شرح الباب الحادي عشر: إثبات حدوث كلام الله وصفة الصدق
مقدمة ومراجعة لمباحث صفة الكلام
أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. (ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي). كان الكلام وما زال في الفصل الثاني من فصول الباب الحادي عشر والذي يتكلم عن الصفات الذاتية الثبوتية لله عز وجل. وكذلك كان الكلام وما زال في الصفة السابعة من الصفات الثبوتية الذاتية وهي صفة أن الله سبحانه وتعالى متكلم. ووقع الكلام حول هذه الصفة في أربعة من المباحث.
المبحث الأول قلنا ما الدليل على أن الله عز وجل متكلم؟ فهل أن الدليل هو الدليل العقلي أم الدليل النقلي؟
والمبحث الثاني: ما هي حقيقة الكلام؟ وهل الكلام هو معنى ليس بصوت ولا بحرف أو الكلام هو صوت وحرف؟
والمبحث الثالث: بما أن الكلام صفة، فأين محلها؟ وأين تكون هذه الصفة؟ وأين تقع هذه الصفة؟ فهل هي صفة حالة بالذات الإلهية أو محل خارج الذات الإلهية؟
والمبحث الرابع والأخير قلنا إن كلام الباري عز وجل قديم أو حادث؟ وجرى البحث حول مسألة قدم القرآن أو حدوث القرآن ووصلنا إلى كون كلام الباري عز وجل حادث وليس بقديم.
وقد ذكر الفاضل المقداد خمسة أدلة وخمسة توجيهات تثبت بأن كلام الباري عز وجل حادث وليس قديما. وذكرنا الوجه الأول وذكرنا الوجه الثاني ووصل بنا الكلام إلى الوجه الثالث.
الوجه الثالث: لزوم الكذب لو كان كلام الله قديماً
حيث قال الفاضل المقداد قدس الله نفسه الزكية: (في الثالث أنه لو كان قديماً لزم الكذب عليه، واللازم باطل فالملزوم مثله). لو فرضنا أن كلام الله عز وجل قديما، وقلنا بأن من جملة كلام الله هو القرآن الكريم. فالقرآن الكريم هو كلام الله عز وجل. ولما أن نقول أن كلام الله عز وجل على نحو الفرضية أنه قديم، فالقرآن لابد وأن يكون قديما. والقرآن كلام الله. فإذا قلنا على أن كلام الله قديم والقرآن كلام الله إذا القرآن يكون قديما. لكن القول بهذا يلزم منه الكذب، لماذا يلزم منه الكذب؟ لأن الله عز وجل عندما يتكلم في القرآن الكريم عن الأنبياء ويتكلم في القرآن الكريم عما كان وعما هو كائن وعما سيكون، يلزم من ذلك الكذب. فإذا قلنا أن كلام الله قديم فهذا لا يمكن أن نسلم به لأن التسليم به هو تكذيب لله سبحانه وتعالى. وكيف يكون ذلك؟
عندما يقول تعالى في الكتاب العزيز مثلا إن الله عز وجل بعث نوحا وأرسل إبراهيم، فإذا كان القرآن قديما فيكون غير مسبوق بعدم، لأن القديم ماذا؟ هو الغير مسبوق بعدم. زين. ومن الأول أن الله تعالى لم يبعث نوحا ولم يرسل إبراهيم. فإن نوح وإبراهيم قد سبقهما العدم. وبما أن القرآن يتكلم عن نوح وعن إبراهيم فلا يمكن أن نقول بأن كلامه قديم وذلك لأنه عندما يتكلم عن نوح ويتكلم عن إبراهيم يكون ذلك مخالفا للعدم. لأن كلام الله سبحانه وتعالى عن إرساله لنوح ولإبراهيم هذا لا يمكن أن يكون في درجة واحدة معه سبحانه وتعالى وفي عرض واحد، لا يمكن، ولا يسلم عاقل بهذا. لأن التسليم بهذا يستدعي الكذب على الله عز وجل. يعني إذا قلنا بأن القرآن قديم يعني ننسف جميع ما جاء في القرآن الكريم. ونقول لأن ما جاء في القرآن الكريم والعياذ بالله والمستجار بالله يكون كذبا على الله. يعني إنكار لكتاب الله. أي معنى.
