المبحث الثالث: في استحالة القبح عليه تعالى
مقدمة
ما زال الكلام في العدل الإلهي. وقلنا إن العدل الإلهي ابتلي على عدة مباحث، وقد تكلمنا عن المبحث الأول والمبحث الثاني، وقد وصلنا بنا الكلام للمبحث الثالث، وهو قول العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه:
متن المصنف
(الثالث في استحالة القبح عليه تعالى، لأن له صارفًا عنه، وهو العلم بالقبح، ولا داعي له إليه، لأنه إما داعي الحاجة الممتنعة عليه، أو الحكمة، وهو منتفٍ هنا. ولأنه لو جاز صدوره لامتنع إثبات النبوات).
شرح الدرس
استحالة صدور القبيح من الذات الإلهية
نشرح ثم بعد ذلك نطبق. الفعل القبيح قد يصدر من الناس، قد يصدر من الإنسان، إلا المعصوم، كالأنبياء، الرسل، الأئمة سلام الله عليهم، هؤلاء لا يمكن أن يصدر منهم شيء. ولا يمكن أيضاً أن يصدر من الذات الإلهية. الظلم مثلاً فعل قبيح، يصدر من الإنسان، لكن لا يصدر من النبي، لا يصدر من الرسول، لا يصدر من الإمام. لكن غير المعصوم يصدر منه. إذا كان المعصوم لا يصدر منه فعل القبيح وهو الممكن، فمن باب أولى الذات الإلهية لا يصدر منها القبيح. فيستحيل أن يصدر القبيح من الذات الإلهية.
الدليل الأول: وجود الصارف وانتفاء الداعي
ودليل العلامة رضوان الله تعالى عليه قوله: (لأن له صارفاً عنه)، أي لأن للقبيح صارفاً عن الله عز وجل. فعل القبيح الإنسان لا صارف له، قد يحصل منه القبيح. لأن الإنسان يفعل القبيح، يفعل القبيح، إما لأنه محتاج يفعل القبيح، تغلبه شهوته الجنسية والعياذ بالله فيحتاج إلى تفريغها بأي كيفية فيزني والعياذ بالله. فهذا قبيح أم لا؟ قبيح. لماذا صدر منه القبيح؟ لأنه احتاج إليه. والله غني. والله سبحانه وتعالى واجب الوجود، لا يكون محتاجاً حتى يصدر منه القبيح. صار واضح؟ لأن القبيح صارف عن الله عز وجل.
أما الإنسان فيفعل القبيح لأنه محتاج. يسرق ليسد جوعه، فهو صار في حاجة لأن يسد جوعه ولو عن طريق السرقة. السرقة قبيح، فعل قبيح. عدل لو لا؟ ففعل القبيح لحاجة للقبيح. أو لأي سبب من الأسباب أدت هذه الأسباب لفعل القبيح من الإنسان. هذا ممكن لأنه في حاجة لفعل القبيح، ففعل القبيح لتلبية هذه الحاجة، فهو محتاج. فهو محتاج. (أحد الطلاب): يخاف الفوت مثلا. نعم، مثلا يخاف الفوت. إي، بالضبط. فيفعل القبيح. أما بالنسبة إلى الباري عز وجل، فلا. لماذا؟ لأن الباري عز وجل له صارفاً عنه، وهو عدم الحاجة. وأما الإنسان لا صارف له عنه. الإنسان لا صارف له عنه.
وأما بالنسبة إلى الباري عز وجل، فتوجد استحالة. ويوجد صارف عن فعل القبيح، وهو العلم بالقبيح. هذا هو الصارف. الله سبحانه وتعالى يعلم بأن هذا قبيح، فلا يمكن أن يعلم بالقبيح ويأتي بما يعلم أنه قبيح. لأن لا يفعل القبيح إلا المحتاج، والله سبحانه وتعالى يعلم أن هذا قبيح وهو ليس محتاج لفعل القبيح.
فالله سبحانه وتعالى يعلم أن هذا قبيح. فعلمه بالقبيح صارف عن فعل القبيح. بس شيخنا الفارق بين الذات الإلهية وبين الإنسان العادي هو مو فقط العلم، العلم حتى الإنسان يعلم أن هذا قبيح لأنه محتاج. أحسنت. والذات الإلهية غير محتاجة. إي. أنا أعلم أن هذا قبيح كإنسان، زين؟ الله سبحانه وتعالى علمه للقبيح ليس كعلمي. أنا علمي محدود. أحسنت يا شيخنا. نعم. الله سبحانه وتعالى يعلم وعلمه هو ماذا؟ كمال. عدل لو لا؟ العلم الكامل. وعلمه صفة ذاته، علمه. بينما أنا لا، عارضة عليه. وقد اشتبه، أفكر أن هذا قبيح وإذا هو مو قبيح. قد واحد باشتباهات كما قلنا من ساعة يتزوج أخته من الرضاعة، هذا الفعل قبيح لكن هو لا يعلم أن هذا قبيح، مع أنه قبيح في باطن الأمر ولكن لا يعلم. فلعدم علمه بالقبيح لا يكون صارفاً له عن فعل القبيح. بينما الله سبحانه وتعالى علمه بالقبيح صارف له عن فعل القبيح، لا يمكن أن يحصل القبيح من الله عز وجل.
