عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 22

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 22
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح الصفات السلبية: نفي المكان والجهة واللذة والألم

مراجعة استحالة الحلول في المحل والجهة

ما زال الكلام في الصفات السلبية التي يجب أن تسلب عن ذات الباري عز وجل، لأنها صفات ممكنات ولأنها صفات نقص. ووصلنا إلى قول العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه: (ولا يجوز أن يكون في محل وإلا لافتقر إليه ولا في جهة وإلا لافتقر إليها). أي لا يجوز أن يكون في محل، وقد أوضحناه في الدرس السابق، وإلا لافتقر إليه، وإلا لاحتاج إلى المحل، وقلنا إن الحاجة تكون للممكن. وبما أنا قد أثبتنا أن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود فلا يمكن أن يكون محتاجًا لأن يكون في مكان وأن يفتقر إليه.

ولا يكون الباري عز وجل في جهة، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يكون محتاجًا للجهة ولو كان في جهة العلو أو دون جهة العلو كما في الجهة السفلى، فمعناه أنه يحتاج إلى جهة دون جهة، والمحتاج من الممكنات، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن ينسب إليه الحاجة.

رد مذهب الكرامية في إثبات الجهة

ثم تكلمنا بعد ذلك عما ذكره الفاضل المقداد حول عبارة العلامة الحلي، وتوقف بنا الكلام إلى قوله وزعمت الكرامية. أليس كذلك؟ قال: (وزعمت الكرامية أنه تعالى في الجهة الفوقية لما تصوروه من الظواهر النقلية، وهو باطل لأنه لو كان في الجهة لكان إما مع استغنائه عنها فلا يحل فيها أو مع افتقاره إليها فيكون ممكنًا، والظواهر النقلية لها تأويلات ومحامل مذكورة في مواضعها). نحن في درس أمس شرحنا هذه المعاني ولكن على ضوء عبارة العلامة الحلي. اليوم سوف نتكلم عما يذكره الفاضل المقداد حول عبارة العلامة الحلي. فالفاضل المقداد قال: (وزعمت الكرامية أنه تعالى في الجهة الفوقية لما تصوروه من الظواهر النقلية). قد مر علينا ذلك في يوم أمس ولكن لا بأس أن نتكلم عنه ولو باختصار لتوضيح الفكرة.

وهؤلاء نصوا في كون الله عز وجل في الجهة العليا وأنه في السماء، نصوا في كتبهم على أنهم يفهمون هذا المعنى من الظواهر القرآنية، وأن الله عز وجل في الجهة الفوقية ومع ذلك أنه إذا وجد في الجهة الفوقية يعني أنه غير موجود في الجهة الأخرى، لأنه إذا وجد في جهة عدم في الجهة الأخرى، وهكذا. ولذلك نص هؤلاء في كتبهم العقائدية على أن الله عز وجل في جهة، واستدلوا على ذلك بالآيات القرآنية التي ذكرناها في يوم أمس.

منهجية التعامل عند تعارض العقل والنقل

وأما نحن الشيعة الإمامية فنقول أن الله عز وجل منزه عن الجهة. الله سبحانه وتعالى منزه عن الجهة ولا يمكن أن يكون في جهة أصلاً أصلاً. والسؤال: ماذا نصنع بين تعارض النقل الذي يدل على أن الله عز وجل في جهة الفوقية وبين العقل الذي يقول بأن الله عز وجل لا يمكن أن يكون في جهة؟ وهو أجل وأكرم من أن يكون في جهة ويستحيل أن يكون في جهة. ماذا نصنع بالنسبة إلى ظواهر النقل الدالة كما استدل الكرامية أنها تدل بظواهرها على أن الله سبحانه وتعالى في الجهة الفوقية؟ ماذا نصنع بين هذه الظواهر القرآنية التي استدل بها الكرامية بأن الله عز وجل في الجهة العليا وبين العقل الدال على استحالة ذلك؟ وهو باطل طبعًا لا شك ولا ريب على أن قول الكرامية قول باطل. يعني أي التصور الذي تصوروه بحسب ما استدلوا به من الظواهر القرآنية، هذا تصور خاطئ وهذا تصور باطل أيضًا، لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى في جهة أصلاً وإلا لكان هو محتاج لتلك الجهة لأن يكون فيها، كما أنه إذا كان في جهة خلت منه الجهة الأخرى، وهذه في غاية البطلان.

