شرح الصفة السلبية الرابعة: استحالة الرؤية البصرية لله تعالى
المتن (قول المصنف)
(الرابعةُ أنه تعالى يستحيلُ عليه الرؤيةُ البصريةُ، لأن كلَّ مرئيٍّ فهو ذو جهةٍ، لأنه -أي المرئي- إما مقابلٌ أو في حكمِ المقابلِ بالضرورةِ، فيكونُ جسماً وهو محالٌ. ولقولهِ تعالى: (لَنْ تَرانِي)، ولن النافيةُ للتأبيدِ.)
الشرح
المرادُ من الرؤية هنا هي الرؤية البصرية. والرؤية البصرية هي الرؤية التي تكون بالعين الباصرة. بالعين المجردة. أي الرؤية بحاسة البصر. ويستحيل أن يكون الباري عز وجل مرئياً من قبل الإنسان. لماذا؟ العلامة الحلي يقول لاستحالة الرؤية البصرية على الله سبحانه وتعالى من قبل المخلوق، قال لأن كل مرئي ذو جهة. لأن كل مرئي فهو ذو جهة. يعني كيف؟ معنى ذلك أن كل مرئي موجود فهو ذو جهة. وإلا كيف تكون الرؤية بلا جهة؟ نحن الآن نرى الأمام لكن لا نرى الخلف. فالجهة التي يقع عليها بصرنا نقول نراها. لأنها جهة. لكن التي هي خلفنا لا نراها. لا نراها. فالرؤية تعلقت فيما نراه، إذاً ما نراه جهة. ما نراه جهة. وعندما أرى السقف مثلا فهو جهة، عندما أرى الأرض جهة، عندما أرى هذا الجانب جهة، وهكذا. كل ما وقعت عليه العين من الرؤية البصرية لابد أن يكون في جهة. لابد أن يكون في جهة. وإلا لاستحالت الرؤية. إذا لم يكن في جهة تستحيل الرؤية أصلاً.
الأدلة على استحالة الرؤية
الدليل العقلي
عندما تقول أرى، ترى ماذا؟ تقول أرى زيداً. زيدٌ الذي تراه، رأيته في أمامك أم رأيته خلفك؟ تقول رأيته أمامي. أو رأيته إلى جانبي. إذاً زيد لو لم يكن في جهة لما استطعت أن تراه. ولذا قال العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه: (الرابعة أنه تعالى يستحيل عليه الرؤية البصرية)، ما يمكن أن يرى بالبصر. لماذا؟ قال: (لأن كل مرئي فهو ذو جهة). والجهات كم؟ ست. أمام وخلف، يمين شمال، فوق تحت. ست جهات، مو صحيح؟ الرؤية لا يمكن أن تخلو من أي جهة من الجهات. مستحيل. مستحيل. إذاً، ما تقع عليه الرؤية لابد أن يكون في جهة. ومن هنا قال: (لأنه -أي المرئي- إما مقابل أو في حكم المقابل بالضرورة، فيكون جسماً وهو محال).
كل مرئي موجود لابد أن يكون موجود. كل مرئي موجود فهو ذو جهة. فأنا لما أرى هذا الجدار فهو في جهة لأنه أمامي فأراه. وعندما أرى السقف، أرى السقف لأنه في أعلى فأراه، أرى الأرض وهكذا. ولذا قال العلامة لأنه إما مقابل أو في حكم المقابل بالضرورة. في حكم المقابل شنو؟ السقف. تقع عليه الرؤية، أنا الآن جالس بس أشوف السقف. لكن الذي هو أمامي ما هو؟ جدار هذا الجدار. الجنب أيضاً بالضرورة أراه لكن ليس مقابل لي، لكنه في جهة. صار واضح لو لا؟ فإذاً لما أن يقول العلامة الحلي: (لأنه إما مقابل أو في حكم المقابل بالضرورة) قال بالضرورة. فكل مرئي كل مرئي إما مقابل أو في حكم المقابل لأنه ذو جهة. ولكن ما هو المقابل؟ المقابل ما وقعت عليه الرؤية. فأنت مقابل، هذا الجدار مقابل، هذا السقف مقابل، هذه الأرض مقابل، هذا الكتاب مقابل، زين، هذا الباب مقابل، هذه كلها أمور تعد شنو؟ في جهات مقابلة حقيقة. وإلا لما وقعت عليها الرؤية. زين. فلذلك أنا أراها وأبصر بها، وبعض الأشياء التي أراها هي ليست في مقابل ولكن أراها. كما إذا كانت في الجنب. أو كما إذا كانت في الجنب، كما في السقف، كما.. زين. وإنما تكون في حكم المقابل، تكون في حكم المقابل، تأخذ نفس الحكم، لكنها ليست مقابل. المقابل ما قابلني، ما صار قبال وجهي، هذا المقابل. أما هذا لا يكون مقابل إلا إذا أنا قابلته. هنا لا يكون مقابل إلا إذا أنا قابلته، السقف لا يكون مقابل إلا إذا أنا رفعت رأسي إليه يكون مقابل.
