عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 33

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 33
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح المبحث الرابع من العدل الإلهي: أفعال الله معللة بالأغراض

ما زال الكلام في مبحث العدل الإلهي. وقد وصل الكلام بنا إلى المبحث الرابع الذي قال فيه العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه:

(الرابع في أنه تعالى يفعل لغرض لدلالة القرآن عليه ولاستلزام نفيه العبث وهو قبيح).

نشرح ثم نطبق.

مذهب الأشاعرة في أفعال الله

بالنسبة إلى الأشاعرة قالوا بأن أفعال الباري سبحانه وتعالى ليست معللة بالأغراض.

(أحد الطلاب): ليست معللة بي وين؟

بالأغراض. ليست معللة بالأغراض. يعني الباري عز وجل يفعل لا لغرض، بل يفعل ما يشاء دون أن يكون فعله مقيدًا بغرض، دون أن يكون فعله مقيدًا بسبب، دون أن يكون فعله مقيدًا بحالة. زين؟ يعني يفعل بلا سبب. يفعل بلا سبب، يفعل بلا غرض. وهذا يلزم منه شنو؟ العبث. العبث.

أي أن أفعال الباري عز وجل إذا كانت هكذا أنه ليست مقيدة بغرض ولا بحكمة ولا بسبب ولا بغاية، هذا يلزم منه العبث.

نسألهم سؤال، نقول لهم: لماذا أنتم تقولون هكذا؟ يجيبون. يقولون: إذا قيدنا أفعال الباري عز وجل بأغراض وبعلل وبحكم، حكمة يعني، معناها أنه بحاجة إلى غرض. فلذلك فهو أمر بالصلاة بحاجة للصلاة، العلة في أمره بالصلاة لأنه في حاجة لهذه الصلاة فأمر بها. أمر بالصوم لأنه في حاجة إلى الصوم ولهذا أمر بالصوم. وجميع الأفعال الإلهية والأوامر والنواهي في نظرة الشارح ليست معللة بالأغراض. لأنها لو عللت بالأغراض فسوف يكون الذي أنشأه هو في حاجة إلى ذلك الغرض.

والأشاعرة دائمًا وكما مر عليكم، قلنا أنهم دائمًا يقيسون الباري عز وجل بالإنسان، هاي مشكلتهم. يقيسون الباري عز وجل بالناس وهذه مشكلتهم. فعندما يقول الإنسان أني أفعل كذا ولا أفعل كذا لأن عندي غرض وليس عندي غرض، أنتهي عن كذا لغرض عندي، وأفعل كذا لغرض عندي، قاسوا الباري عز وجل بالناس أنه لا يفعل الشيء إلا شنو؟ لحاجة.

مذهب الإمامية والرد على الأشاعرة

فالأشاعرة يقيسون الأوامر الإلهية والنواهي الإلهية بالناس. يقيسون الأفعال الإلهية بأفعال الإنسان. لكن احنا كشيعة إمامية لا نقول بما يقوله الأشاعرة. ولا يمكن أن تكون الأفعال والأوامر والنواهي الإلهية بدون غرض، لأن القول بأنها بدون غرض يلزم منه العبثية، يلزم منه العبثية.

الله عز وجل عندما يأمرنا بالصلاة إنما لأجل مصلحة في الصلاة، لكن المصلحة ليست له، هو ليس في حاجة، للعبد، وإنما للعبد نفسه، للعبد نفسه. عندما يأمرنا بالصوم، ها؟ توجد مصلحة، المصلحة راجعة لمن؟ للعبد. للعبد وليس لله، الله غني، إذا قلنا الله غني، فعندما يشرع شيء ليس هو في حاجة إليه، وإنما هناك غاية عنده سبحانه وتعالى وهو، رحمك الله، المصلحة التي يستفيدها العبد. يستفيد العبد منها، وهذا شنو؟ إضفاء لكرمه سبحانه وتعالى على الإنسان ورحمة الله عز وجل أن كلفه بأوامر من أجل أن يستفيد منها. ترجع عليه بالنفع. وإلا هو ليس في حاجة.

الأدلة على تعليل أفعال الله

الآيات القرآنية تدل أن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا لغرض. ما خلق الخلق إلا لغرض، لأن القول بأنه خلق الخلق لا لغرض يعني عبث، عبث. وما أمر إلا لغرض، وما نهى إلا لغرض، وما حلل إلا لغرض، وما حرم إلا لغرض، وهكذا. وكلها تعود للنفع. نعم.

إذا يوجد دليلان على أن أفعال الباري عز وجل معللة بالأغراض. الدليل الأول هو الدليل السمعي، وهي الآيات المباركة. والدليل الثاني هو الدليل العقلي، وهو لو أنها بدون غرض للزم منه العبثية، وتعالى الله عز وجل من ذلك علوًا كبيرًا.