ومن هنا قال الفاضل المقداد: (والظواهر النقلية لها تأويلات ومحامل). لها تأويلات. هذه التأويلات وهذه المحامل مذكورة في مواضعها. الظواهر النقلية كما في قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) وغيرها من الآيات القرآنية التي تظهر منها أنه أو يظهر منها أنه في جهة دون جهة، هذه لها تأويلات ولها محامل ولها أمور مذكورة ونرجع في فهمها لمن؟ لأهل البيت سلام الله تعالى عليهم أجمعين. لا يمكننا أعمال العقل دون الرجوع لأهل البيت سلام الله عليه. من فسر القرآن برأيه فقد هلك. ومن فسره برأيه وأصاب أكبه الله على منخريه في نار جهنم. فلا بد إذًا من الرجوع لأهل البيت لفهم هذه الظواهر. ما يمكن أن الظواهر القرآنية نعتبرها حجة ونعمل على أساسها دون الرجوع إلى الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة. ولذلك المراد من قول الشيخ المقداد (المواضع)، قال في مواضعها، ما المراد من المواضع؟ يريد من هذه المواضع كتب التفسير، يريد من المواضع كتب الحديث التي تدافع عن حقيقة الباري عز وجل. أنه ليس جسمًا، وتقف ضد من يقول بالجسمية، تقف ضد المجسمة وضد الأفكار المنحرفة في العقيدة الإسلامية. وهناك تجدون بحوثًا معمقة في كتب التفسير حول هذه الآيات القرآنية التي استدل بها الكرامية على أن الله في جهة العلو، وفي الحديث أيضًا وهناك كتب حول التوحيد الإلهي متعددة فلا يمكن أن نقبل قولهم بأن الله سبحانه وتعالى في السماء ويشار إليه إلى جهة السماء جهة العلو.

تقديم الدليل العقلي وتأويل النقلي

(قال لأنه لما دلت الدلائل العقلية على امتناع الجسمية ولواحقها). قال: (لأنه لما دلت الدلائل العقلية على امتناع الجسمية)، يعني الجسمية على الله سبحانه وتعالى، (ولواحقها) أي لواحق الجسمية عليه على الواجب، (وجب تأويل غيرها لاستحالة العمل بهما، لاستحالة العمل بالدليل العقلي والدليل النقلي). فمن هنا يقول الشيخ الفاضل المقداد لأنها دلت الدلائل العقلية على امتناع الجسمية ولواحقها أيضًا من الأدلة شنو؟ النقلية، لواحق الأدلة العقلية النقلية يعني. وجب تأويل غيرها لاستحالة العمل بهما. ما المراد من قوله لواحق الجسمية؟ المراد من قوله لواحق الجسمية التحيز لأن الجسم يشغل شنو؟ حيز، أحسنت. والجهة من لواحق الجسمية، فصار عندنا تعارض كما أوضحنا من قبل بين الأدلة النقلية الدالة بالظهور على أن الله عز وجل في جهة الفوقية وبين الأدلة العقلية الدالة على أن الله عز وجل ليس بجسم وليس له جهة لأن هذه الصفات هي صفات الممكنات وتعالى الله سبحانه وتعالى من أن يوصف بها، وقد أثبتنا ذلك بأن الله عز وجل هو واجب الوجود وقلنا واجب الوجود وجوده وجود ماذا؟ ذاتي، عدل لو لا؟ وجود ذاتي. يعني لا يفتقر في وجوده إلى موجد. والذاتي لا يعلل، والذاتي لا يعلل.

