عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 31

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 31
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح الفصل الثاني من العدل الإلهي: الإنسان فاعل بالاختيار

مقدمة في علاقة العدل بالتوحيد

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

الكلام ما زال في بحث العدل الإلهي. وقلنا بأن هذا الفصل في الحقيقة والواقع من توابع التوحيد، وذلك لأن العدل فرع التوحيد. ولكن أفرد ببحث مستقل لأن الانتماء إليه والاعتقاد به يحقق عنوان العدلية، يحقق عنوان العدلية. ومن هم العدلية؟ الإمامية والمعتزلة. وعدم الاعتقاد به يحقق عنوان الأشعرية، لأن الأشاعرة لا يعتقدون بثبوت العدل الإلهي، وهذا قد وضحناه فيما مضى.

المباحث الأساسية في فصل العدل

هذا المبحث أو هذا الفصل فيه عدة مباحث.

الأول في ثبوت الحسن والقبح العقليين، أي في ثبوتهما عقلاً. وقلنا على أن العدلية والإمامية قالا على أن الحسن والقبح العقليين، زين، المدرك فيهما هو العقل. والأشاعرة قالوا على أن المدرك هو الشارع.

المبحث الثاني: إثبات أن الإنسان فاعل بالاختيار

اليوم نتكلم عن المبحث الثاني من مباحث العدل الإلهي. قال فيه العلامة الحلي: (الثاني: إنا فاعلون بالاختيار، والضرورة قاضية بذلك، للفرق الضروري بين سقوط الإنسان من سطح ونزوله منه على الدرج، ولامتناع تكليفنا بشيء فلا عصيان، ولقبح أن يخلق الفعل فينا ثم يعذبنا عليه، وللسامع).

خلنا نشرح بعدين نطبق العبارة. هذا المبحث الثاني من مباحث العدل الإلهي يريد فيه العلامة الحلي أن يثبت بأن الإنسان فاعل بالاختيار. بالإختيار. يعني أن الإنسان ليس مجبر وليس مفوض. لا جبر ولا تفويض. ذكر العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه لذلك أربعة أدلة. استدل بها على أن الإنسان فاعل بالاختيار وليس مجبوراً وليس مفوضاً.

الدليل الأول: الضرورة والبداهة

الدليل الأول على أن الإنسان مختار في أفعاله وليس مجبوراً عليها، قال الضرورة قاضية بذلك. من الأمور الضرورية والبديهية أن الإنسان مختار وليس مجبر. فهذا هو الدليل الأول وهو الضرورة والبداهة تحكم بأني فاعل بالاختيار.

يأتي العلامة الحلي رضوان الله عليه بمثال. يقول من نزل على السلم، الدرج، من نزل على السلم. يعني نزل نزول سليم، درجة درجة إلى أن وصل إلى أسفل. نقول شنو؟ نزل نزولاً. ما نقول سقط. لكن من يلقي بنفسه من السلم إلى آخر درجة، نقول سقط. عدل لو لا؟ يوجد فرق أم لا يوجد فرق؟ يوجد فرق.

ما هو الفرق؟ الفرق أن النزول بالاختيار. بالاختيار. عدل لو لا؟ وأما السقوط ليس بالاختيار. يعني كيف يعني؟ شوية العبارة تحتاج إلى توضيح. يعني القصد ماذا؟ القصد لو أن هذا كان في أعلى الدرج فسقط. ما كان هو مختار لنفسه أن يسقط. سقط. فنقول هذا سقوط وليس نزول. تارة هو يختار السقوط، هو هو يلقي بنفسه، فنقول بعد هو مختار. هو مختار.

فلا شك على أن الإنسان يدرك بوجدانه، يدرك بعقله أن هناك فرق بين النزول الاختياري وبين السقوط الاختياري، وبين السقوط غير الاختياري أحسنت. فلو كانت أفعال الإنسان مخلوقة من قبل الباري عز وجل، زين، يعني شلون؟ يعني أفعال الإنسان إذا قلنا هي أفعال الله، إذن النزول من على الدرج والسقوط من على الدرج كلاهما واحد. ونحن نقول ماذا؟ أن هناك فرق بين النزول وبين… نعم. فيكون الإنسان مجبر على فعله، يعني الله أجبره على أن يسقط، الله أجبره على أن يرمي بنفسه، والله أجبره أن ينزل، شنو اللي يصير؟ معنى ذلك أننا لا نحس بفرق بين النزول من الدرج وبين السقوط. نقول أنه لا فرق، طالما أنه من الله إذن لا فرق. يعني حتى هذا اللي يلقي بنفسه يقول لك مو بيدي أنا، أنا مجبر أن ألقي بنفسي.