فهل هذا بما أن الرؤية قد وقعت عليه، فهل يكون مقابل أم لا يكون مقابل؟ إذا كان يقول أن الرؤية زين ما وقعت عليه أو أن المقابل ما وقعت عليه الرؤية زين، هذا ليس مقابل، قالوا هذا في حكم المقابل. هذا في حكم المقابل. والصورة في المرآة عندما أنظر إلى شخصي في المرآة، الصورة تقابلني فأرى نفسي فيها. أرى شخصي في هذه الصورة المنعكسة في المرآة، فهي مقابل. فالخلاصة أن المرئي مقابل أو في حكم المقابل. والمقابل لابد أن يكون في جهة، وما كان في جهة فهو جسم. والله تعالى منزه عن الجسمية ومنزه أن يكون في جهة. إذن ما هي النتيجة التي نستخلصها؟ النتيجة هكذا نقول: كل مرئي مقابل، وكل مقابل جسم، وهو محال. يعني محال أن نقول أن الله سبحانه وتعالى ماذا؟ جسم. فهذا هو الدليل العقلي. هذا هو الدليل العقلي.
الدليل النقلي (السمعي)
وأما الدليل النقلي، قال: (ولقوله تعالى (لن تراني)، ولن النافية للتأبيد). الله سبحانه وتعالى أتى بلن، ولن أداة نفي وتأبيد، مو لم. لم تفيد النفي لكن ليس مؤبداً. بينما لن تفيد التأبيد. فالدليل النقلي، قال ولقوله تعالى: (لن تراني)، ولن تفيد النفي التابيدي. يعني أن الله سبحانه وتعالى يرى لا بالعين الملكوتية ولا بالعين المجردة. هذا ما ورد في الكتاب العزيز أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام: (لن تراني)، ولن حرف يفيد التأبيد، لنفي التأبيد. يعني الباري عز وجل نفى الرؤية من قبل المخلوقين عليه، نفياً تأبيدياً. عندما قال: (لن تراني). يعني الرؤية مستحيلة. فهذا دليل عقلي ونقلي على نفي الرؤية واستحالة الرؤية عليه عز وجل.
عرض آراء المذاهب في مسألة الرؤية
قال الفاضل المقداد: أقول: ذهب الحكماء والمعتزلة إلى استحالة رؤيته بالبصر لتجرده. لتجرده، يكتبوا: لأن البصر الحسي لا يمكن أن يرى إلا الأمور المادية الجسمانية. وذهب المجسمة والكرامية إلى جواز رؤيته بالبصر مع المواجهة. وأما بعض الصوفية من العامة ادعوا بأن الله عز وجل يرى في الدنيا ويرى في الآخرة. قالوا في الدنيا وفي الآخرة على حد سواء، يرى. هي الصوفيون. أما من نسبة إلى الشيعة الإمامية قالوا إن الله عز وجل لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. إذا عندك كم رأي الآن؟ ثلاثة آراء. رأي يقول أن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا. ورأي يقول أن الله ماذا؟ يرى في الدنيا ويرى في الآخرة. ورأي نقول أنه لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
مناقشة أدلة المثبتين للرؤية
الدليل الأول الذي تمسك به العامة وقالوا بأن الله عز وجل يرى في الآخرة، أو الصوفية الذين قالوا بأن الله عز وجل يرى في الدنيا والآخرة، قالوا قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). شوف الفرق بين الضاد والظاء. وجوه يومئذ ناضرة، هذه بالضاد، إلى ربها ناظرة، هذه بالظاء. وجوه يومئذ ناضرة، هذه الضاد هي أخت الظاء. أبغى شوية تلتفتون إلي. ناظرة، شوف ناظرة، ظا ظا، مو ضاد. وهي أخت الطاء، لها معنيان: إما بمعنى النظر، النظر، زين، وإما بمعنى الانتظار. فمتى تستعمل بمعنى النظر؟ ومتى تستعمل بمعنى الانتظار؟ قالوا إذا استعمل النظر مع إلى، فهو بمعنى النظر البصري. وهو الرؤية. وإذا استعمل بدون إلى فهو بمعنى الانتظار. هنا استعملت ناظرة مع إلى، ولذا يراد منها الرؤية. هكذا استندوا، هكذا قالوا. فخلاصة دليل هؤلاء الذين قالوا بإمكان رؤية الباري عز وجل، قالوا ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فهي الرؤية البصرية. لماذا؟ لأن الظاء هنا سبقتها ماذا؟ إلى. لغةً، علماء اللغة قالوا إذا سبقت الظاء هنا، ناظرة، إذا كانت مسبوقة بإلى، فهي تعني رؤية البصرية.