فإذًا قوله: (وجب تأويل غيرها) يعني وجب تأويل غير الأدلة العقلية لأن الأدلة العقلية غير قابلة للتأويل، وأما الظهورات القرآنية فقابلة للتأويل. فهناك مجاز وهناك استعارة فإن باب المجاز والاستعارة واسع في البلاغة كما مر عليكم. باب المجاز وباب الاستعارات هذا باب واسع، كثير في القرآن الكريم استخدمت الكنايات واستخدمت الإشارات واستخدمت الاستعارات، كثير. فهناك دليل عقلي دل على أن الله عز وجل ليس في جهة ولا يمكن أن يكون في جهة وهناك دليل نقلي دل على أن الله عز وجل في جهة الفوقية. فصار تعارض بين الدليل العقلي والظاهري. الدليل ماذا؟ الظاهري. فأصبح عندنا تعارض بين دليل عقلي ودليل نقلي اللي هو الظاهري. صار واضح لو لا؟ فنتمسك بالدليل العقلي ونؤول الدليل النقلي، ومن حقنا أن نتساءل ونقول لماذا نرجح الدليل النقلي على العقلي؟ لماذا؟ لماذا نحافظ على الدليل العقلي؟ ولماذا نطرح الدليل النقلي؟ ولماذا نؤول الدليل النقلي ونتمسك بالدليل العقلي؟ انظروا ماذا قال الفاضل المقداد. قال نحن يوجد أمامنا أربعة حلول. يوجد أمامنا أربعة حلول. الدليل العقلي يقول إن الله عز وجل ليس في جهة، هذا الدليل شنو؟ العقلي. والدليل النقلي يقول أن الله عز وجل في جهة. فكم حل أمامنا؟ توجد أمامنا أربعة حلول حول هذين الدليلين، دليل عقلي والدليل النقلي.

إما أن نعمل بالدليلين، أعمل بالنقل وأعمل بالعقلي، فماذا تصبح النتيجة؟ تناقض. فتصبح النتيجة أن الله عز وجل في جهة تبعًا للدليل النقلي، وأن الله عز وجل ليس في جهة تبعًا للدليل العقلي. إذا العمل بالدليل العقلي والدليل النقلي في آن واحد ما يمكن. والعمل… هاي جهة… جهة واحدة. احنا قلنا أربع جهات، أربعة حلول عندنا. فهذا الحل الأول ما يمكن. الحل الثاني: لا نعمل بالدليل العقلي ولا نعمل بالدليل النقلي، فالنتيجة ستكون أن الله عز وجل ليس في جهة وليس في غير جهة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع النقيضين. الحل الثالث: نعمل بالدليل النقلي ولا نعمل بالدليل العقلي كما يعمل بهذا الأشاعرة، حيث أنهم أعملوا الدليل النقلي الذي يقول بأن الله عز وجل في جهة وطرحوا الدليل العقلي، نتج عن هذا أمر خطير. أمر خطير. طرح الدليل العقلي والتمسك فقط بالدليل النقلي صار فيه أمر خطير هذا، أمر خطير. فالعمل على طبق الثالث أو الأمر الثالث والذي يتبناه من؟ الأشاعرة، حيث أنهم أعملوا الدليل النقلي وتركوا الدليل العقلي، يستلزم منه عدم اعتبار النقلي أيضًا. نقول لهم أنتم بهالكيفية حتى النقلي لن أنتم تعتمدون عليه ما يمكن الاعتماد عليه، يسقط أيضًا. يسقط. إذا أنتم أسقطتم الدليل العقلي يسقط تبعًا له الدليل النقلي. لكن قد تستغرب من هذا الكلام تقول شلون شيخنا يعني؟ إذا أسقطنا الدليل العقلي يسقط معه الدليل النقلي، شلون يصير هذا؟ أنا أقول لك الآن شلون يصير.