فيلزم من ذلك أن قوله تعالى مثلا: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) فأين نوح وأين قومه في الأزل؟ أين نوح وأين قومه في الأزل؟ لأن نوح ليس موجودا في الأزل. ولا قومه موجودين في الأزل، فكيف يقول الباري (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه)؟ فيستدعي ذلك أن يكون نوح مع قومه في الأزل. فإرسال نوح إلى قومه يدل على أنه لم يكن موجودا من الأزل. ولو كان موجودا من الأزل لما كان هناك صدق في كلام الله أنه أرسله إلى قومه. يصير على الكذب. زين.
فمن هنا إذا قلنا بأنه قديم يلزم من ذلك الكذب لأنه لم يرسل نوحا من القدم. والكذب قبيح على الله سبحانه وتعالى ولا يمكن أن يتصف به سبحانه وتعالى. إذا كلام الله عز وجل لا يمكن أن يكون قديما لأنه يلزم الكذب، واللازم باطل، إذا فيثبت من ذلك أن كلام الله حادث. وذلك لأن القول بالقدم يلزم منه الكذب، فاللازم باطل، والمراد من اللازم هو الكذب، والملزوم مثله، والملزوم المراد من الملزوم هو القدم، زين. أي قدم كلام الباري عز وجل فيكون باطلا. خلينا نأخذ هذا بشكل فني آخر، يعني بعبارة مختصرة حتى تتضح لنا الفكرة.
القول بقدم القرآن يلزم منه الكذب. الكذب باطل، فالقول بقدم القرآن باطل مثله. صار واضح لو لا؟ أو أعيدها؟ واضح. زين. فإذن توجد ملازمة بين الكذب وبين قدم القرآن. إذا قلنا بقدم القرآن فلازمه الكذب. والكذب قبيح، والقبيح لا يصدر من الله عز وجل، إذا لا يمكن أن نقول أن الكذب يصدر من الله عز وجل، ولا يمكن بهذا أن نقول أن القرآن قديم. كيف أن يكون القرآن قديما وهو يتكلم عن أحداث سبقت نزول القرآن؟ يتكلم عن أحداث سابقة. ويتكلم عن حوادث كثيرة، يتكلم عن موسى، يتكلم عن هارون، يتكلم عن بقرة بني إسرائيل، يتكلم عن عيسى، يتكلم عن نوح، يتكلم عن هود، يتكلم عن لوط، يتكلم عن إبراهيم، يتكلم يتكلم. القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وهو في آخر الأنبياء والرسل. لو كان القرآن قديما لأصبح كلامه هذا كلام شنو؟ باطل. لأنه متى صار هذا الكلام؟ متى أنزل هذا الكلام؟ أنزل بعد ما حصلت كل هذه الأحداث وكل هذه الرسل الذين سبقوا النبي صلى الله عليه وآله وكل هذه الاعتبارات التي سبقت الإسلام والقرآن تكلم عنها. إذا لو كان القرآن قديما لكلامه هنا صار كذبا والعياذ بالله. فلا يمكن أن يكون القرآن قديما. لأن القرآن تكلم عن أحداث حصلت، حوادث كثيرة حصلت، هذه الأحداث حادثة أو قديمة؟ الأحداث حادثة وليست قديمة. فإذا قلنا بأن الله بأن كلام الله عز وجل قديم ويتحدث عن حوادث حصلت وهي حادثة ويقول أنها حصلت في الأزل فهذا وجه الملازمة. فهنا يكون باطلا. فلا يمكن إلا أن نسلم بأن القرآن حادث وليس بقيم. زين، نطبق العبارة.
