شرح أحكام المياه وأقسامها في كتاب الطهارة
مقدمة في المطهرات
بدأنا بفضل الله تعالى في مبحث المطهرات بعد الانتهاء من بحث النجاسات. والمطهرات هي أمور طاهرة في نفسها ومطهرة لغيرها، وتستخدم لتطهير المتنجسات. والأصل في المطهرات أنها تطهر المتنجسات، وهناك تفصيلات حول تطهير الأعيان النجسة سيأتي بيانها.
(اللهم صل على محمد وآل محمد).
أقسام الماء المطلق
شرع المصنف بذكر المطهر الأول وهو الماء، فقال: (الماء المطلق). وقد تقدم الفرق بين الماء المطلق والمضاف؛ فالماء المطلق هو الذي يصح إطلاق لفظ الماء عليه من دون إضافة، وهو ينقسم إلى أقسام عدة:
- (الأول: الماء الجاري).
- (الثاني: ماء الغيث) أي المطر.
- (الثالث: ماء البئر).
- (الرابع: الراكد) وهو غير الجاري (الساكن). والراكد ينقسم بدوره إلى: (راكد كثير) وهو الكر فصاعداً، و(راكد قليل) وهو ما دون الكر.
أحكام الماء المضاف
انتقلنا إلى قوله في المسألة (156): (الماء المضاف). وتعريفه كما ذكرنا: (وهو الذي لا يصح إطلاق الماء عليه من دون إضافة، كماء العنب وماء الرمان وماء الورد). وحكمه أنه (لا يرفع حدثاً ولا خبثاً)، ومشكلته الأساسية أنه (يتنجس بمجرد ملاقاة النجاسة، ولو كان هذا الماء المضاف كثيراً).
ويستثنى من ذلك حالة الدفع، قال: (ويستثنى من ذلك ما إذا جرى من العالي إلى السافل، أو جرى من السافل إلى العالي… جرى بدفع؛ ففي مثل ذلك ينجس المقدار الملاقي للنجس فقط). مثال ذلك: لو صببت ماء مضافاً (كعصير) من إبريق على يد كافر، فالنجاسة لا تسري إلى ما في الإبريق لأنه يتدفق بقوة (بالدفع)، بل ينجس فقط الجزء الذي لاقى اليد. أما إذا كان الماء المضاف ساكناً (غير متدافع) فيتنجس كله بمجرد الملاقات حتى لو كان كراً.
تعريف وأحكام الماء الجاري
في المسألة (157) تطرقنا إلى (الماء الجاري). واشترط السيد الخوئي (قدس سره) فيه شروطاً:
- (وهو ما ينبع من الأرض) أي له مادة طبيعية.
- (ويجري في النهر ونحو النهر) أي يتوفر فيه الجريان الفعلي.
وهنا مسألة مهمة حول “ماء الإسالة” (ماء الحنفيات). عند السيد الخوئي، ماء الإسالة ليس “جارياً” بالمعنى الاصطلاحي لأنه لا ينبع من الأرض (بل يأتي من خزانات ومضخات)، ولكنه يُعامل معاملة “الكر” في التطهير. أما عند السيد السيستاني (دام ظله)، فالماء الجاري يشترط فيه وجود مادة طبيعية والجريان، وماء الإسالة يعتبر معتصماً (كالكر) ولا يشترط فيه النبع من الأرض لثبوت الاعتصام، بل يكفي اتصاله بالمادة.
الماء المعتصم والماء القليل
الماء المعتصم هو الماء الذي لا يتنجس بمجرد الملاقات، ويشمل: الماء الجاري، ماء المطر، ماء البئر، والماء الكر. أما (الماء القليل) فهو الذي ينفعل ويتنجس بمجرد ملاقاة النجاسة.
والقاعدة في الماء الجاري (والمعتصم عموماً) أنه: (لا ينجس بملاقاة النجس، وإن كان قليلاً) إلا في حالة واحدة: (إلا إذا تغير أحد أوصافه: لونه، أو طعمه، أو ريحه)، وتكون العبرة بتغير هذه الأوصاف (بأوصاف النجس) لا بأوصاف المتنجس.
تحديد مقدار الكر
تحدثنا عن تحديد “الكر” في المسألة (161). والكر يحدد إما بالوزن أو بالمساحة:
- بالوزن: بحقة الإسلامبول (280 مثقال)، يكون الكر 292 حقة ونصف. وبالكيلوغرام عند السيد الخوئي هو ما يقارب 377 كيلوغراماً (أو 384 لتراً بحسب بعض التقديرات الحديثة للسيد السيستاني).
- بالمساحة: ما بلغ مكعبه (طولاً وعرضاً وعمقاً) (سبعة وعشرين شبراً) على رأي (3×3×3)، أو (ستة وثلاثين شبراً) على رأي المشهور، والأحوط عند السيد السيستاني أن يبلغ (ثلاثة وأربعين شبراً إلا ثمن الشبر).
وخلاصة الحكم في الماء الكر والماء الجاري (وكل ماء معتصم): أنه يطهر الأشياء المتنجسة المغسولة فيه، ولا يتنجس هو إلا بالتغير في اللون أو الطعم أو الرائحة بالنجاسة المباشرة.