ضوابط وماهية الشعيرة الحسينية
لا زال الكلام مستمراً في تحديد ماهية الشعيرة، وقد ذكرنا بأن المدار في ذلك هو ملاحظة عناصر ثلاثة أساسية لابد من توفرها؛ لكي يتصف العمل بكونه شعيرة مشروعة ومقبولة.
العنصر الأول: الانسجام مع المنظومة الشرعية
يشترط في الشعيرة أن تكون منسجمة مع تمام المنظومة الشرعية والدينية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وإلا كانت مخالفة لها، وهنا يرد التساؤل: هل يوافق الشارع المقدس على أي عمل يُنسب إليه؟
معيارية العمل الشرعي
حتى يكون العمل منسجماً مع المنظومة الدينية، لابد وأن يكون العمل شرعياً، وحتى يكون العمل شرعياً لابد أن تتوفر فيه شروط، أهمها: (موافقته للجانب الشرعي). بمعنى أنه لا يمكن أن يصدق على عمل ما أنه عمل شرعي وهو غير موافق للشريعة السمحاء، حتى وإن كانت النية سليمة.
وهنا نلفت إلى نقطة مهمة مستفادة من الآية القرآنية في دعاء نبي الله سليمان أو إبراهيم (على نبينا وآله وعليهما السلام): (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ). نلاحظ في الاستدلال بهذه الآية وجود قيدين معتبرين في العمل:
- القيد الأول: أن يكون العمل صالحاً في ذاته.
- القيد الثاني: أن يكون العمل مرضياً عند الله سبحانه وتعالى.
فما لم يكن العمل مرضياً عند الله سبحانه وتعالى، لا يكون عملاً شرعياً، وبالتالي لا يكون موافقاً للمنظومة الدينية. وهذا يعني أنه ليس كل عمل نعتقده نحن صالحاً يكون بالضرورة مرضياً عند الله عز وجل. فالعمل الصالح الحقيقي هو الذي يقترن برضا المولى سبحانه.
تطبيق المعيار على الممارسات المستحدثة
قد يلجأ البعض إلى ممارسات بدافع التواضع أو الحب لأهل البيت (عليهم السلام)، كمن يصف نفسه بـ (كلب آل البيت). هنا لابد من التوقف؛ هل هذا العمل، وإن اعتبره فاعله تواضعاً، يُعد عملاً صالحاً ومرضياً عند الله؟ الشارع المقدس كرم الإنسان، وحفظ كرامته، فهل يُتصور أن يرضى الله عن عمل فيه امتهان للنفس البشرية تحت مسمى الولاء؟
إن الشك في كون عمل ما مرضياً لله عز وجل يكفي للتوقف عنه، حذراً من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. فالاحتياط يقتضي ترك العمل الذي لا نحرز رضى الله فيه، ولا يصح نسبته للشعيرة الدينية.
العنصر الثاني: ملاحظة المصالح العامة
لابد من ملاحظة المصالح العامة في العمل المأتي به، حتى ينطبق عليه عنوان الموافقة للمنظومة الدينية. يقول الله سبحانه وتعالى: (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ). وهذا يعني أن العمل لابد أن يترك أثراً إيجابياً، وأن ينتفع به الناس، وأن لا يوجب ضرراً بالنفس أو المال أو السمعة، ولا يكون سبباً للوهن في الدين.
إن الإسلام في منظومته يرفض الأنانية ويعالجها، ويركز على النفع العام، كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): (خير الناس من نفع الناس).
العنصر الثالث: الاستساغة العرفية (الزمان والمكان)
يجب أن يكون العمل مستساغاً من حيث الزمان والمكان. فما كان مستساغاً ومقبولاً عرفاً في زمن سابق، قد لا يكون كذلك في زمننا الحالي. فلو لبس الناس اليوم لباساً كان معتاداً في القرون الماضية، لعد ذلك مستهجناً. كذلك الشعائر والممارسات، يجب أن تلاحظ الظرف الزماني والمكاني، وأن لا تكون موجبة للإضرار أو الاستهجان العقلائي، وأن تكون منسجمة مع الأهداف الحسينية التي خرج الإمام (عليه السلام) لأجلها.