ضابط الشعيرة الدينية ومنافاة الإذلال للكرامة الآدمية
استنباطية مفهوم الشعيرة
لا يزال الكلام في بيان ضابطة الشعيرة الدينية، ومن ثم الشعيرة الحسينية. وقد أشار الأستاذ فيما مضى إلى نقطة مهمة، وهي أن ظاهر الحال أن الشعيرة من الموضوعات المستنبطة، وليست الشعيرة من الموضوعات الشرعية ولا الموضوعات العرفية، وقد أشار إلى الداعي إلى البناء على كون الشعيرة موضوعاً مستنبطاً وليس موضوعاً عرفياً أو شرعياً.
وقد فات الأستاذ وأكد عليه في البحث الماضي أن الموضوع المستنبط ليس منحصراً في خصوص ما يستفاد من الأدلة الشرعية، بل قد يكون الموضوع المستنبط من كلمات أهل اللغة؛ فنرجع إلى مراجعة كلمات اللغويين في بيان حقيقةٍ ما، ومن خلال ملاحظة ما ذكروه حول تلك الحقيقة نستنبط نتيجة معينة، وقد يكون الاستنباط من خلال ملاحظة الأدلة الشرعية.
من الثاني على سبيل المثال: حقيقة الغناء؛ فلو جئنا هل أن الغناء عبارة عن مد الصوت؟ أو أن الغناء عبارة عن الترجيع؟ أو أن الغناء عبارة عن تنعيم الصوت؟ أو ما شابه. قد لا نجد لواحد من هذه الأمور مجالاً لجعله حقيقة للغناء، بل إن تعريف الغناء بأنه الترجيع تعريف للشيء بلازمه؛ إذ أن الغناء لا ينفك عن الترجيع كما ذكرنا في محله، ولذا ستكون حقيقة الغناء مستنبطة.
نرجع إلى الروايات الموجودة بأيدينا، ماذا كان يفعل في بلاط الخليفة؟ وما هو الغناء الذي كان يغنى في بلاط الخليفة؟ يستنبط الفقيه ما كان مناسباً لمجالس الفسوق والعصيان، أو ما كان مناسباً لمجالس اللهو واللعب إلى آخره، وهكذا. وقد يكون حقيقة مستنبطة من خلال ملاحظة المعاني اللغوية. كيفما كان، يمكن أن نرر بأن الشعيرة من الموضوعات المستنبطة والتي يستفاد حقيقتها من خلال ملاحظة الأدلة، فنخرج إلى أن الشعيرة ما كانت منطوية على قيود ثلاثة، فكل ما كان مشتملاً على هذه القيود مجتمعة عبرنا عنه بأنه شعيرة دينية وحسينية، وما كان فاقداً لشيء من هذه القيود الثلاثة يصعب البناء على شعيريته.
القيود المعتبرة في الشعيرة
القيد الأول: الانسجام مع المنظومة الشرعية
ما هي القيود؟ القيد الأول -وسنتكلم عن الشعيرة الدينية ومن ثم الحسينية-: أن يكون العمل الصادر منسجماً مع تمام المنظومة الشرعية والدينية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). أنتم عندكم دعوة ما تعبرون عنه بروح الشريعة، هناك عناصر أربعة تقوم عليها روح الشريعة الإسلامية، مثلاً: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، ومثلاً: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
هذه نقط يعبر عنها بأنها روح الشريعة، بحيث أن جميع تعاليم الشريعة الإسلامية وأحكامها تدور مدار هذه العناصر الأربعة المذكورة، فما لو وجدنا حكماً أو تعليماً منافياً لواحد من هذه الأربعة كان ذلك مانعاً من ترتيب الأثر.
تطبيق القيد على الكرامة الإنسانية
فلنقف مع الكرامة، كرامة الإنسان وصونه، فلا يمكن أن نسم عملاً من الأعمال بأنه شعيرة دينية، بأنه شعيرة حسينية إذا كان منافياً للكرامة الإنسانية، إذا كان منافياً لصون الإنسان وكرامته.