لماذا إسقاط الدليل العقلي يؤدي إلى إسقاط الدليل النقلي؟ ليش؟ خليني أجاوبك. لو كنا نحن في زمن النبي صلى الله عليه وآله أو أي نبي من الأنبياء مثلًا عيسى، موسى، إبراهيم، نوح، هود، إلى غير ذلك. وجاءنا النبي صلى الله عليه وآله وقال أنا رسول من الله عز وجل. كيف تثبت نبوته؟ بالعقل. بالمعجزة. بالعقل. عدل لو لا؟ بالعقل. فلا يمكن أن تثبت النبوة لأنه قال أنا نبي. ما يمكن. أي نبي من الأنبياء مجرد يجيء يقول للناس أنا نبي ما يمكن أن يصدق إلا إذا أتى بالدليل. أتى بشيء خارق العادة، هو فقط قادر على إيجاده ويعجز الخلق عن إيجاده. فعقلًا نقول ماذا؟ لولا أنه نبي لما استطاع أن يوجد هذا المعجز. هذا إعمال العقل. إي. بدون ذلك معناته خلاص أي واحد يجي يقول نبي نقول له خلاص أنت نبي. فلا يمكن أن تثبت النبوة لأي نبي كان بدعواه أنه نبي مرسل بدون إعمال الدليل العقلي. ما يمكن. ليش؟ لأنه يلزم الدور. ليش يلزم الدور؟ لأنه إذا أعملنا الدليل النقلي بمجرد أنه هو قال، قلنا لا يمكن لنا أن نصدق دعوتك أيها المدعي النبوة إلا إذا أتيت بمعجز. وما دليلكم على أن الذي يأتي بمعجز لا بد أن يكون صادقًا وإلا فهو كاذب؟ نقول العقل يقول لنا هذا. إذا كان قادرًا على إيجاد المعجز فهو صادق، إذا كان عاجزًا عن إيجاد المعجز فهو كاذب. ليش؟ لأن النقل الذي نقله لنا بأنه نبي يحتاج إلى شنو؟ إلى عقل، والعقل هو شنو؟ حجة. عدل لو لا؟ فمعنى ذلك أننا نثبت ادعاءه بالعقل، والعقل يثبت ادعاءه، فيصير شنو عندنا؟ دور. يصير عندنا دور. فما يمكن أن نطرح الدليل العقلي لأن طرح الدليل العقلي يعني ماذا؟ تكذيب للنبي. شفتوا شلون أقول لكم أمر خطير يصير؟ يصير تكذيب للنبي. تكذيب مو بس للنبي، تكذيب لجميع الأنبياء. فإذًا لا تثبت النبوة إلا من خلال الإعجاز الذي يدلل على صدقه، والصدق حسن وذلك لامتناع القبيح على الله سبحانه وتعالى.

فإذا أسقطنا اعتبار العقل جملة وتفصيلًا فلا يمكن بعد ذلك أن نثبت النقل. ما يمكن. فقول الأشاعرة إذا ثبتنا النقل دون العقل سقط النقل أيضًا، لأن النقل يثبت بالعقل. فلولا العقل يقول أن الكذب قبيح وأن الصدق حسن، كيف يمكن لنا أن نثبت ذلك ونقول ما وصل إلينا عن طريق الأنبياء هو صدق وحسن؟ لعله يكون كذب والعياذ بالله. نقول لا، العقل يقول لنا القبيح لا يصدر من الله سبحانه وتعالى. وبما أن هؤلاء الأنبياء قد دعوا النبوة وأثبتوا عن طريق الإعجاز الذي لا يتمكن أحد من الخلق أن يقوم به ويأتي به، فإذًا هذا صادق في ادعائه ولا يكون كاذبًا وبهذا تثبت نبوته.