تطبيق المتن وشرحه

قال الفاضل المقداد: أقول ذهبت الأشاعرة إلى أنه تعالى لا يفعل لغرض، لا يفعل لغرض. يعني قالوا إن الله سبحانه وتعالى يفعل بدون غاية، يفعل بدون غاية. اكتبوا: أي أن الله عز وجل يفعل بدون غاية، هذا مدعى من؟ الأشاعرة. وإلا، وإلا، أي وإلا لو كان يفعل لغرض، هاي معناها، اكتبوا: وإلا أي لو كان يفعل لغرض، لكان ناقصًا، لأنه يحتاج لهذا الغرض يقولون، مستكملًا بذلك الغرض، هذا مبنى من؟ الأشاعرة.

وقالت المعتزلة إن أفعال الله معللة بالأغراض. اكتبوا: أي كل فعل له غرض، خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن إلى آخر، كل ذلك لغرض، وكذلك جميع الأوامر والنواهي كلها لغرض. هذا قول من؟ المعتزلة. قال: وإلا يعني لو كانت أفعال الباري عز وجل لا لغرض لكان عابثًا تعالى الله عنه. وهو مذهب أصحابنا الإمامية. يعني ما تقول به المعتزلة هو الحق. هو ما نقول نحن به، الإمامية. لكن كما قلنا لا يمكن أن تمرر علينا كذبة أن الإمامية تابعة للمعتزلة، لا.

قال: وهو الحق لوجهين، لوجهين يعني لدليلين: نقلي وعقلي. أما النقلي فدلالة القرآن عليه ظاهرة. عليه، طلعوا سهم اكتبوا: على أن أفعال الباري عز وجل معللة بالأغراض. إن أفعال الباري عز وجل معللة بالأغراض.

قال: فدلالة القرآن عليه ظاهرة في أنه تعالى يفعل لغرض. كقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). الله يصرح أنه لا يفعل شيء عبث. وقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا). واضح؟

وأما العقلي، أي وأما الدليل العقلي، فهو أنه لولا ذلك، اكتبوا: أي لولا أن أفعال الباري عز وجل معللة بالأغراض، لزم أن يكون عابثًا، واللازم باطل. شنو اللازم؟ اكتبوا: وهو كون الباري عز وجل عابث، هذا باطل. فالملزوم مثله. أما بيان اللزوم فظاهر. اكتبوا: أي فهو بديهي وفطري، لا يمكن أن يكون الفعل بلا غرض وإلا لكان عبثًا.

وأما بطلان اللازم فلأن العبث قبيح، وقد أثبتنا أن القبيح لا يصدر عن الله سبحانه وتعالى، عدل لو لا؟ والقبيح لا يتعاطاه الحكيم. والله عز وجل حكيم لا يفعل القبيح. فإذا أفعاله فيها غاية، ولذا هو حكيم، والحكيم لا يفعل القبيح.

وأما قولهم، أي اكتبوا: أي قول الأشاعرة حيث إنهم قالوا أفعاله غير معللة بالغايات. وأما قولهم لو كان فاعلًا لغرض لكان مستكملًا بذلك، فإنما يلزم الاستكمال إن لو كان الغرض عائدًا إليه، الغرض مو عائد إليه، الغرض عائد على العبد، على الإنسان. لكنه ليس كذلك، أي لكن الغرض لا يعود إليه، إذًا لا يكون مستلزمًا لشنو؟ للحاجة، ويكون مستكملًا بهذا الغرض. بل هو عائد إما إلى منفعة العبد أو لاقتضاء نظام الوجود. يعني هذا النفع، وذلك لا يلزم منه الاستكمال.

الغرض من التكليف: النفع لا الإضرار

ثم قال العلامة: (وليس الغرض الإضرار لقبحِه بل النفع). دخل العلامة عليه الرحمة في موضوع آخر. ما هو هذا الموضوع؟ بعد أن أثبت فعل الباري عز وجل وأنه معلل بالأغراض، وأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق السماوات وخلق الأراضين وما فيهن وما بينهن، وخلق الملائكة وخلق الإنسان وخلق الجن وكل شيء في هذه الحياة إنما لهدف ولغاية، ولكن الهدف والغاية هو ماذا؟ عائد على هذه الأمور سواء كانت للإنسان أو للنظام التكويني.

فكلف الإنسان بواجبات ومحرمات كل ذلك لغرض. لو سألنا سؤال: هذا الغرض ينفع الإنسان أو يضر الإنسان؟ لا شك ينفع. أحسنت. إذا قلنا إن الغرض ينفع الإنسان فهذا هو عين الحكمة. وإن قلنا إن الغرض يضر الإنسان فقبيح، كيف أن يصدر من الله عز وجل ما يضر الإنسان ويدخله إلى النار؟ هذا لا يقول به حتى العقلاء، فكيف يصدر من الحكيم وهو الله سبحانه وتعالى؟ لا يمكن، لأن هذا قبيح، والقبيح لا يصدر عن الحكيم ولا يصدر عن الله سبحانه وتعالى العادل. عدل الله عز وجل هو أنه يضع كل شيء في موضعه تمامًا. ولهذا الله سبحانه وتعالى يعاملنا برحمته يوم القيامة. الرحمة الإلهية.