التطبيق على المتن
قال: (لأن له صارفاً عنه)، هذا هو الدليل الأول على امتناع القبح على الله سبحانه وتعالى. (لأن له صارفاً عنه). ما هو الصارف؟ (وهو العلم بالقبيح)، والصارف له عن القبح العلم بالقبح. والعلم بالقبح هنا شنو؟ العلم المطلق. (ولا داعي له إليه)، ولا داعي لله عز وجل إليه، إلى القبح. شوف الضمائر شلون، له إليه. (لأنه) أي الباري عز وجل (إما داعي الحاجة الممتنعة عليه) لأن الحاجة من صفات الممكنات، والله عز وجل واجب الوجود فلا يكون محتاجاً إلى شيء إطلاقاً، لأن الحاجة للممكنات، بحيث أن الحاجة ممتنعة عليه.
قال (أو الحكمة وهو منتف هنا)، ولا حكمة ولا مصلحة في فعل القبيح. (ولأنه) الوجه الثاني (لو جاز صدوره) أي صدور القبيح العقلي (عنه) عن الله عز وجل (لامتنع إثبات النبوات)، لأن إثبات النبوات متفرع من أن الباري عز وجل لا يصدر عنه القبيح.
الدليل الثاني: لزوم امتناع إثبات النبوات
لأن إثبات النبوات دليل على الصدق، وإلا إذا قلنا فمعنى ذلك هو إبطال للنبوات. (واللازم باطل)، اللازم ماذا؟ امتناع إثبات النبوات. اللازم امتناع إثبات النبوات باطل أيضاً إجماعاً. (فالملزوم مثله)، الملزوم مثله ماذا يعني؟ أي أنه لا يجوز عليه فعل القبيح. بيان الملازمة أنه حينئذ، يعني شنو حينئذ؟ يعني لو جاز عليه القبيح، لا يقبح منه تصديق الكاذب ومع ذلك، ومع ذلك لا يمكن الجزم بصحة النبوة وهو ظاهر.
مسألة إرادة القبيح والفرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية
ثم قال العلامة الحلي رضوان الله عليه: (فحينئذ يستحيل عليه إرادة القبح، إرادة القبيح لأنها قبيحة)، لأنها قبيحة. من ساعة أنا قلت إليكم بس رجعنا للتطبيق. إذا كنا نقول على أن القبيح لا يمكن أن يحصل من الله، فإرادة القبيح كذلك لأن إرادة القبيح قبيحة بعد. قال الفاضل المقداد: قال أقول: ذهبت الأشاعرة إلى غير ذلك. واقع الأمر أن الأشاعرة عندهم اشتباه، شوف. قال أقول: ذهب الأشاعرة إلى أنه تعالى مريد بجميع الكائنات، حسنة كانت أو قبيحة، شراً كان أو خيراً، إيماناً كان أو كفراً، لأنه موجد للكل فهو مريد له.
الأشاعرة وقع عندهم اشتباه. الاشتباه الذي وقع عند الأشاعرة في الإرادة، والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة تكوينية وإرادة تشريعية. فصار عندهم اللبس بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، اختلطت عندهم الأوراق. الله سبحانه وتعالى خلق الخلق بأي إرادة؟ تكوينية. أراد تكويناً أن يخلق الخلق فخلق الخلق. ولما أن خلق الخلق صار منهم فرعون وصار منهم النمرود وصار منهم وصار، جبابرة التاريخ، الحجاج وغيره. فهل أن الله عز وجل لما أن خلق فرعون، لما أن خلق النمرود، لما أن خلق الحجاج، لما أن خلق هؤلاء الطغاة في التاريخ هل أراد القبيح بخلق هؤلاء؟ هؤلاء الأشاعرة قالوا أراد القبيح، لأن الحجاج، لأن فرعون، لأن هؤلاء، زين، جبابرة التاريخ، هؤلاء كل واحد صنيعة الله. عدل لو لا؟ الله خلقه. فما يصدر منه إنما هو ينسب إلى الله عز وجل. شوف شلون صار عندهم اللبس في الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية.