استحالة اتصاف الله باللذة والألم

قال: (ولا يصح عليه اللذة والألم). ولا يصح عليه اللذة والألم. ما المراد من اللذة؟ عندما نقول لا يصح عليه اللذة، يعني لا يصح على الله سبحانه وتعالى اللذة. ولا الألم. اللذة هو الإحساس بما يوافق الطباع. اللذة هو الإحساس بما يوافق الطباع. عندما يأكل إنسان طعامًا يشعر بلذته لماذا يشعر بلذته؟ لأنه وافق طبعه. عندما يأكل حلوًا يقول هذا حلو ولذيذ وعندما يأكل حامضًا يقول هذا حامض. عدل لو لا؟ عندما يأكل مالحًا يقول هذا مالح. زين. عندما ننظر إلى منظر منظر حسن أيضًا نلتذ بهذا المنظر. عندما أنظر إلى جمال الطبيعة، إلى البحر، إلى الطيور، إلى كذا فأستشعر شنو؟ اللذة. لأن هذه المناظر تتوافق مع طبعي. الخضرة والماء والوجه الحسن تتوافق مع الطبع. عندما مثلاً ابنه ينجح ويتفوق يلتذ بتفوقه. لماذا؟ لأنه توافق مع طبعه. فهذه لذة أيضًا، لكن هذه تسمى لذة عقلية. اللذة التي تكون في الفم من الطعام والشراب هذه لذة شنو؟ حسية. حسية. لكن بالنسبة لهذه الأمور التي ذكرناها هذه لذة شنو؟ عقلية. لذة عقلية. لأن النجاح وافق الطبع. لأن المنظر الخلاب، منظر الماء، منظر الخضرة، منظر الوجه الحسن، منظر الطيور، هذه يلتذ الإنسان من خلالها، يروح عن نفسه، يرتاح، كذا، فتحصل عنده لذة لكن هذه اللذة لذة شنو؟ عقلية يسمونها. وأما الألم فهو مخالفة للطبع. مخالفة ما يوافق الطبع يسمى ألم. فإذًا الألم ناتج من الإحساس الذي هو خلاف الطبع. الله سبحانه وتعالى ليس له طباع كطباعنا. الله يفرح، والله يغضب، لكن فرحه وغضبه هو ماذا؟ الثواب والعقاب. الله سبحانه وتعالى ليس عنده طباع كما عندنا عندما لا يوافق هذا ما أنا أريد أغضب. غضبي هذا ناتج من شنو؟ من عدم موافقة هذا الشيء لطبعي. لكن الله سبحانه وتعالى له. الله سبحانه وتعالى ليس كذلك. لا يصح عليه اللذة ولا يصح عليه الألم، ولا يصح عليه المزاج. مرة تشوفه مرتاح ومستانس ومرة… لا. نعم الله يفرح والله يغضب، ولكن ليس ناتجًا من توافق الطبع أو مخالفة الطبع، لأن الله لا يوصف بطبع. الله سبحانه وتعالى ليس له طباع، ولذلك اتفق العلماء كافة قديمًا وحديثًا على نفي الألم العقلي والمادي واختلفوا باللذة. اختلفوا باللذة. قال بعضنا وقال غيرنا أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يستلذ ولكن لذة عقلية. وقال أكثرنا وأكثر غيرنا اللذة لا تنسب إلى الله سبحانه وتعالى. إذًا بالنسبة للذة مختلف فيها وهي مؤولة أيضًا.

قال الفاضل المقداد: (أقول: الألم واللذة أمران وجدانيان فلا يفتقر إلى تعريف). توجد أمور وجدانية وتوجد أمور برهانية. فلا يفتقر إلى تعريف يعني لا يحتاج إلى برهان. الأمور الوجدانية أمور واضحة بمكان وهي ليست بحاجة إلى دليل. عندما آكل فمعنى ذلك أنني شعرت بالجوع. عدل لو لا؟ ما يحتاج واحد يروح يجيب لي دليل أني أنا جائع لأن هذا شيء وجداني. فالأمور الوجدانية لا تحتاج إلى دليل وإنما بطبع الإنسان بوجدان الإنسان بذات الإنسان يشعر بها كالجوع كالعطش كـاللذة كذا. وكذلك عندما أكون عطشان مثلًا أشعر بالعطش وأذهب إلى الماء وهذه أمور وجدانية. ولذلك نقول نفس الشيء اللذة والألم من الأمور الوجدانية. من الأمور الوجدانية. يعني بمجرد أن أضع الطعام في فمي ولست بحاجة للبحث عن دليل الذي يقول إن هذا الطعام لذيذ، ما يحتاج. هذا أنا أتذوقه وأشوفه أنه لذيذ. بوجداني أقول هذا لذيذ. بوجداني أقول هذا حلو، بوجداني أقول هذا حامض. مو صحيح؟ ما يحتاج بعد واحد يدلل لي. مثل واحد يقول لي اثبت لي أن النار هذه حارقة. أقول جيب صبعك. خلص. شيء بالوجدان الواحد يشعر.