قال: (الثالث أنه لو كان قديما لزم الكذب عليه) – يعني على الحق سبحانه وتعالى – (واللازم باطل فالملزوم مثله). يعني يكون الكلام قديما فالملزوم مثله أي يكون أيضا كاذبا. وهذا هو بيان الملازمة. بيان الملازمة أنه أخبر – لاحظ – أنه أخبر بإرسال نوح في الأزل بقوله (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) ولم يرسله إذ لا سابق على الأزل. لا سابق على الأزل. فيكون كذبا.
الوجه الرابع: لزوم العبث لو كان كلام الله قديماً
قال الفاضل المقداد: (الرابع أنه يلزم منه العبث في قوله أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة إذ لا مكلف في الأزل). ما في أحد في الأزل. فخطابه (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) يكون عبث. والعبث قبيح على الله سبحانه وتعالى فيمتنع عليه. فمن هنا قوله أنه يلزم منه العبث في قوله تعالى (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). فإذا القرآن كلام الله عز وجل قديم فما الفائدة من قول الله عز وجل في الأزل (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)؟ ما في أحد أصلا. فكيف يتوجه له التكليف؟ وهل أن التكليف يتوجه للقديم أو يتوجه إلى الحادث؟ للحادث. فإذا القرآن الكريم إذا قلنا القرآن الكريم قديم فما الفائدة من قول الله عز وجل (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)؟ ما الفائدة من قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)؟ ما في أحد أصلا حتى يكلف بهذا التكليف، فهذا يكون عبث، والعبث قبيح على الله سبحانه وتعالى. فلا طائل ولا فائدة من وجود التكليف من الأزل. الله سبحانه وتعالى مثلا يقول (أحل الله البيع وحرم الربا). إذا كان هذا كلام الله وهو قديم زين، فإذا يخاطب به من؟ إذا كان من الأزل يخاطب به من؟ يكون أيضا قبيح. وبما أنه قبيح فالقبيح لا يمكن أن يصدر عن الله سبحانه وتعالى، إذا القرآن حادث.
الوجه الخامس: الدليل النقلي على حدوث القرآن
الخامس، قال قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث). والذكر هو القرآن. والذكر هو القرآن لقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). و(إنه لذكر لك ولقومك). وصفه بالحدوث فلا يكون قديما. وصفه بالحدوث فلا يكون قديما. شلون يعني وصفه بالحدوث؟ عند قوله (إنا نحن نزلنا الذكر)، التنزيل ماذا يعني؟ إيجاد. إيجاد. حدوث. والإيجاد يكون للممكن أو للقديم؟ للممكن. الحادث. فمن هنا قال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وقوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك) وصفه بالحدوث فلا يكون قديما. فقول المصنف رحمه الله وتفسير الأشاعرة غير معقول إشارة إلى ما ذكرناه من هذه المقدمات.
قال الفاضل المقداد، الوجه الخامس والأخير في إثبات أن كلام الله عز وجل حادث، والقرآن الكريم حادث. قوله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)، والذكر هو القرآن الكريم. يعني أن ذكر الله عز وجل محدث، والمحدث يقابله القديم. كيف يكون قديما وهو محدث؟ ما يمكن. يا قديم يا محدث. أما أنه قديم ومحدث، ما يمكن. لا يجتمعان.