الله سبحانه وتعالى عندما خلق هؤلاء، عندما خلق فرعون، عندما خلق النمرود، عندما خلق أبا لهب، عندما خلق الحجاج، عندما خلق الطغاة في التاريخ، زين، خلقهم بإرادة تكوينية، ولكن ما أراد لهم تشريعاً، ما أراد لهم تشريعاً، يعني ما حصلت إرادة تشريعية من الله إليهم، وإنما فقط إرادة شنو؟ تكوينية. فالكفر والشرك والنفاق والضلال وإلى غير ذلك، هذه إرادة تشريعية مو إرادة تكوينية. والله ما أراد لهم الكفر، ما أراد لهم الضلال، ما هم أرادوا لأنفسهم الشرك، هم أرادوا لأنفسهم الضلال. الله أراد لهم تكويناً حيث أن الله سبحانه وتعالى قد خلقهم. وأما تشريعاً لا، تشريعاً أراد لهم الإسلام، أراد لهم الهداية، أراد لهم الإيمان، أراد لهم الطاعة. أبو لهب، أما دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله للإسلام؟ ولكنه أبى، حتى نزلت فيه (تبت يدا أبي لهب وتب)، خلاص مستحيل بعد يرجع. زين. الله سبحانه وتعالى الإرادة التكوينية خلقت أبا لهب، والإرادة التشريعية تريد منه ماذا؟ الإيمان والطاعة. ولكنه هو تمرد على ذلك. هو تمرد على ذلك وصار كافراً، فأنزل فيه السورة.
فهذا الكفر وهذه الأعمال السيئة والأعمال القبيحة التي حصلت منه ومن غيره من جبابرة التاريخ، هذه إرادتهم هم وليست إرادة الله سبحانه وتعالى. الله ما أراد لهم هذه الإرادة التشريعية التي قاموا بها، وإنما أراد لهم الخير، أراد لهم الإسلام، أراد لهم الإيمان وإلى غير ذلك. خلاصة الكلام: لا يوجد اتحاد بين الإرادتين، لا يوجد اتحاد بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية. قد يريد الباري شيئاً تكويناً ولا يريده تشريعاً، وقد لا يريد تكويناً ويريد تشريعاً. مثلاً، الله سبحانه وتعالى أمر عموم الناس بالإسلام، فإذا الله سبحانه وتعالى تشريعاً أراد للناس الإسلام. عدل لو لا؟ أراد من الناس الإيمان، أراد لكل الناس الإيمان بإرادة تشريعية، ولكن تكويناً لم يرد ذلك، لأن التكوين متعلق بشنو؟ بالخلق. ما له علاقة بإيمان وغير إيمان، ما له علاقة.
فالإرادة التشريعية تختلف عن الإرادة التكوينية، مختلفة. ولذلك يمثل بمثال أن الله عز وجل قد أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام. نقول أراد الله عز وجل ذلك تشريعاً ولم يرده تكويناً. شوف شلون الفرق. أراد الله أن يمتحن إبراهيم، أن يختبر إبراهيم، زين، على النحو الإرادة التشريعية. على نحو الإرادة التشريعية. فهذا شنو؟ أراد تشريعاً ولم يرد ذلك تكويناً. فلو أراد تكويناً لكان شنو؟ كن فيكون. كن فيكون. ممكن شيخنا بشكل أشكال يعني الإرادة التكوينية هي أقوى شيخنا؟ الدجاج… الإرادة التكوينية متعلقة بالخلق. متعلقة بالخلق. زين، فلو أن الله عز وجل أراد فرعون مثلاً أن يكون، لقال له كن فيكون. الإرادة التشريعية أن الله أراد لفرعون أن يكون مسلماً، أن يكون مؤمناً، لكنه هو تمرد على الإرادة التشريعية وانقلب على عقبه.
إبراهيم الخليل ما أراد الله تكويناً أن يذبح إبراهيم، وإنما أراد إرادة تشريعية، ولهذا، زين، قال (إني أرى في المنام أني أذبحك)، عدل لو لا؟ رأساً إبراهيم استجاب إلى ذلك، إرادة تشريعية خلاص، إرادة، (إني أرى في المنام أني أذبحك)، ورؤية الأنبياء شنو؟ حق. عدل لو لا؟ وبعدين لما جاء يذبحه الله أنزل كبش من السماء ولم يذبح إسماعيل. لكن لو أراد الله عز وجل تكويناً أن يذبحه لذبح، لقال كن فيكون. عدل لو لا؟ ولذلك يوجد بحث إن شاء الله يمر عليكم في علم الأصول وفي الكفاية موجود وهو بحث الطلب والإرادة، من الأبحاث العميقة، راح يمر عليكم، يسمونه بحث الطلب والإرادة.
خاتمة
فمن هنا صار عند الأشاعرة التباس، وصار عند الأشاعرة اختلاف، قالوا بأن الله عز وجل خلق فرعون وخلق نمرود، خلق فرعون كافراً وخلق نمرود كافراً وخلق هامان كافراً وخلق أبا لهب كافراً وخلق وخلق، زين، إذا أراد لهم ذلك تكويناً وتشريعاً، نقول لا، ما أراد لهم تشريعاً، أراد لهم تكويناً أنه خلقهم، عدل لو لا؟ لكن تشريعاً ما أراد لهم الكفر، أراد لهم الإيمان ولكنهم تمردوا على ذلك. خلقهم الله تكويناً وما أراد لهم تشريعاً، وإلا لو أراد لهم تشريعاً بأن يكونوا كفار فقد ظلمهم، والظلم قبيح ولا يمكن أن يصدر من الله عز وجل.