شرح الصفة السلبية الثالثة: ليس محلاً للحوادث
أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كان الكلام وما زال في الصفات السلبية للباري عز وجل، وكان آخر كلامنا في الدرس السابق حول الصفة الثانية التي ذكرها العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه، وفرع عليها أيضا ما يتعلق بالصفة الثانية، حيث كانت الصفة الثانية ما قاله العلامة الحلي:
(ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر وإلا لافتقر إلى المكان، ولامتنع انفكاكه من الحوادث فيكون حادثا وهو محال). ثم قال: (ولا يجوز أن يكون في محل وإلا لافتقر إليه، ولا في جهة وإلا لافتقر إليها). ثم قال: (ولا يصح عليه اللذة والألم لامتناع المزاج عليه تعالى).
وانتهى الكلام بنا إلى الصفة الثالثة من الصفات السلبية، وهي الصفة التي قال فيها العلامة الحلي:
(أنه تعالى ليس محلاً للحوادث لامتناع انفعاله عن غيره وامتناع النقص عليه).
مفهوم الصفة السلبية الثالثة
هذه هي الصفة الثالثة من الصفات السلبية، وهي التي يجب أن تسلب عن الباري عز وجل. وذلك لما يصاحبها من إدخال النقص على الله سبحانه وتعالى. ومن هنا قال: الثالثة، أي الصفة الثالثة، أنه أي الباري عز وجل، أنه تعالى ليس محلاً للحوادث.
يعني المراد أن الله عز وجل ليس محلاً للحوادث، لماذا؟ لأنه ما كان محلاً للحوادث لا يكون واجب الوجود، وإنما هذه تكون من صفات الممكن، وقد أثبتنا أن الله سبحانه وتعالى ليس ممكناً وإنما هو واجب، واجب الوجود.
أدلة نفي حلول الحوادث في ذاته تعالى
قال: (لامتناع انفعاله)، أي لدليلين وبرهانين. اللام هنا لام التعليل، أي لدليلين وبرهانين أن الله تعالى ليس محلاً للحوادث. قال:
(لامتناع انفعاله عن غيره، وامتناع النقص عليه)، وامتناع النقص عليه.
دعونا نشرح ما هو المقصود من كلام العلامة الحلي في قوله أنه تعالى ليس محلاً للحوادث، ولماذا قال لامتناع انفعاله عن غيره وامتناع النقص عليه.
الذات الإلهية لا يمكن أن تحدث فيها صفة أو تسلب عنها صفة. لأن الله سبحانه وتعالى ليس محلاً للحوادث حتى نقول تسلب عنه صفة أو تحل فيه صفة، فلا يكون محلاً للحوادث. وذلك لأن ما يكون ذلك يكون منفعلاً لهذه الحوادث. وانفعال الذات الإلهية بهذه الحوادث مستحيل، بهذه الصفات مستحيل.
الذات الإلهية لا تنفعل، والمراد بقولنا لا تنفعل يعني لا تتأثر، هذا معناه، لا تتأثر بغيرها كما هو معلوم. وكل ما تأثر بغيره فهو ناقص لأنه احتاج إلى غيره، احتاج إلى غيره. فانفعاله بغيره دليل على فقره. والله سبحانه وتعالى ذاته لا تنفعل بغيرها ولا تتأثر بغيرها كما هو معلوم وكما قلنا سابقا، لأن كل ما تأثر بغيره يكون ناقصاً وفقيراً، ولو كان كاملاً لما تأثر بغيره. لأن التأثر ماذا؟ هي عملية انفعال، عملية انفعال، والمراد من عملية الانفعال شنو معناه؟ تغير يعني، تغير.
اعتبارات صفات الله تعالى
فمن هنا قال: الثالثة، أي الصفة الثالثة من الصفات السلبية التي يجب أن تسلب عن الباري عز وجل أنه تعالى ليس محلاً للحوادث، لامتناع انفعاله عن غيره وامتناع النقص عليه، لأن القول بذلك يؤدي إلى حاجته لغيره، والحاجة لغيره تعد نقصاً فيه، فإذا قلنا بأنه واجب الوجود فلا يمكن لا يمكن أن نقول إنه ينفعل بغيره ولا يمكن أن نقول يدخل عليه النقص بسبب هذا الانفعال، ما يمكن.