قد يقول قائل: من قال أن المراد من قوله تعالى (من ذكر) يعني هو القرآن؟ قد يطرح سؤال. من قال على أن المراد من الذكر هو القرآن؟ يعني أن ذكر الباري عز وجل محدث، والمحدث يقابله القديم. وأنكم تقولون أن الذكر هو القرآن. وبما أنه ذكر إذا الذكر هو كلام الله وكلام الله والقرآن حادث وليس بقديم. بماذا نجيبه؟ نجيبه بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). الله، الله ذكر على أن كلامه يسمى ذكر. وتعهد بحفظه. لأنه قلنا في يوم أمس كيف يكون كلام الله عز وجل حادث والحادث ثبت على أنه متغير. العالم حادث وكل حادث متغير، إذا العالم متغير. إذا قلنا على أن القرآن حادث إذا يلزمه التغير. وإذا يلزمه التغير فهذا مشكل. يعني معناته أن هذا القرآن لا يصلح لكل زمان ومكان، وذلك للتغير الذي يطرأ على الأزمنة والأمكنة. وقد سالت الدماء حول نظرية قدم القرآن وحدوث القرآن. وكان أول ما تكلم علماء الكلام في العقائد وفي علم الكلام تكلموا حول هذه المسألة في زمن المأمون العباسي وذلك بعد أن أشكل عليهم النصراني وقال إذا كنتم تقولون أن القرآن كلام الله فهل هو قديم أو حادث؟ إن قلتم قديم فعيسى ابن مريم هو كلمة الله. وإن قلتم حادث فالحادث متغير، كل حادث متغير، إذا القرآن متغير لا يصلح لأن يكون لكل زمان ومكان. فصارت المعارك الكلامية وصارت فيها الدماء وإلى غير ذلك، وصارت فتنة كبيرة بين المسلمين ولكن الإمام الرضا عليه السلام استطاع أن يوقف نزف الدماء، واستطاع أن يوقف هذه الشبهات المتعلقة بالقرآن. قال نعم هو حادث ولكن الله عز وجل قد تعهد بحفظه حيث قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). إذا الله سبحانه وتعالى قد تعهد على أنه لا يتغير ويصلح لكل زمان ومكان ولا يمكن أن يخضع لزمان دون زمان ومكان دون مكان. لما يصاحب التغير الزماني والمكاني. كل زمان متغير عن زمان آخر وكل مكان متغير عن مكان آخر والقرآن لكل زمان ومكان، فإذا كان حادث إذا هو متغير. قال لهم الإمام الرضا عليه السلام لا، الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن وذلك بقوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
فالمراد من كلام الله هو الذكر. والله سبحانه وتعالى قد ذكر كلامه بالذكر وتعهد بحفظه عندما قال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وكذلك قوله تعالى (وإنه لذكر لك ولقومك). شوف (ذكر لك ولقومك). يعني مو بس فقط الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وآله بل لكل العالم، لكل المسلمين. فهذا حادث. إذا القرآن عز وجل هو ذكر، ولا إشكال في أنه من الذكر بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى ووصف الله سبحانه وتعالى القرآن بأنه ذكر، حيث قال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وقوله (وإنه لذكر لك ولقومك) فلا خلاف ولا إشكال حينئذ بعد قول الله عز وجل بوصفه لكلامه في القرآن بأنه من الذكر الوارد في قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث). المراد من الذكر هو آيات القرآن الكريم. يعني كأنما الآية هكذا تقول: يعني ما يأتيهم من قرآن من ربهم محدث. لأن الذكر هو القرآن. محدث، أي ليس بقديم، يعني محدث. الله يقول محدث. فهذا دليل آخر من القرآن أنه محدث وهو كلام الله عز وجل الذي تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه. فالله سبحانه وتعالى وصفه بالحدوث فلا يكون قديما. لأن الشيء إذا وصف بالحدوث فمن المستحيل أن يكون قديما. إذا الله وصف ذكره بالحدوث بعد أي مجال لأن نقول بأنه قديم؟ ما يمكن. فقول المصنف وتفسير الأشاعرة غير معقول إشارة إلى ما ذكرناه في المقامات التي مرت. لأن الأشاعرة قالوا إن كلام الله عز وجل معنى قديم قائم بالذات. والعلامة الحلي رحمه الله في جملة ما قاله وهذا غير متصور، غير معقول أن يكون كلام الباري عز وجل قديما أو أن يكون القرآن الكريم قديما. وقد ذكر الفاضل المقداد خمسة وجوه تدل على استحالة أن يكون القرآن قديما.
الصفة الثامنة: الصدق
بقيت عندنا صفة أخيرة ذكرها العلماء وهي من الصفات الثبوتية وهي صفة الصدق.
