عنوان الدرس:

شرح الباب الحادي عشر - 1

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: شرح الباب الحادي عشر - دورة 1446هـ
تسلسل الدرس 1
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح كتاب الباب الحادي عشر – المقدمات

نشرع إن شاء الله في هذا اليوم في كتاب (الباب الحادي عشر) للعلامة الحلي، مع شرحه للفاضل المقداد بن عبد الله السيوري. وكما جرت العادة أنه نقرأ الفاتحة إلى المصنف عند الشروع في أي كتاب من الكتب.

المقدمات الأربع لعلم الكلام

بالنسبة إلى الأبحاث التي سوف نتناولها إن شاء الله في هذا الكتاب هي أبحاث يعبر عنها بعلم الكلام. وللدخول في علم الكلام مقدمات أربع لابد لطالب العلم من الاطلاع عليها. وهذه المقدمات الأربع التي لابد للطالب من الاطلاع عليها قبل الشروع في مثل هذا الكتاب وفي مثل هذه الأبحاث العميقة في علم الكلام، لابد لكل طالب علم أن يقف عليها.

المقدمة الأولى: كيف تكون علم الكلام؟

عندما نتكلم عن المقدمة الأولى وهي المقدمة التي تتكلم عن كيف تكون علم الكلام؛ في واقع الأمر في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان المسلمون في حاجة إلى علم الكلام. لماذا؟ لأنهم يرجعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، فيسألونه في بيان العقيدة وفي كل مشكلة تتعلق بالعقيدة، سواء فيما يتعلق بوجود الله سبحانه وتعالى بوجود الخالق، أو بوحدانية الخالق، أو بعدل الخالق، أو بالنبوة، أو بالمعاد، كل ذلك يرجعون فيه إلى النبي (صلى الله عليه وآله). فلم يكن في حاجة عندهم لعلم الكلام.

لكن بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) وقعت فتنة بين المسلمين. وقعت فتنة بين المسلمين كما هو معلوم وافترق المسلمون عدة فرق. وعندما بدأ الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام وإلى بلاد العراق وغيرها من البلدان، صار هناك انفتاح على ما عندهم من ثقافات وعلى ما عندهم من مذاهب متعددة، فكان هناك النصرانية، وكان هناك اليهودية، وكان هناك المجوسية.

هذه المذاهب وهذه الديانات صار عند المسلمين تساؤلات كثيرة من خلال اطلاعهم على ما عند هذه الديانات من أمور تتعلق بالعقيدة، من أمور تتعلق بالله، من أمور تتعلق بالمعاد، وهكذا. فصار لدى المسلمين تساؤلات كثيرة تتعلق بالله سبحانه وتعالى، تتعلق بيوم القيامة، تتعلق بحقيقة النبوة، تتعلق بعدل الله عز وجل، مما أثير ضجة عقائدية بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وبين الديانات الأخرى والطوائف الأخرى. فتصدى مجموعة من أهل العلم للرد على تلك الشبهات وللرد على تلك المقالات.

ولكن مع شديد الأسف أن بعض هؤلاء الذين تصدوا للرد على تلك الشبهات لم يرجعوا إلى أهل البيت (سلام الله تعالى عليهم أجمعين) في مثل تلك الشبهات من أجل أن يدافعوا عن عقيدة الإسلام، وإنما رجعوا إلى الكتاب العزيز القرآن الكريم بما يفهمون، ورجعوا لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) بما يدركون، ولم يلجأوا إلى المعصوم في فهم الأخطاء، فتعددت الطوائف وتعددت المذاهب وبهذا السبب -أي بسبب عدم رجوع القوم للأئمة (سلام الله تعالى عليهم)- وقعوا في الأخطاء الذريعة وفي الملابسات الشديدة في مجال العقيدة. ولكن أهل البيت (سلام الله تعالى عليهم) لم يتركوا الحبل على الغارب، وإنما استطاع الأئمة (سلام الله تعالى عليهم) أن يحافظوا على الهوية الإسلامية وعلى العقيدة الإسلامية الصحيحة فخالفوا عموم المسلمين في موارد وصاروا باتفاق معهم في موارد أخرى، فمن هنا تأسس علم الكلام.