مثلاً: لو أنني أنا أردت أن أستحدث كرامة -وهي شائنة- بأن يربط الإنسان في عنقه، وأن يحبو على يديه وقدميه، وأن يدلع لسانه بهيئة -أجلكم الله- الكلب الذي يلهث، وأن يعوي بين فينة وأخرى، بهذه الكيفية، على أساس أنه “كلب الحسين (عليه السلام)” أو “كلب آل محمد” الباسط ذراعيه، أو ما شابه! فهل يمكن عد ذلك شعيرة؟
قد يعترض البعض بأننا في طريق المشاية نرى قطيعاً -أجلكم الله- من الكلاب بهذه الكيفية مربطة بالحبال في أعناقها تزحف على قدميها ورجليها قد دلعت لسانها تلهث وتعوي بين فترة وأخرى، وتسمي نفسها “كلاب الحسين”، موكب كلاب الحسين! هذا يتنافى والكرامة الإنسانية، أو ينسجم والكرامة الإنسانية؟
إذا كان ينسجم والكرامة الإنسانية إذن هذا الشرط الأول متحقق؛ لأنه سيكون متوافقاً تماماً مع المنظومة الشرعية والدينية. أما لو قلنا: لا، هذا لا ينسجم مع المنظومة الدينية والشرعية لكونه يتنافى والكرامة الإنسانية؛ أقلاً لو بنينا على أن قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) يفيد تكريماً تكوينياً، ومعنى التكريم التكويني: خلقناه في أحسن تقويم، يعني خلقناه قائماً على قدميه يسير على قدميه في أحسن وأجمل صورة، وهذا يتنافى والتكريم التكويني، إذن سيكون منافياً للمنظومة الدينية والشرعية فينتفي الشرط الأول.
مناقشة الاعتراضات حول “إذلال النفس”
قد يثار تساؤل: هل يمكن الرجوع إلى ضابطة تحل هذا الخلاف؟ نحن في قبال أهل البيت (عليهم السلام) لا شيء، لا يقاس بآل محمد (عليهم السلام) شيء، والبعض يعتبر هذا قمة التواضع والذوبان.
والجواب: أولاً عندما نقول “نحن وآل بيت العصمة (عليهم السلام) لا شيء”، ماذا يقصد؟ لا يقاس بآل محمد (عليهم السلام) شيء، ولكن هل المقصود أن آل محمد (عليهم السلام) مخلوقات خارجة عن حدود البعد البشري؟ أم أنها مخلوقات بشرية؟ إن تركيز القرآن الكريم على العنصر البشري وتركيز العديد من الروايات الواردة في شأنهم (صلوات الله عليهم) على بعض التصرفات البشرية التي يمارسونها في حياتهم الاعتيادية غرضهم بيان أن آل محمد (عليهم السلام) جزء من الناس لا يختلفون عن الناس، وإنما خصوصياتهم في ملكاتهم التي تفوقوا بها على الناس بما لهم.
وإلا أنا ومحمد (صلى الله عليه وآله) سواء في البشرية، وإنما محمد (صلى الله عليه وآله) عالج هذه النفس الإنسانية فارتقى، ومحمد عظمته ببشريته، ولذلك جعل محمد أسوة. هذا إذا أنت أدنى من آل محمد (عليهم السلام) لا يعني أنك لم تصل مراتب ومدارج الكمال التي بلغوها، وليس معنى أنك أدنى من آل محمد أن يحول الإنسان نفسه إلى بهيمة!
صحيح أنا ما عندي مانع أن أكون دابة يركب عليها سيدي ولي النعمة بأبي وأمي، بس يرضى الإمام أن أجعل نفسي له دابة؟ الإمام يقول لي: تبغي ركبني على كتفك، وقم قائماً واحملني على كتفك بما يحفظ لك كرامتك، أما تسوي نفسك حمار وأنا بجي بركب عليك! ما يرضى الإمام.
لا يقال أن هذه المسألة تخضع للذوق، هذا ليس ذوقاً، ولا يصح القول “عبد من عبيد آل محمد” بهذا المعنى المذل. نعم علي (عليه السلام) يقول هذا الكلام، علي قال: “إنما أنا عبد من عبيد محمد”، لكن هل يقبل الإمام أو النبي أن أجعل نفسي له حماراً يركب ظهره؟ الإمام يقول لي: احملني على كتفك وأنت قائم على قدميك بما يحفظ لك كرامتك الإنسانية في أقل صورها.
هذه ليست مسألة ذوقية، هذه الدعوى تتنافى والكرامة الإنسانية، لأن هذا يجعل الإنسان فاقداً لإنسانيته، وهذا لا ينسجم. هذا ليس تعظيماً لمحمد وآل محمد بل إساءة؛ لأن تعظيمهم ليس على الحيوانات، بل عظمتهم على البشر. أنت لما تأتي ببروفيسور ودكتور ثم تقول هذا محمد أفضل من هذا، هذا عظمة محمد، أما تقارنه بالبهائم فلا.
خاتمة في التواضع والكرامة
حتى في حيز التواضع يركز العلماء: “إن حرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة”، يعني لا يصل مستوى التواضع إلى إذلال الإنسان نفسه، أو إلى إهانة الإنسان نفسه، أو لا يصل مستوى التواضع إلى إفقاد الإنسان حرمته. إذن لا بد أن نلتفت أن التصاغر أمام الآخر أيضاً له ضابطة، التصاغر أمام الآخر له حد، لا يخرج الإنسان عن هذا الحد. أنت تتصاغر أمام محمد وآله (عليهم السلام) جداً ممتاز ومندوب له، لكن مو بحيث أن الإنسان يفقد إنسانيته.