شرح أحكام الجبيرة في الوضوء والغسل
بسم الله الرحمن الرحيم، (وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين).
استيعاب الجبيرة للعضو
(مسألة 130: إذا كان تمام الوجه أو إحدى اليدين مجبراً).
في المسائل السابقة كان الحديث عما إذا كان بعض العضو مجبراً، فالحكم هو المسح على الجبيرة وغسل الباقي. أما السؤال الجديد هنا: لو فرضنا أن عضواً من أعضاء الوضوء (الوجه، اليد اليمنى، اليد اليسرى) كان مجبراً بكامله، فما هو الحكم؟
يقول المصنف: (فالأحوط الجمع بين الوضوء والمسح على الجبيرة وبين التيمم). أي إذا كان العضو كله مجبراً، فلا يوجد موضع لغسله، بل يمسح على الجبيرة فقط، فالأحوط وجوباً عند السيد الخوئي الجمع بين الوضوء الجبيري (بالمسح على كل الجبيرة) وبين التيمم. بينما يرى السيد السيستاني أن الوضوء الجبيري يكفي ولا حاجة للتيمم، لكن الاحتياط مستحب.
الجبيرة في باطن الكف ومسح الرأس والقدمين
(مسألة 131: إذا كانت الجبيرة في باطن الكف).
هنا نواجه إشكالاً في كيفية مسح الرأس والقدمين، لأن المسح يشترط أن يكون ببلة اليد المتبقية من الوضوء. فإذا كان باطن الكف مغطى بالجبيرة، فكيف نمسح؟ وهل نمسح بالجبيرة نفسها؟
يقول المصنف: (مستوعبة لها ومسح المتوضئ عليها بدلاً عن غسل العضو، فاللازم أن يمسح رأسه ورجليه بهذه الرطوبة لا برطوبة خارجية). أي يجب الحفاظ على البللة الموجودة على نفس الجبيرة (التي مسحنا عليها لإجراء الوضوء الجبيري) واستخدامها لمسح الرأس والقدمين، ولا يجوز جلب ماء جديد.
ارتفاع العذر بعد الصلاة أو قبلها
(مسألة 132: إذا توضأ مع المسح على الجبيرة وصلى، ثم ارتفع العذر).
هذا يسمى الوضوء الاضطراري. فلو أن المكلف توضأ وضوء الجبيرة وصلى، ثم شفي من مرضه أو زال العذر، فما حكم صلاته؟
يقول المصنف: (بعد خروج الوقت، لم يجب عليه قضاء تلك الصلاة بلا إشكال). أي إذا زال العذر بعد انتهاء وقت الصلاة (كأن صلى الظهر وزال العذر بعد الغروب)، فصلاته صحيحة ولا قضاء عليه. ويجوز له أن يصلي صلوات أخرى واجبة أو مستحبة بذلك الوضوء بعينه ما لم يحدث.
أما الحالة الثانية: (وأما إذا زال العذر قبل خروج الوقت، وتمكن المكلف من إعادة الصلاة مع الوضوء الاختياري) – أي الوضوء الطبيعي – فهنا يقول المصنف: (وجبت إعادتها على الأحوط). أي يجب عليه إعادة الوضوء والصلاة احتياطاً وجوبياً عند السيد الخوئي، بينما يرى السيد السيستاني عدم وجوب الإعادة إلا إذا تبين أن عذره لم يكن مستوعباً لكل الوقت.
اعتقاد الضرر وانكشاف الخلاف
(مسألة 133: إذا خاف الضرر من غسل العضو الذي فيه جرح أو نحوه، فمسح على الجبيرة وصلى).
المكلف هنا اعتقد بوجود الضرر، فتوضأ وضوء الجبيرة. (ثم انكشف – خارج الوقت – أن لم يكن فيه ضرر). أي تبين له لاحقاً أن الماء لم يكن مضراً، وكان بإمكانه الوضوء بشكل طبيعي وغسل الجرح. فما حكم صلاته؟
يقول المصنف: (فالظاهر أنه لا يجب القضاء). وذلك لأن اعتقاد الضرر عذر شرعي يبيح الانتقال للجبيرة.
أما الصورة العكسية: (وأما إذا اعتقد أن العضو فيه قرح أو جرح أو كسر، فصلى مع الوضوء عن جبيرة، ثم انكشف بعد خروج الوقت سلامة العضو). هنا لم يكن هناك جرح أصلاً، بل توهم وجود كسر أو جرح وتوضأ جبيرياً، ثم تبين أن يده سليمة. يقول المصنف: (فالظاهر وجوب القضاء)، لأن وضوءه كان باطلاً من الأساس لعدم وجود مسوغ شرعي (لا جرح ولا كسر حقيقي).
أحكام الجبيرة في الغسل
(مسألة 134: يجري حكم الجبيرة في الأغسال).
كما يوجد وضوء جبيري، يوجد غسل جبيري. القواعد التي طبقت في الوضوء تجري هنا، لكن مع فارق في التفاصيل.
فإن كان المانع قرحاً أو جرحاً وكان المحل (مجبوراً)، تعين عليه الاغتسال مع المسح على الجبيرة. وإن كان (مكشوفاً)، تخير المكلف بين الغسل (مع غسل ما حول الجرح) وبين التيمم.
وإذا اختار الغسل فالأحوط استحباباً وضع خرقة على الجرح والمسح عليها. أما إذا كان المانع (كسراً)، فإن كان مجبوراً تعين الاغتسال مع المسح على الجبيرة، وإن كان مكشوفاً تعين عليه التيمم.
توضيح حول الأحكام التكليفية الخمسة
ختاماً، تم التطرق إلى الأحكام الخمسة في الفقه (الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة). ومحل الشاهد هو مصطلح “الإباحة”، حيث تطلق بإطلاقين:
- الإباحة بالمعنى الأخص: وهي تساوي استواء الطرفين (لا ثواب ولا عقاب، لا في الفعل ولا في الترك)، كشرب الماء في غير وقت الحاجة.
- الإباحة بالمعنى الأعم: وهي ما ليس بحرام، فتشمل (الواجب، والمستحب، والمكروه، والمباح بالمعنى الأخص)، لأن كل هذه الأقسام تشترك في كونها “مباحة الفعل” أي غير محرمة.