قال: (الثامنة أنه تعالى صادق لأن الكذب قبيح بالضرورة والله تعالى منزه عن القبيح لاستحالة النقص عليه). هذه هي آخر الصفات الثبوتية. صفة الصدق. الصدق قد يكون صدقا في الكلام وقد يكون صدقا في الأفعال. فإذا كان الصدق صدقا في الكلام فصفة الصدق متفرعة من صفة الكلام. وإلا كيف نقول أنه صادق أصلا إذا هو لم يتكلم؟ لا يوصف بأنه صادق إلا إذا أخبر، والإخبار يكون بالكلام. علي لو لا؟ فإذا هذه الصفة صفة متفرعة من وين؟ من صفة الكلام. فإذا اتضح لنا بأن الله عز وجل متكلم فإن الكلام الذي يصدر من الله عز وجل سواء الكلام الذي صدر منه مع موسى عليه السلام على نبينا وآله وعليه السلام أو الكلام الذي صدر منه مع النبي صلى الله عليه وآله على شكل القرآن الكريم فإنه يستدعي أن يكون صدقا ولا يكون كذبا.
وصفة الصدق متفرعة من صفة الكلام. وقد تكون صفة الصدق أعم من صفة الكلام وتشمل صدق الفعل وخصوصا وإنا ذكرنا فيما سبق بأن بعض المحققين من العلماء المتأخرين قالوا كلام الله عز وجل فعل، فعل. فعندما تكلمت الشجرة مع موسى على نبينا وآله وعليه السلام وبعبارة أفصح خلينا نقول عندما تكلم الباري عز وجل مع موسى وذلك بإيجاد الكلام على هيئة أصوات منتظمة وحروف منتظمة زين فكلام الله فعل الله يعني. فعل الله.
فعندما نقول عندما تكلم الباري عز وجل مع موسى عليه السلام بواسطة الشجرة هذا فعل الله. وعندما بعث عيسى من غير أب هذا فعل الله. لذلك عبر عن عيسى ماذا؟ كلمة الله، لأن كلمة الله يعني فعل الله. واضح يا لا؟ عبر عنها كلمة الله ألقاها إلى مريم. إذا فعل الله. فالصدق سيكون أعم من الصدق الكلامي فيشمل الفعل، يشمل الفعل. بمعنى أن الأفعال الصادرة من الله عز وجل لها واقعية، يعني شنو؟ لها مصداقية، هي صدق.
فعيسى على نبينا وآله وعليه السلام فعل الله وهو كلمة الله عز وجل، فهو صدق. ولذا تجد أن من بين مباحث العقائد القديمة ومن بين مباحث العقائد الجديدة يوجد شيء من الاختلاف. يوجد، لكن مو الاختلاف الجذري، اختلاف التعبير. اختلاف التعبيري. لما فيها زين من التطور والتحقيق فصار هناك اختلاف في بعض التعابير بين العلماء المحققين في علم الكلام وعلم العقائد القدماء والمحققين المعاصرين مثلا. الباب الحادي عشر كما لا يخفى عليكم بقلم العلامة الحلي رضوان الله تعالى عليه. هذا الكتاب في الحقيقة والواقع هذا كتاب مبارك. سبحان الله يعني هذا الكتاب كأنه البحر كلما نزفت منه كلما ظهرت لك اللآلئ. كلما غصت فيه كلما وصلت إلى ما تجهل من خلاله. سبحان الله. لكن مع قدره ومع ما فيه من بركة، نوقش في بعض أموره. الكمال لله. كما ناقشنا بأن الكلام ليس من صفات الذات الثبوتية ولابد أن يكون من صفات الأفعال، وهو ذكرها أنها من صفات شنو؟ من صفات الذات الثبوتية. ولكن بحسب تعبير العلماء الكلام المعاصرين وغيرهم يعني ممن جاؤوا بعده ذكروا على أنها من صفات الأفعال. ليش؟ باعتبار أنه تارة تثبت تارة تسلب. كلم الله موسى ولم يكلم عيسى. علي لو لا؟ صفات الأفعال.