(وهما قد يكونان حسيين وقد يكونان عقليين. فإن الإدراك إن كان حسيًا فهما حسيان وإلا فعقليان. إذا تقرر هذا فنقول: أما الألم فهو مستحيل عليه إجماعًا من العقلاء إذ لا منافي له تعالى). الألم سواء كان حسيًا أو كان عقليًا أجمع العقلاء أن الألم لا يمكن أن يتصف الباري به عز وجل وهو مستحيل. لماذا؟ لأنه إذا قلنا أن الألم حسي الله سبحانه وتعالى ليس له حواس. إن الله ليس كمثله شيء. وإن كان الألم عقليًا لا يوجد ما ينافي طباع الباري عز وجل ما يتألم، لأن الألم نقص ولا يمكن للإنسان أن يدفعه عن نفسه. الألم لا يمكن للإنسان أن يدفعه عن نفسه، لأنه من الأمور الطبيعية. عندما يبخزك المسمار تتألم. عندما تصاب بشوكة تتألم. عندما تضع يدك على النار تتألم، تشعر بحرارتها، إلى غير ذلك من الأمور. لكن الله سبحانه وتعالى ما يمكن أن تنسب له هذه الخاصية أنه يتألم. وعلى افتراض لو لو خلينا نسلم جدلًا، لو وجد من هذا القبيل نقول يختلف عنا، ويفسر بشيء آخر. احنا لأنه بوجداننا نشعر نستشعر ذلك، الله سبحانه وتعالى لا. الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.

(وأما اللذة فإن كانت حسية فكذلك) يستحيل إجماعًا. أما اللذة الحسية فيجب أن تدفع عن الباري عز وجل لأنه تعالى ليس جسمًا، ليس جسمًا. لأن الأجسام كالإنسان هو الذي يستشعر هذه اللذة الحسية، بالتذوق من الشم من اللمس من كذا النظر إلى غير ذلك. فالله سبحانه وتعالى ليس كذلك، ليس جسمًا وليس له حواس وليس له مزاج في الذوق وفي السمع وفي النظر كي ينظر إلى ما يتألم منه أو يسمع أو ما يتألم منه أو ما شاكل ذلك، لا. قال: (لأنها من توابع المزاج والمزاج يستحيل عليه تعالى وإلا لكان جسمًا). يعني لا يوجد عندنا ما يمكن أن ننسبه لأنفسنا وننسبه إلى الله عز وجل من توابع المزاج ومن ما نستشعره في المزاج. (وإن كانت عقلية فقد أثبتها الحكماء له تعالى). فكما قلنا لكم أنه عادة يطلق عنوان الحكماء في كتب العقائد القديمة يطلق على علماء العقائد العامة يسمونهم حكماء. أهل السنة لا قالوا إذا كان عالم بالعقائد يسمى حكيم وإذا كان غير ذلك فلا يسمى حكيم يسمى متكلم. فالمتكلم دليله الكتاب والسنة والحكيم دليله الكتاب والسنة والأدلة العقلية. قال: (لأن الباري تعالى متصف بكماله اللائق به لاستحالة النقص عليه ومع ذلك فهو مدرك لذاته وكماله) يعني يلتذ بعلمه، بقدرته، بقهره، وإلى غير ذلك. يعني بالكمال المطلق، الله سبحانه وتعالى متصف بالكمال المطلق فيكون أجل مدرك لأعظم مدرك بأتم إدراك)، إشارة إلى أنه تعالى يعلم بذاته بالعلم الحضوري لا بالعلم الحصولي، لأن العلم إما حضوري وإما حصولي، فالله سبحانه وتعالى علم حضوري. قال: (ولا نعني باللذة إلا ذلك). يعني المراد من اللذة هو ذلك الابتهاج لحصول هذا الكمال لله سبحانه وتعالى. قال: (وأما المتكلمون فقد أطلقوا القول بنفي اللذة) وفرقتون الآن بين المتكلمين وبين الحكماء؟ إي. قال: (إما لاعتقادهم نفي اللذات العقلية أو لعدم ورود ذلك في الشرع، فإن صفاته تعالى وأسماؤه توقيفية لا يجوز لغيره التهجم بها إلا بإذن منه، لأنه وإن كان ذلك جائزًا في نظر العقل لكنه ليس من الأدب لجواز أن يكون غير جائز من جهة لا نعلمها العقل). يقول لا مانع من أن نقول أن الله عز وجل يستلذ بكماله، لا يوجد مانع، يستلذ بكماله يستلذ بعلمه يستلذ بقدرته يستلذ، لكن نسأل سؤال بما أن الله عز وجل لم يصف نفسه باللذة فنحن من باب التأدب لا نصف الباري باللذة. من باب التأدب، تأدبًا.

التمرير إلى الأعلى