الرد على أدلة المثبتين للرؤية
ما جوابنا عليهم؟ الجواب: نقول لا دليل على أن ناظرة إذا استعملت مع إلى فهي مخصصة للرؤية، ما عندنا دليل. بل استعملت في كلام العرب مع إلى وأريد منها الانتظار، ما أريد منها شنو؟ النظر وهي الرؤية. فلا دليل على أن ناظرة إذا استعملت مع إلى فهي بمعنى الرؤية، وإنما ناظرة استعملت بدون إلى في كثير من المواقف فهي تعني الانتظار، فهي تعني الانتظار ولا تعني الرؤية البصرية. كما في قول الشاعر: وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن يأتي بالفلاح. شنو معناتها؟ منتظرة. آه منتظرة يعني. شوف. وجوه ناظرات يوم بدر إلى، استخدمت إلى معها، وهي لا تدل على الرؤية البصرية، وإنما على الانتظار. معناها أنه في يوم بدر وجوه المسلمين، وجوه المؤمنين ناظرة للرحمن ومنتظرة رحمة الرحمن ليأتي بالفلاح. وليأتي بالنصر، وليأتي بالأجر، ينتظرون الثواب.
ثم إن المقابلة بين الآيتين يدل على أن ناظرة يعني منتظرة، وليست ناظرة إليه من الرؤية البصرية. ويقابلها آية قرآنية أخرى ورد فيها: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ). يعني يوم القيامة الوجوه تنقسم إلى كم قسم؟ تنقسم إلى قسمين: وجوه ناضرة ووجوه باسرة. الوجوه الناضرة شنو معناه؟ الوجوه الحسنة من النضارة، لهم نضارة، لهم جمال، لهم نور. والوجوه الباسرة الوجوه السيئة، المكفهرة، المظلمة، المسودة بالذنوب. فالوجوه الباسرة تظن أن يفعل بها فاقرة، يعني ماذا تعني تظن؟ يعني الانتظار. أن يفعل بها فاقرة، فاقرة يعني عقاب. يفعل بها عقاب، يفعل بها عقوبة. والوجوه الناظرة يعني المنتظرة، منتظرة شنو؟ رحمة، منتظرة الثواب، منتظرة دخول الجنة. فنعرف من خلال الوجه ماذا ينتظر الشخص. من خلال الوجه نعرف ماذا ينتظر الشخص، عدل لو لا؟
الدليل الثاني الذي ذكره المخالفون في إمكانية رؤية الباري عز وجل هو أن موسى عليه السلام قال لله عز وجل: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي). كما أن الذين قالوا بعدم إمكان الرؤية تمسكوا بقوله تعالى (لن تراني)، كذلك الذين قالوا بإمكان الرؤية تمسكوا بقوله (أرني أنظر إليك). قالوا لولا أن الله يرى لما قال موسى أرني أنظر إليك. قالوا فلنسأل سؤال: رؤية الباري عز وجل ممكنة أو مستحيلة؟ إذا كانت مستحيلة كيف يطلب موسى وهو ذلك الرسول الكريم وهو من أولي العزم من الرسل، من المعصومين، كيف يطلب من الله عز وجل المستحيل؟ فطلب موسى من الله الرؤية يدل على إمكان الرؤية. ولكن موسى لم ير الله عز وجل. الجواب هكذا: أن موسى عليه السلام لم يطلب الرؤية لنفسه، وإنما طلبها لبني إسرائيل، حيث إنهم لم يقتنعوا بأن الله لا يرى، قال لهم ما يصير مستحيل أن ترون الله، الله لا يرى، قالوا له وأصروا عليه لا، (أرنا الله جهرة). وحدثهم أن الله عز وجل لا يرى ما صدقوا وما قبلوا ذلك وأصروا على رؤية الباري عز وجل فطلب من الله عز وجل ذلك لإظهار عدم إمكان الرؤية. لكن طلب موسى هنا بعد أن أذن له الله عز وجل ليثبت لقومه أن الله لا يرى. فقال: (ربي أرني أنظر إليك) ويعلم موسى أنهم لن يروا الله عز وجل ولكن أراد أن يثبت لهم ذلك، ومن ثم ضربتهم الصاعقة فماتوا جميعا. ثم أحياهم بعد ذلك.