فعندما نقول أن هناك فرق بين النزول وبين الصعود.. عفواً، بين النزول وبين السقوط، نقول إن هذا الفرق لم يخرج عن اختيار الإنسان. ولكن النزول يختلف عن السقوط. أما على رأي الأشاعرة يقولون لا، الإنسان مجبر في نزوله وفي سقوطه. وهذا كيف يكون يعني؟ كيف الله سبحانه وتعالى يجبره على أن ينزل ويجبره على أن يسقط نفسه؟ شنو يصير؟ إذن لماذا نحس بالفرق عندما ننزل من على الدرج وعندما نسقط من أعلى الدرج؟ لماذا بوجداننا ندرك أن هناك فرق؟ عندما أقول نزلت يختلف عما أقول سقطت. اكو بينهما فرق. الفرق ما هو؟ ندركه بوجداننا، عندما أقول نزلت يعني باختياري، باختياري. وعندما أقول سقطت يعني بدون اختياري مني، مو باختياري. لكن مو بجبر من الله. شوف شلون، مو بجبر. أنا اخترت النزول فنزلت، وكان واحد وياي، هذا عثر في شيء وسقط. أنا يقال لي نزلت، وهذا يقال له سقط. أنا نزلت من على الدرج وهذا سقط من على الدرج. فإذن هناك اختلاف بينهما، بين النزول والسقوط. الأشاعرة قالوا لا، هذا مجبر عليه وهذا مجبر عليه. هذا يؤدي إلى عدم وجود الفرق بين الطاعة وبين المعصية إذا كان الإنسان مجبر.

الدليل الثاني: امتناع التكليف مع الجبر

الدليل الثاني: قال امتناع تكليفنا بشيء فلا عصيان. فهذا هو الدليل الثاني على أن أفعال الإنسان بالاختيار. لو افترضنا أن كل ما يصدر من أفعال الإنسان سواء كان من الخير أو كان من الشر هي من الله عز وجل وهو مجبر على فعله، شنو معنى ذلك؟ معنى ذلك أن الطاعة والمعصية لا فرق بينهما. لا فرق بين أن أصلي وبين ماذا؟ أن لا أصلي. ما في فرق. لا فرق بين أن أشتري أكلاً وبين شنو؟ أن أنهب أكلاً. لا فرق بين أحصل المال بالحلال أو أسرق المال. لا فرق. لأني مجبور. إذا كانت هذه الأفعال مو أفعالي، وإنما أنا مجبور عليها، إذن كيف تكون المعصية وكيف تكون الطاعة؟ وما من أحد إلا ويقر، حتى هؤلاء الأشاعرة يقرون أن هناك طاعة وهناك معصية. فإذا أنا مجبور على الطاعة ومجبور على المعصية. شو يصير؟ هذا يؤدي إلى عدم وجود الفرق بين الطاعة وبين المعصية إذا كان الإنسان مجبر. فمن صلى فهو مجبور على الصلاة. ومن لم يصلي هو مجبور في الصلاة. من فعل الفاحشة هو مجبور على فعله، ومن سرق هو مجبور على فعله. فإذن إذا كان الإنسان مجبور على هذه الأفعال على حد سواء، سواء كانت طاعة أو كانت معصية، فحينئذ لا يكون تكليف. لأن التكليف في مقابله يوم القيامة شنو؟ ثواب أو عقاب. مو صحيح؟ إذن انتفى الثواب وانتفى العقاب. كيف تجبرني على أن أصلي وعندما أترك الصلاة فقد أجبرتني على أن لا أصلي، شنو يصير؟ صار تناقض حتى في الأمر. حتى في الأمر. فهذا هو الدليل الثاني الذي ذكره العلامة الحلي وهو أنه لا يمكن أن الإنسان يكون مجبراً بل الإنسان مختار. مختار في فعله وليس مجبوراً في فعله.

الدليل الثالث: قبح العقاب بلا استحقاق

الدليل الثالث: قال لقبح أن يخلق الفعل فينا ثم يعذبنا عليه. يعني يقبح أن يخلق المولى عز وجل هذه الأفعال فينا سواء كانت أفعال طاعة أو أفعال معصية، فيثيبنا ويعاقبنا. يثيبنا على الطاعة ويعاقبنا على المعصية وقد أجبرنا على الاثنين، شنو يصير؟ صار تناقض حتى في الأمر. فهذا هو الدليل الثالث على أن الله عز وجل لم يجبر الإنسان على أفعاله بل هو مختار.

الدليل الرابع: الدليل السمعي (النصوص الشرعية)

الدليل الرابع هو الدليل السمعي. هناك آيات، هناك روايات، ما شاء الله، تدل بوضوح على أن أفعال الإنسان ليس مجبر عليها بل هو مختار. (إِنَّا هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). خلاص. فهذه أدلة تدل على أن الإنسان يفعل بالاختيار. يفعل بالاختيار.

التمرير إلى الأعلى