المقدمة الثانية: ما هو علم الكلام؟

هذا علم الكلام ما المراد منه؟ طبعا علم الكلام علم إسلامي مستحدث، لأنه في صدر الإسلام ما كان عندنا علم كلام، ولكن بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) وفتوحات صار عندنا علم كلام وأصبح هذا العلم من العلوم المستحدثة.

مر عليكم أنه في كل علم لابد وأن يتعلم الطالب تعريف ذلك العلم، ومر عليكم في المنطق أن التعريف يجب أن يكون جامعاً مانعاً. فلا بأس أن نتعرف على بعض التعريفات القديم منها والحديث لتتضح لنا المعلومات المتعلقة بعلم الكلام.

1. تعريف القاضي عضد الدين الإيجي

قال: “علم الكلام هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية لإيراد الحجج ودفع الشبهة”.

2. تعريف السيد علي القزويني

وهو من علمائنا القدامى وعنده حاشية على القوانين وحاشية على المعالم، وفي حاشيته على كتاب (معالم الدين) عرف علم الكلام بتعريف، قال: “علم الكلام هو العلم الباحث في أحوال المبدأ والمعاد، والباحث عن الصانع وما يصح عليه وما لا يصح عليه”. يعني ما يصح لله عز وجل مثل صفاته الثبوتية، وما لا يصح عليه مثل الصفات السلبية.

3. تعريف الشيخ عبد الرسول الغفار (التعريف المختار)

عرفه في كتابه (الكليني والكافي) تعريفاً جيداً، ولعله من أفضل ما عرف به علم الكلام. قال: “هو العلم الذي يبحث عن أصول العقائد المذهبية مستعيناً بالأدلة العقلية والنقلية، خلوصاً من العقائد الكافرة الضالة والتزاماً بالعقيدة الحقة”.

على ضوء هذا التعريف نجد على أن الهدف من علم الكلام هو أمران: الهدف الأول هو أن أثبت عقيدتي وأعمل بها، والهدف الثاني أفسد العقائد الكافرة والعقائد الضالة وأمنع من العمل بها.

المقدمة الثالثة: لماذا سمي علم الكلام بعلم الكلام؟

بعض العلماء قال سمي علم الكلام بعلم الكلام لأن الذي يدخل فيه ويدخل به لابد أن يكون متكلماً، وإذا لم يكن متكلماً لا يستطيع مواجهة الخصم. فعلم الكلام يحتاج إلى المتكلم، فمن هنا سمي بعلم الكلام. وكذلك لابد أن يكون عنده منطق وعنده استدلال وعنده بحث، لا يدخل وهو خالي الوفاق. ولابد أن يكون عنده بحث، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه. ربما عالم كبير لكن لم يكن متخصصاً في مجال العقيدة، ليس عنده الآلية التي يمكنه أن يتكلم بها، فهو ليس من المتكلمين.

بعض العلماء قال سمي علم الكلام بعلم الكلام لأن أول مسألة وقع فيها الجدال ووقع فيها الخلاف وأصبحت فيها مشكلة كبيرة هي مسألة كلام الباري (عز وجل) القرآن العزيز: “هل هو قديم أم حادث؟”. أو أن الله سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه الكريم: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا). اليهود يفتخرون على المسلمين بهذا ويقولون نحن نبينا كلمه الله تكليماً، وليس عندكم دليل من القرآن بأن الله عز وجل قد كلم نبيكم محمد (صلى الله عليه وآله) تكليماً. فبدأ النقاش بين المسلمين وبين اليهود في معنى أن الله قد تكلم مع موسى، كيف تكلم مع موسى (عليه السلام)؟ هل تكلم بذاته أو من وراء حجاب؟ فأول مسألة وقع فيها الكلام هي مسألة كلام الباري عز وجل، فسمي هذا العلم بعلم الكلام.