قال الفاضل المقداد: (أقول: لما ثبت أن فعله تعالى معلل بالغرض وأن الغرض عائد إلى غيره وليس عائدًا إلى نفسه، فليس الغرض حينئذ إضرار ذلك الغير، لأن ذلك قبيح، لأن الإضرار بالغير قبيح عند العقلاء كمن قدم إلى غيره طعامًا مسمومًا يريد به قتله، هذا قبيح لأنه ما قدم هذا الطعام من أجل أن يسد هذا الإنسان جوعه وإنما قدم الطعام لتسميمه من أجل أن يقتله بهذا السم، فهذا قبيح. فإذًا لم يكن الغرض الإضرار، وإذا لم يكن الغرض الإضرار تعين أن يكون النفع وهو المطلوب.) اكتبوا: وهو أن أفعال الباري عز وجل معللة بالأغراض والغرض يرجع إلى الغير والغرض الذي يرجع إلى الغير هو نفع له أي للغير.

تعريف التكليف الشرعي

قال العلامة الحلي رضوان الله عليه: (فلا بد من التكليف، وهو بعث من تجب طاعته على ما فيه مشقة على جهة الابتداء بشرط الإعلام). هو هنا تكلم عن التكليف، ما المراد من التكليف؟ طبعًا التكليف لمن تجب طاعته، التكليف لمن تجب طاعته. عندما يكلفني الله عز وجل بشيء، إذًا يجب علي أن أفعل هذا الشيء. عندما ينهاني عن شيء إذًا يجب علي أن أنتهي عن هذا الشيء.

قال: وهو بعث، ما المراد من البعث؟ قالوا: البعث هو الإرسال، كما في دروس الأصول مذكور. عند البعث والانبعاث. والذي يجب أن يرسل هو من تجب طاعته. إذا واحد ما تجب طاعته لا يرسل. والذي يجب طاعته مطلقًا هو الخالق والمولى وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله على ما فيه مشقة لماذا؟ لماذا قال على ما فيه مشقة؟ قالوا لأن التكليف بدون مشقة لا يسمى تكليف. التكليف بسبب شنو؟ المشقة. وذلك لأن التكليف مأخوذ من التكلف، من التكلف، والكلفة، وهو الجهد والتعب والمشقة التي تصرف بالإنسان، يسمونه تكليف.

وقوله: على جهة الابتداء، يعني ذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يكلف ابتداء، ابتداء، فنحن نكلف من الباري عز وجل ابتداءً. وقوله: بشرط الإعلام، شنو بشرط الإعلام؟ لماذا قال بشرط الإعلام؟ لأن التكليف لا بد فيه من علم، لا بد فيه من إخبار، لا بد فيه من إعلام. عدل لو لا؟ ولهذا العلماء الأصوليين ايش قالوا؟ قاعدة قبح العقاب بلا بيان. يعني بلا علم، عدل لو لا؟ فلا عقاب بلا بيان. لأن التكليف لا بد فيه من الإعلام، وإلا فلا يجب العقاب. فالله عز وجل يخلق الخلق من أجل نفعهم ويكلفهم ولا يجبرهم بالتكليف.

أقول، هذا ما قاله الفاضل المقداد: أقول لما ثبت الغرض من فعله تعالى نفع العبد، هاي المقدمة الأولى يصير عندنا قياس ها؟ ولا نفع حقيقي إلا الثواب، هاي مقدمة ثانية. لأن ما عداه، يعني ما عدا الثواب، كالأكل والشرب إلى آخر ذلك إما دفع ضرر، أو جلب نفع غير مستمر، يعني منافع دنيوية، فلا يحسن أن يكون ذلك غرضًا لخلق العبد.

قال: ثم الثواب وهو النفع الحقيقي، يقبح الابتداء به كما يأتي. يعني كيف كيف أنه الله سبحانه وتعالى يعطي الثواب دون تكليف؟ شلون هذا يخليه في هالدرجة وهذا في هالدرجة؟ هذا ظلم يصير، فلا بد من التكليف. قال: ثم الثواب يقبح الابتداء به كما يأتي، فاقتضت الحكمة، اكتبوا: الحكمة الإلهية لأنه حكيم يفعل لغرض، توسط التكليف. توسط التكليف اكتبوا: أي فلا بد من التكليف.

والتكليف لغة مأخوذ من الكلفة وهي المشقة. وشرعًا أو اصطلاحًا على ما ذكره المصنف، اكتبوا: بهذه القيود الخمسة التي بيناها في تعريف التكليف. فالبعث على الشيء هو الحمل عليه، ومن تجب طاعته هو الله تعالى، فلذلك قال على جهة الابتداء، في القيد الرابع، على جهة الابتداء. يعني التكليف الحقيقي إنما هو من الله عز وجل، لأنه وجوب طاعة غير الله كالنبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام والوالد والسيد والمنعم تابع ومتفرع على طاعة الله. وقوله على ما فيه مشقة احترازًا عما لا مشقة فيه، كالبعث على النكاح المستلذ وأكل المستلذات من الأطعمة والأشربة. وقوله بشرط الإعلام أي بشرط إعلام المكلف بما كلف به، وهو من شرائط حسن التكليف وشرائط حسنه ثلاثة يأتي عليها الكلام إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

التمرير إلى الأعلى