ومن هنا قال الفاضل المقداد: اعلم أن صفاته تعالى لها اعتباران، صفات الباري عز وجل لها اعتباران. أحدهما، يعني أحد الاعتبارين، بالنظر إلى نفس القدرة الذاتية والعلم الذاتي إلى غير ذلك من الصفات. وثانيهما بالنظر إلى تعلق تلك الصفات بمقتضياتها، كتعلق القدرة بالمقدور والعلم بالمعلوم، فهي بهذا المعنى لا نزاع في كونها أموراً اعتبارية إضافية متغيرة بحسب تغير المتعلقات وتغايرها.
نحن عندما نأتي لهذه الصفات، إلى صفات الله عز وجل، عندما ننظر مثلاً إلى العلم. مرة أنظر إلى العلم وأنه ذات الباري. لأن العلم صفة ذاتية في الله سبحانه وتعالى، ولا يتوقف، لما نقول هو صفة ذاتية يعني ماذا؟ لا يسلب. زين؟ يعني عين ذاته علم، هذا معناه، وليست صفة طارئة. زين. لما أن نقول أن صفة العلم صفة ذاتية وعين ذاته معنى ذلك أنه لا نحتاج في إنساب هذه الصفة إلى معلوم حتى يكون عالماً. صار واضح لو لا؟ لأنه إذا احتاج إلى معلوم حتى يكون عالماً صار محتاجاً للمعلوم حتى يعلم به. صار واضح لو لا؟
شوية المطلب فيه شوية دقة شوية لاحظوا. فمرة أنظر إلى العلم وأن ذات الباري عز وجل صفاته هي عين ذاته، صفاته هي عين ذاته، إذاً لا أنظر إلى العلم على أنه صفة طارئة على الله عز وجل وإنما العلم صفة ذاتية في الله سبحانه وتعالى ولا تتوقف هذه الصفة لمعلوم حتى نقول أنها صارت ملازمة إليه ولذاته. فإن الله سبحانه وتعالى علمه علم ذاتي لا يتوقف على معلوم وقدرته قدرة ذاتية لا تتوقف على مقدور وإرادته إرادة ذاتية لا تتوقف على شنو؟ مراد. عدل لو لا؟
فالنظر الأول يعبر عنه بالنظرة إلى العلم الذاتي. واضح أو لا؟ يعني أن تنظر إلى العلم بما هي صفة ذاتية محضة لا يتوقف وجوده على شيء آخر. واضح؟ زين. والنظرة الثانية إلى القدرة الذاتية، يعني شنو؟ يعني أنظر إلى القدرة الذاتية وأن هذه القدرة لا تتوقف على مقدور وإنما هي صفة راسخة في ذات الله عز وجل وهي عين ذاته.
وتارة أنظر إلى العلم بلحاظ معلومات، أنا كنت أنا اختصرت لكم الطريق لكن لا بأس حسب ما أنا محضرنه يعني. وتارة أنظر إلى العلم بلحاظ المعلومات، لا علم الباري عز وجل، بغض النظر عن علم الباري، أقول لا أكون عالماً إلا بمعلوم، مو صحيح؟ أنا وأنت وجميع الناس لا يوصف بعالم إلا بلحاظ المعلوم، أما إذا كان لا بلحاظ شيء إذا أكون جاهلاً.
الله سبحانه وتعالى علمه ليس بهذا اللحاظ. الله سبحانه وتعالى علمه ليس بلحاظ معلوم. نعم، يعلم بكل معلوم ولكن صفة العلم صفة ذاتية فيه غير متوقفة على العلم بهذا المعلوم. بينما احنا لا، احنا لا نعلم ولا نتصف بأننا نعلم إلا إذا تعلق علمنا بالمعلوم. واضح أو لا؟
مناقشة وردّ مذهب الكرامية
قال: (فزعمت الكرامية أنها حادثة متجددة بحسب تجدد المتعلقات). يعني هذه الصفات الذاتية كالعلم مثلا، كالقدرة، كالإرادة، قالوا هذه صفات حادثة فيه ومتجددة بحسب تجدد المتعلقات، فقالوا عندما يتجدد شيء في الوجود فعلم الله عز وجل يتجدد به. شوف شلون. عندما يتجدد بمقدور، قدرة الله تتجدد به، عندما يتجدد بمراد، إرادة الله تتجدد به. فقالوا الإرادة الإلهية فيها حدوث وتغير. والعلم الإلهي فيه حدوث وتغير. والقدرة فيها حدوث وتغير، لماذا؟ قالوا شوف شلون، قالوا بما أن المعلوم يتغير من معلوم إلى معلوم آخر يتغير، إذاً العلم يتغير. إذاً العلم يتغير. نظروا إلى العلم ماذا؟ العلم الذاتي، فوقعوا في إشكالية كبيرة وهو أن علم الله عز وجل محل للحوادث. يعني متى ما تغيرت هذه الحوادث صار العلم الإلهي متغير بتغير هذه الحوادث.
