عنوان الدرس:

شرح أحكام المسافر: الشرط السابع (من كان عمله السفر)

اسم الأستاذ:

الشيخ عمار الخزعلي

اسم الدورة: المسائل المنتخبة - تدريس الشيخ عمار الخزعلي
تسلسل الدرس 85
تاريخ الدرس 14/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح أحكام صلاة المسافر: الشرط السابع (من كان عمله السفر)

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين (اللهم صل على محمد وآل محمد).

مفهوم “من كان عمله السفر”

وصلنا في بحث صلاة المسافر إلى الشرط السابع، ويقول المصنف في المتن: (الشرط السابع من شروط تقصير الصلاة: أن لا يكون السفر عملاً له). هذا الشرط يوضح التمايز بين حالتين؛ تارة يُقال إن الإنسان إذا سافر فإن عمله السفر، وتارة يكون عمله في السفر.

فمن كان عمله السفر هو الشخص الذي تكون مهنته نفس قطع المسافة، كالسائق (السائق عمله السفر)، فهذا هو شغله الشاغل، يذهب ويجيء، وعمله هو القيادة وقطع المسافات. أما النوع الثاني، فهو من كان عمله في السفر، أي أن السفر ليس هو العمل بحد ذاته، بل هو وسيلة للوصول إلى العمل، كالموظف الذي يقطع مسافة يومياً أو كل يومين للوصول إلى محل عمله في محافظة أخرى، أو طالب المدرسة، أو الجندي. الفقهاء يقولون: هؤلاء إذا تحقق منهم كثرة السفر في عملهم، فإنهم يتمّون الصلاة (أي يصلون تماماً ولا يقصرون)، ويرتفع عنهم حكم القصر.

ضابطة كثرة السفر عند الفقهاء

يرتفع حكم القصر عمن كان عمله السفر، أو من كان السفر مقدمة لعمله (عمله في السفر) بشرط تحقق الكثرة في حقهم، أي أن يطلق عليهم عرفاً أنهم كثيرو السفر.

1. الكثرة الفعلية والكثرة التقديرية

الكثرة تارة تكون فعلية، وتارة تكون تقديرية. الكثرة الفعلية تعني أن الشخص يسافر ويرجع كثيراً بالفعل (مثلاً يذهب ويجيء كثيراً لمدة شهر كامل). أما الكثرة التقديرية، فهي أن ينوي الشخص الاستمرار في هذا العمل الذي يقتضي السفر (مثلاً لمدة سنة)، حتى وإن كان في أيامه الأولى.

وهنا تفصيل فقهي:

  • من كان عمله السفر (كالسائق): إذا تعين في عمله (مثلاً تعين بخط خارجي)، يكفي فيه العزم والنية (الكثرة التقديرية) ليصلي تماماً من أول سفرة، بشرط أن يكون عازماً على الاستمرار. فإذا سُئل: هل ستستمر؟ قال: نعم، عندي نية الاستمرار، فهنا يتم صلاته من أول يوم. أما إذا كان متردداً أو يجرب العمل، فلا يتحقق فيه عنوان كثرة السفر التقديرية، فيجب عليه القصر في السفرات الأولى (الأولى والثانية والثالثة) حتى تتحقق الكثرة الفعلية.
  • من كان عمله في السفر (كالموظف والطبيب): هذا يختلف؛ فلو تعين طبيب في محافظة أخرى، وسيسافر إليها، هل يصلي في الطريق تماماً؟ هنا يشترط الفقهاء (لتحقق عنوان كثير السفر) الكثرة الفعلية، ولا تكفي النية المجردة. فلا بد أن يمضي عليه فترة (شهر مثلاً) يتردد فيها حتى يصدق عليه أنه اتخذ ذلك العمل مقراً، أو يصدق عليه عنوان كثير السفر.

2. الفرق بين الوطن والمقر

يجب التمييز بين الوطن والمقر. الوطن هو المكان الذي ينوي الإنسان السكن فيه على الدوام، وهذا بمجرد وصوله إليه يتم الصلاة فيه. أما المقر (مكان العمل)، فهو المكان الذي لا ينوي السكن فيه دائماً بل هو محل عمله. لكي يصدق عليه أنه مقر وتتم الصلاة فيه، يشترط السيد السيستاني (دام ظله) أن يمضي عليه شهر يجمع فيه بين القصر والتمام حتى يصدق عليه الاستقرار، أو أن يكون له نية الدوام لفترة طويلة (سنة مثلاً) مع تحقق الكثرة.

آراء العلماء في “كثير السفر”

هناك اختلاف في المباني الفقهية حول هذا الشرط:

  • مبنى السيد الخوئي (قدس سره): يشترط أمرين لتمام الصلاة: (كثرة السفر) + (أن يكون السفر عملاً له). أي “كثرة السفر في عملك”. فإذا سافر لغير عمله يقصر.
  • مبنى السيد السيستاني (دام ظله): يكتفي بـ (كثرة السفر) كعنوان مستقل، ولا يشترط أن يكون السفر عملاً. فمن صدق عليه أنه “كثير السفر” (سواء للعمل أو للزيارة أو للنزهة)، فحكمه التمام في كل أسفاره.

مثال للتوضيح: شخص من النجف يدرس في البصرة، أو يتاجر، وصار كثير السفر. عند السيد الخوئي يتم في سفر العمل، فإذا سافر سفرة خاصة للزيارة فقط يقصر. عند السيد السيستاني، بما أنه تحقق فيه وصف “كثير السفر” (يسافر 10 أيام في الشهر مثلاً)، فإنه يتم الصلاة أينما سافر، سواء للعمل أو للزيارة، حتى لو سافر إلى دولة أخرى، ما دامت صفة “كثرة السفر” ملازمة له.

زوال حكم كثرة السفر

متى تزول صفة “كثير السفر”؟ تزول بترك العمل، أو بالإعراض عنه، أو بقلة السفر بحيث لا يصدق عليه العرف أنه كثير السفر (مثلاً يسافر 4 أيام فقط في الشهر). الضابطة عند السيد السيستاني هي:

  • إذا سافر 10 أيام فأكثر في الشهر: يتم الصلاة (كثير السفر).
  • إذا سافر 8 أو 9 أيام: يحتاط بالجمع بين القصر والتمام.
  • إذا سافر 7 أيام فما دون: يقصر (ليس كثير السفر).

أمثلة تطبيقية ذكرها المصنف

ذكر المصنف أمثلة لمن عمله السفر، قال: (فلا يجوز التقصير للمكاري) وهو الذي يكري دابته أو سيارته لغيره ويذهب معها، (والملاح) صاحب السفينة، (والسائق)، (وكذلك من يدور في تجارته) أي التاجر المتجول الذي لا يستقر في مكان، ونحوهم كالراعي وساعي البريد.

(نعم، إذا سافر أحد هؤلاء في غير عمله): عند السيد الخوئي (وجب عليه التقصير) لأنه اشترط العمل. أما عند من يرى أن المدار على كثرة السفر مطلقاً (كالسيد السيستاني)، فإنه يتم ما دام وصف الكثرة متحققاً، إلا إذا توقف صدق العنوان.

 

التمرير إلى الأعلى