فالمراد من الصدق ليس الصدق الكلامي فقط. المراد من الصدق أعم من الصدق الكلامي، الصدق الكلامي والصدق الأفعالي والصدق الأفعالي. يعني صدق الأفعال كذلك يسمى صدق. قال العلامة أنه تعالى صادق. شوف، قال الثامنة أنه تعالى صادق. ما الدليل على أن الله سبحانه وتعالى صادق؟ قال لأن الكذب قبيح بالضرورة. لأن الكذب صفة كمال أو صفة نقص؟ نقص. صفة نقص بل ومن الصفات القبيحة. الكذب قبحه ذاتي أو عقلي؟ ذاتي. قبحه عقلي. لماذا؟ الظلم قبحه ماذا؟ ذاتي. لأن الظلم في جميع صوره قبيح. الكذب بعض الأحيان. الكذب قبحه ليس ذاتيا، قبحه عقليا. وذلك لأنه في بعض صوره لا يعد قبيحا. كما لو سألك الظالم عن زيد المؤمن أينه وهو يريد قتله وأنت تعلم أنه في المكان الفلاني. فهنا الكذب لا يكون قبيحا والصدق يكون قبيحا. شوف شلون. فإذن هنا الكذب قبحه ليس قبحا ذاتيا، قبح عقليا. الغيبة قبحها عقلي وليس ذاتي. ليش؟ المتفاسق. نعم. الإمام الصادق تكلم على أحد أصحابه مقربين. فنقلوا إليه على أن الإمام جعفر الصادق يتكلم عليك ويغتابك. فهذا شويه صار في خاطره على الإمام، يعني ما صار في خاطره قال ربما أنا يعني فعلت شيء وأنا لا أدري والإمام كشفني يعني. أرسل ابنه محمد ولعله زرارة، أرسل ابنه محمد بكتاب، قال إن والدي أرسل إليك سيدي يقول كيت وكيت وكيت، قال قل له اغتبناه لنحفظ دمه، هذا المعنى، لنحفظ دمه. لأن مجلس الإمام حتى عيون الدولة يكونوا فيه. وسألوه عن زرارة، فلو أنه أطرى على زرارة ومدح زرارة لقتل زرارة. شوف شلون. لكن الظلم لا، الظلم قبيح، قبحه ذاتي. جميع صور الظلم ماذا؟ قبيحة. الكذب قبحه عقلي. وهكذا.
فمن هنا قال لأن الكذب قبيح بالضرورة، بالضرورة هو قبيح لكن قبحه قبحا شنو؟ عقليا لا ذاتيا. والله تعالى منزه عن القبح لاستحالة النقص عليه. لأن صفة الكذب صفة منقوطة. علي لو لا؟ وهي من من صفات النقص. لما واحد يقال عنه هذا صديق، يعني شنو صديق؟ مو بصيغة مبالغة أنه ما يكذب أبدا. ولما واحد يقول لا هذا اللي كذاب. ها شنو يصير؟ يصير صفة مبالغة. هذا نقص. هذا نقص. لما أن يقال أن هذا كذاب يعني مو كاذب مرة أو مرتين. شغله الكذب. هذا منقوت ومذموم. بينما ذاك لا. ذاك يقال عنه صديق. ما يمكن أن يكذب.
فما الصفة التي تجعل الإنسان ممدوحا؟ وما الصفة التي تجعل الإنسان ماذا؟ ممقوتا ومذموما. يقولون صفة الكمال هي التي تتسبب في مدح الإنسان. وصفة النقص تتسبب في ذم الإنسان. صار واضح ولا لا؟ تقول هذا عالم وهذا جاهل. إذن هذا أكمل من هذا. لماذا؟ لأن هذا اتصف بصفة العلم. وهذا؟ اتصف بصفة الجهل. أحسنت. فهذه الصفة صفة نقص وتلك الصفة صفة كمال. فالقبح صفة نقص والله عز وجل يستحيل عليه النقص.
