شرح أحكام النية وتكبيرة الإحرام
أحكام النية وركنيتها
شرعنا في الدرس السابق في بيان أحكام النية، وذكرنا ما يتعلق بالإخلاص والرياء والعُجب، وهنا يكمل المصنف الأحكام الفقهية المتعلقة بها، حيث قال: (وهي من الأركان، فتبطل الصلاة بنقصانها). إن النية ركن، وإذا كانت ركناً فتبطل الصلاة بالنقصان، والمقصود بالنقصان هنا هو ترك النية، ولو كان ذلك عن سهو. (ومعنى النية: أن يقصد المكلف عنوان عمله قاصداً به التقرب إلى الله تعالى). فلو أتى المكلف بالعمل لا بقصد القربة، كأن يكون مرائياً، فالعمل باطل، أو أتى به مع قصد القربة ولكن ضم إليه ضميم، وهذه الضميمة قد تكون مبطلة، وقد بيّنا تفاصيل ذلك سابقاً.
استدامة النية: الحقيقية والحكمية
ومما يعتبر في النية: (ويعتبر في النية استمرارها). وهنا مسألة مهمة وهي الاستدامة، وهي على قسمين: استدامة حقيقية واستدامة حكمية. الاستدامة الحقيقية تعني أن يكون المصلي في كل لحظة من لحظات الصلاة مستحضراً للنية وللقربة، وهذا أمر عسير ولا يتحقق إلا عند الأوحدي من الناس، كالأئمة المعصومين (عليهم السلام). ولذا لم يقل الفقهاء بوجوب الاستدامة الحقيقية، وإلا لما صحت صلاة أحد.
أما الاستدامة الحكمية، فهي التي تصح بها الصلاة، ومعناها أن النية تكون مرتكزة في النفس، بحيث لو نُبّه المصلي لانتبه. ومثال ذلك: الطالب الجالس في الصف، قد يذهب ذهنه بعيداً، ولكن لو سُئل: ماذا تفعل؟ لأجاب فوراً: أنا في الدرس. فهذا يسمى استدامة حكمية، وهي نية ارتكازية، بحيث لو نُبّه لانتبه، وهذا المقدار كافٍ في صحة الصلاة، ويُعتبر استمراراً للنية.
حكم التردد وقطع النية
ثم ينتقل المصنف لبيان حكم من تردد في النية أثناء الصلاة، فقال: (إذا تردد المصلي في إتمام صلاته)، أي صار عنده قطع للاستمرار، فما هو الحكم؟ (أو عزم على القطع)، كمن قال سأبطل صلاتي لأفتح الباب مثلاً، (أو نوى القطع ولم يأتِ بمبطلٍ آخر، جاز له الرجوع إلى نيته الأولى وإتمام صلاته).
توضيح ذلك: لو أن المصلي تردد أو نوى القطع، ولكنه لم يفعل شيئاً ينافي الصلاة، ولم يأتِ بمبطل، ثم عاد إلى نيته الأولى، فصلاته صحيحة. وهذا يسمى التردد أو القطع في (الآنات المتخللة) بين الأجزاء، أي نوى القطع وهو واقف ساكت لم يقرأ ولم يركع بتلك النية الفاسدة، ثم عاد للنية الصحيحة وأكمل، فصلاته صحيحة. أما لو أتى بجزء من أجزاء الصلاة (كالقراءة أو الركوع) وهو شاك أو ناوٍ للقطع، هنا تبطل الصلاة، لأنه أدى جزءاً بلا نية قربة معتبرة.
ومثال ذلك: لو نوى قطع الصلاة لفتح الباب، ثم فُتح الباب وحده، فرجع لنيته وأكمل، فصلاته صحيحة ما لم يأتِ بجزء أثناء نية القطع. أما (إذا شك في النية وهو في الصلاة، فإن علم بنيته فعلاً) أي تذكر أنه نوى، (وكان شكه في الأجزاء السابقة مضى في صلاته)، وتصح صلاته.
أحكام تكبيرة الإحرام
انتقل المصنف بعد ذلك إلى الركن الثاني، فقال: (تكبيرة الإحرام، وهي أيضاً من الأركان). فتبطل الصلاة بنقصانها عمداً وسهواً، وكذلك بزيادتها العمدية، والمشهور بطلانها بالزيادة السهو أيضاً.
أما صيغتها، فيجب أن تكون: (الله أكبر)، ولا يجزئ غيرها، فلا يصح قول “الله الأكبر” ولا “الله الجليل”، ولا يجوز وصلها بما قبلها بحيث تسقط همزة الوصل في لفظ الجلالة، والأحوط عدم وصلها بما بعدها من الاستعاذة أو البسملة للحفاظ على تفخيم الراء وحركتها.
أحكام خاصة في التكبير
ذكر المصنف مسائل دقيقة في اللفظ، فلو قال المكلف “الله أكبار” بإشباع الفتحة حتى تولد ألفاً، فهذا باطل ومغير للمعنى. والواجب في التكبيرة: (أن يقول: الله أكبر) على هيئتها الصحيحة من مادة الكاف والباء والراء، ولا يضيف وصفاً آخر كقوله “الله أكبر من كل شيء”، بل يقتصر على الصيغة الواردة.
وفي حال العجز، قال: (يجب تعلم التكبيرة، فإن ضاق الوقت عن تعلم كبر هذا المصلي بما أمكنه)، حتى وإن كان غلطاً إذا عجز عن التعلم، ومع عدم التمكن يلقنه غيره أو يترجمها.
حكم الأخرس والقيام
أما الأخرس، فحكمه خاص، قال: (والأخرس يأتي بالتكبيرة كما يأتي بسائر الكلمات ويشير إليها أيضاً). فالأخرس يعقد قلبه بمعناها ويشير بإصبعه عند التكبير مع تحريك لسانه إن أمكن.
وأخيراً، مما يشترط في تكبيرة الإحرام: (يعتبر في تكبيرة الإحرام: القيام، والاستقرار). فالقيام ركن حال التكبير، فلو كبر وهو جالس (لغير العاجز) أو هو يهوي للركوع، بطلت صلاته، وكذلك يجب الاستقرار أي عدم الحركة أثناء أدائها، والأحوط رعاية الاستقلال، أي لا يتكئ على شيء حال التكبير مع الإمكان.