وهذا مشكل. فوقعوا في إشكالية، هذه الإشكالية لازمها أن الله عز وجل يعلم بشيء ويجهل بشيء حتى يتبين له. فهذا التفاوت المتعلق بالمعلوم لا يعلمه إلا بعد أن كان جاهلاً به. وإلا لو لم يكن جاهلاً به لما تجدد علمه به وهذه مشكلة. ينسبون الجهل إلى الله عز وجل والعياذ بالله. قالوا: (إنه لم يكن قادراً في الأزل ثم صار قادراً، ولم يكن عالماً ثم صار عالماً، والحق خلافه). لماذا؟ اكتبوا: حيث أن الله سبحانه وتعالى عالم من الأزل، أي عالم إذ لا معلوم، وقادر إذ لا مقدور، فهو من الأزل عالم ومن الأزل قادر.
(فإن المتجدد فيما ذكروه هو التعلق الاعتباري)، هذا المعنى الذي ذكرناه للصفات. (فإن عنوا ذلك فمسلم وإلا فباطل لوجهين). الأول قال: (لو كانت صفاته حادثة متجددة لزم انفعاله وتغيره، واللازم باطل فالملزوم مثله). يعني لو كانت صفاته حادثة، يعني لو كان العلم لله حادث، ومعنى ذلك عدم العلم، يعني حادث يعني ما كان عالماً فعلم. والقدرة حادثة يعني مسبوقة بعدم القدرة، والإرادة حادثة يعني مسبوقة بعدم الإرادة، والحياة حادثة مسبوقة بالموت والعدم. فاللازم هو انفعاله وهو باطل، شوف، المراد من اللازم هو انفعاله وهو باطل، فالملزوم يعني أنه حادث مثله يعني باطل.
والدليل الثاني، شنو شنو يقول؟ قال: (إن صفاته تعالى صفات كمال لاستحالة النقص عليه، فلو كانت حادثة)، أي لو كانت هذه الصفات حادثة متجددة (لزم خلوه من الكمال، والخلو من الكمال نقص تعالى الله عنه). تعالى الله عن هذا النقص.
يعني بعبارة أوضح لهذا الوجه الثاني، نحن أثبتنا بأن الله عز وجل واجب الوجود قديم وكمال مطلق ونقول أن علمه واحد لا يتغير ولا يتبدل وقدرته واحدة لا تتغير ولا تتبدل، أما غيرنا كالكرامية قالوا لا كلا ليس كذلك، قالوا يتغير علمه، يعلم بهذا ثم يعلم بهذا ثم يعلم بهذا، فقالوا علمه متغير، كذلك قدرته متغيرة، كذلك إرادته متغيرة. خلنا نسأل هؤلاء، نقول لهم هذا التغير الذي حدث هل هو تغير من الكمال إلى النقص أو من النقص إلى الكمال؟ أو من الكمال إلى الكمال؟ كان عالماً ثم علم بأمور أكثر مما علم بها، من كمال لكمال. ولا ثالث عندنا. يا أنه من كمال إلى نقص، يا أنه من نقص إلى كمال، يا أنه من كمال إلى كمال. فصار عندنا كم؟ ثلاث. فإن قالوا إن العلم تغير من الكمال إلى الكمال فما هو الجواب إذاً؟ إذا لم يتغير لأن الكمال واحد، فإذا تغير العلم من الكمال إلى الكمال إذا لم يتغير شيء وهو ليس محلاً للحوادث. وهذا هو محل إثباته. أما لو قالوا يتغير من الكمال إلى النقص فهذا يستحيل على الباري عز وجل، يستحيل. أي كان كاملاً وبسبب التغير أصبح ناقصاً. وإذا قالوا لا من النقص إلى الكمال هذا أيضاً غير صحيح، يعني أنه لم يكن كاملاً ثم أصبح كاملاً. والسؤال هذا التغير هذا الحدوث في صفة العلم أو الحدوث في صفة الإرادة أو الحدوث في صفة القدرة ماذا تعبرون عن هذا الحدوث؟ خل نسألهم هكذا، ماذا تعبرون عن هذا الحدوث؟ هل أضاف الله، هل أضاف إلى الله سبحانه وتعالى كمالاً أو أضاف إلى الله جمالاً أو لا سبب نقص؟ فعلى جميع الصور لا يمكن أن نصدق أو نعتقد لأن الذات الإلهية، العلم الإلهي، القدرة الإلهية لا تكون محلاً للحوادث.
وأما الصفة الرابعة فيأتي عليها الكلام إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.