بعبارة أوضح: الصدق صفة لابد أن تثبت لله عز وجل. تثبت في أقواله، تثبت في أفعاله. زين. والدليل على ذلك لأن الذي يقابل الصدق هو الكذب والكذب قبيح والقبح منقصة والله عز وجل كامل لا يمكن أن يوصف بمنقصة. لا يمكن أن يوصف بمنقصة. زين.
قال الشيخ الفاضل المقداد: (من صفاته الثبوتية كونه صادقا) – يعني كون الحق عز وجل صادقا – (والصدق هو الإخبار المطابق) – مطابق شنو؟ – (للواقع، والكذب هو الإخبار الغير المطابق للواقع لأنه لو لم يكن صادقا لكان كاذبا وهو باطل، لأن الكذب قبيح ضرورة، فيلزم اتصاف الباري بالقبيح وهو باطل لما يأتي. وأيضا الكذب نقص والباري تعالى منزه عن النقص). شوف، عندما يقول الفاضل المقداد من صفاته الثبوتية، قال أقول من صفاته الثبوتية كونه صادقا، والصدق هو الإخبار المطابق، والكذب هو الإخبار غير المطابق. اختلف العلماء علماء البلاغة في هذا المبحث. بعضهم قال الصدق مطابقة الكلام للواقع. والكذب مخالفة الكلام للواقع. فمثلا تقول جاء زيد من السفر وهو في الخارج فعلا جاء من السفر فهذا الكلام يكون مطابقا للواقع، فهو صادق. زين. فإذا قلت جاء زيد من السفر وهو في الخارج جاء من السفر وقلت لك جاء زيد من السفر فإخباري هذا يطابق للواقع. زيد فعلا كان مسافر وأنا قلت لك لقد جاء زيد من السفر، لقد رجع زيد من السفر واتضح بالفعل أنه قد رجع من السفر فقولي هذا ماذا؟ إخبار مطابق للواقع. وتارة زيد لم يأت من السفر. وقلت لك جاء زيد من السفر وهو في الواقع لم يأت. فهذا يكون غير مطابق للواقع. أنا قلت لقد جاء وهو لم يأت فهذا يسمى كذب.
المثالين جولوهم، علينا شغل فيهم الآن. المثال الأول عندما أقول لك جاء زيد من السفر. وبالفعل تمر على بيتهم وتشوف فعلا ايش تسأل قال والله نعم فلان جاء من السفر. هذا الكلام يكون شنو؟ مطابق للواقع. وتارة أقول جاء زيد من السفر والحال أنه لم يأت من السفر. هذا الكلام شنو؟ غير مطابق للواقع. قال بعض العلماء: الصدق مطابقة الخبر للواقع والكذب مخالفة الخبر للواقع. فهؤلاء العلماء الذي قالوا، الذين قالوا بأن الفيصل في الصدق والكذب مطابقة الواقع وعدم مطابقة الواقع، نسألهم سؤال: لو أني أخبرت بأن زيدا جاء من السفر نتيجة ارتكازي على قرائن، شلون يعني؟ أولا سمعت يقولون أن زيد سيرجع من السفر في هالليلة. وأنا مار وأشوف سيارات عند بيتهم ويدخلون الناس ويطلعون كذا زين. فسألوني هل جاء زيد من السفر؟ قلت نعم لقد جاء زيد من السفر. صار واضح ولا لا؟ أنا بنائي على أنه قد جاء من السفر بسبب شنو؟ القرائن. بناء على القرائن. ولكن اتضح في الواقع لا بأن زيد ما جاء من السفر، وإنما أبوه مسوي عزيمة وقاعد يعزم الناس، عازم الناس شيء طبيعي سيارات تصير والناس تجي وكذا، أنا فكرت بنائي على أنه لما شفت السيارات وشفت الناس تدخل وتطلع فكرت أن زيد جاء. فكرت أن زيد جاء من السفر. فلما سألوني قلت جاء زيد من السفر. زين. لكن في الحقيقة والواقع أنه لم يأت من السفر. فهل إخباري هذا يسمى صدقا أم كذبا؟ هنا صارت الغربلة عند علماء البلاغة. هل هذا يسمى صدقا أو يسمى كذبا؟ يعني إخباري هذا خالف الواقع ولكن طابق الاعتقاد. أنا ما كذبت، أنا اعتقدت أنه جاء باعتبار شفت سيارات وأشوف ناس تدخل وناس تطلع، ها، فأنا فكرت فعلا أنه قد جاء زيد من السفر. وش دراك؟ قلت والله سيارات اكو ما شاء الله سيارات عند بيتهم وناس تدخل وناس تطلع. زين. في هي الحالة لما أن يكون في الواقع أن زيد لم يأت من السفر، فإخباري يوصف بالصدق أو يوصف بالكذب؟ لأن إخباري خالف الواقع ولكن طابق الاعتقاد. فهل يكون إخباري كذبا؟ لذلك عدل بعض العلماء، علماء البلاغة، عدل بعض العلماء وقالوا الصدق مطابقة الإخبار للاعتقاد. شوف شلون. الصدق مطابقة الإخبار للاعتقاد والكذب مخالفة الكلام للاعتقاد. هذه العبارة شويه أنسب تكون، مو صحيح؟ وقد يكون بالعكس. عندي علم بأن زيدا لم يأت. وجئت لك وقلت جاء زيد من السفر وهو في الواقع جاء من السفر ولكن حسب اعتقادي أنه لم يأت. فهل يسمى هذا الخبر صادق أو كاذب؟ يعني بعد مشكلة. إذا نظرنا إلى الواقع فزيد قد جاء بالفعل من السفر. حصل تذكرة وجاء بسرعة. لكن أنا لما سألوني أنا كنت ويا زيد، كنت ويا زيد. أنا حصلت تذكرة زين ورجعت. وهو حصل تذكرة بعدي. علي لو لا؟ لكن لما رجعت وكذا صار له شانس ورجع. فأنا سألوني هل رجع زيد؟ قلت لهم لا ما رجع زيد. وإذا بعدين زيد موجود. شلون أنت تقول لنا ما رجع زيد وزيد اكو موجود؟ فأنا أخبرت حسب اعتقادي. أخبرت حسب اعتقادي. فإذا نظرنا إلى الواقع فزيد قد جاء بالفعل من السفر. وإخباري خالف الواقع، ولكن ما خالف اعتقادي. اعتقادي أنا معتقد فعلا انه ما جاء. بعد هو حصل تذكرة وانا ما ادري، حصل تذكرة وطلع شيء آخر. ولذلك في تعريف العلماء بالصدق والكذب هل هو مطابقة الكلام للواقع أو مطابقة الكلام للاعتقاد؟ وهل مخالفة الكذب الواقع أو مخالفة الكلام للاعتقاد؟ هكذا وقع الاختلاف وهذا طبعا احنا ذكرناه لكم من باب الفائدة حتى يكون عندكم سعة وإدراك في كيفية التعامل مع مثل هذه الأمور.
فعبارة العلامة تذكر دليلين على صدق الله عز وجل. لا يمكن أن يوصف بالكذب لأن الكذب قبيح والله لا يوصف بالقبيح. فهذا الدليل الأول أن الله سبحانه وتعالى صادق لأن الكذب نقص والله تعالى لا يوصف بالنقص. فهذا الدليل الثاني أن الله لا يوصف بنقص هذا هو الدليل الثاني. ويمكن أن يجتمعا ويكونان دليلا واحدا ويمكن أن يفترقا فيكونان عبارة عن دليلين. انتهى الكلام حول الصفات الثبوتية للباري عز وجل ونتوقف عند الفصل الثالث وهو الذي يتكلم عن الصفات السلبية وفيه سبع من الخصال. فيه سبع من الخصال وفيه سبع من الصفات. وتكون الصفة الأولى أنه تعالى ليس بمركب وإلا لكان مفتقرا إلى أجزائه والمفتقر ممكن، يأتي عليه الكلام إن شاء الله. وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.