسنه التعريض للثواب، أعني النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال الذي يستحيل الابتداء به). أثبتنا قبل قليل أن التكليف أمر ضروري ولا مناص من وجود تكليف بين الخالق وبين المخلوق، فما هو وجه حسن التكليف؟ فإذا كان واجبًا فإذًا لا بد أن يكون حسنًا، وإذا كان التكليف ضروري فلا بد أن يكون حسنًا، فما هو وجه حسن التكليف؟ قال التعريض للثواب. قال التعريض للثواب، هذا يأتي عليه الكلام إن شاء الله. وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.