المقدمة الرابعة: من هم المتكلمون؟

من هم الذين اشتهروا وعرفوا من المتكلمين في تاريخ الإسلام؟ ومن المسلمين من هم أسبق، السنة أم الشيعة؟ فأول متكلم إن كان من السنة فالسنة أسبق، وإن كان أول متكلم في علم الكلام من الشيعة فالشيعة أسبق.

العامة يدعون على لسان جلال الدين السيوطي، يقولون بأن أول من تكلم بعلم الكلام هو (أبو حذيفة) وهو واصل بن عطاء المعتزلي. لكن في الحقيقة بعد مراجعة المصادر والكتب التاريخية وبعد البحث المعمق نجد أنهم على خطأ، نجد أن أول من تكلم في الإسلام بعلم الكلام هو أبو هاشم محمد بن الإمام أمير المؤمنين، هو أول من تكلم بعلم الكلام، وقد سبق زمانه زمان واصل.

وأول من صنف في علم الكلام هم الشيعة قبل أن يصنف السنة في ذلك. وأول من صنف في علم الكلام هو رجل شيعي وهو المعروف بـ (عيسى بن روضة) وهو من التابعين وكان مولى لبني هاشم. ومن أراد أن يراجع تقدم الشيعة على غيرهم في علم الكلام فعليه أن يراجع كتاب (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) وهو من تأليف السيد حسن الصدر (رحمه الله).

ويرد السيد حسن الصدر على الجاحظ الذي يقول أول من تكلم في الإمامة هو (الكميت بن زيد)، قال السيد: “كلا، أول من ناقش في الإمامة هو أبو ذر الغفاري”. ناقش في الإمامة عندما كان في المدينة، وناقش في الإمامة وهو بمكة، وناقش في الإمامة وهو في الشام في جبل عامل، وكذلك في دمشق.

ويذكر السيد حسن الصدر (عليه الرحمة) أشهر علماء الكلام عند الشيعة الإمامية، أولهم: أبو ذر الغفاري، الثاني: الكميت بن زيد، الثالث: علي بن إسماعيل بن ميثم التمار (وله كتاب الإمامة وكتاب الاستحقاق)، الرابع: خالد بن سعيد بن العاص، الخامس: صعصعة بن صوحان، السادس: ميثم بن يحيى التمار، السابع: كميل بن زياد، والثامن: أويس القرني… وذكر أكثر من عشرين اسماً منهم آل نوبخت. وكذلك ذكر هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق (أبو جعفر الأحول)، وقيس الماصر.

وفي بعض الروايات الواردة عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) تقول: دخل على الإمام (سلام الله عليه) إنسان صاحب شبهات في العقائد، فقال الإمام: “من عندنا من المتكلمين يناقش هذا؟” فقالوا له: ها هو زرارة، وهشام بن الحكم موجود، وقيس الماصر موجود. قال: “عليك بهذا” -وأشار إلى قيس- “هذا أشدهم كلاماً”. يقول الإمام: “منطقه أقوى”، فناقشه قيس والإمام جالس.

ومن المتكلمين الأعاظم العلامة الحلي، وله أبحاث معمقة وطويلة في علم الكلام، أكثر من 25 كتاباً. وأشهر كتب العلامة في علم الكلام: (نهاية المرام في علم الكلام)، (منهاج اليقين في أصول الدين)، (نهج المسترشدين في أصول الدين)، (نهج الحق وكشف الصدق)، (منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)، وكتاب (الألفين في إثبات إمامة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام) فإنه ذكر ألف دليل على إمامة الإمام.

ومن ضمن ما كتبه العلامة الحلي هو الباب الحادي عشر. وقد شرح هذا الكتاب الشيخ الفاضل المقداد السيوري الغروي، وهو الذي نقل الحركة العلمية من الحلة إلى النجف الأشرف بعد وفاة الشيخ الطوسي وانتقال الحركة، ثم عادت على يديه.

التمرير إلى الأعلى