عنوان الدرس:

حقيقة الشعيرة 2

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 34
تاريخ الدرس 31/08/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

تحديد حقيقة الشعيرة وضوابطها

بسم الله الرحمن الرحيم. يقع الكلام في تحديد حقيقة الشعيرة. وقلنا نحتاج بداية أن نقدم مقدمة ببيان أن الشعيرة من الموضوعات المستنبطة، أو أن الشعيرة من الموضوعات العرفية، أو أن الشعيرة من الموضوعات الشرعية.

أنواع الموضوعات في الحكم الشرعي

وبينا الفوارق بين الموضوعات الثلاثة؛ فبينا حقيقة الموضوع الشرعي، وبينا حقيقة الموضوع العرفي، وختمنا ببيان حقيقة الموضوع المستنبط. ربما فاتنا أن نشير في البحث الماضي إلى أن الموضوع المستنبط لا يقتصر على استنباطه من الأدلة الشرعية؛ فقد يكون الموضوع المستنبط مستنبطاً من خلال كلمات أهل اللغة، كما يكون الموضوع المستنبط مستنبطاً من خلال النصوص. وبالتالي قد يكون الموضوع المستنبط لغوياً، وقد يكون الموضوع المستنبط شرعياً.

واحدة من الآثار المهمة المترتبة على الموضوع المستنبط أنه موضع عمل المكلف، فيعول المكلف في بيان حقيقته على مرجع التقليد؛ ولذا نص الفقهاء في رسائلهم العملية على أنه كما يقلد في الأحكام، يقلد في الموضوعات المستنبطة.

هل الشعيرة توقيفية أم مخترعة؟

ذا يجرنا الآن إلى ملاحظة أن الشعيرة من الموضوعات الشرعية، أو من الموضوعات العرفية، أو من الموضوعات المستنبطة. والثمرة المترتبة على ذلك كبيرة جداً؛ متى ما بني على أن الشعيرة من الموضوعات الشرعية، أو بني على أن الشعيرة من الموضوعات المستنبطة، ستضيق دائرة الشعائر كثيراً.

يعني لو بنينا على أن الشعيرة من الموضوعات الشرعية، لا يمكن أن يفتح الباب على مصراعيه، بل نكاد نجزم أن الشعائر حينئذ توقيفية، وبالتالي لا مجال للشعائر المخترعة. فكل ما لم يرد فيه نص شرعي، لا يمكن البناء على مشروعيته، فضلاً عن البناء على شعيريته.

أمثلة تطبيقية على التوقيف والاختراع

مثلاً: المشي على الجمر، أو المشي على الزجاج، أو التطيين، فضلاً عن التطبير، أو الجزع مثلاً؛ إن ورد فيه دليل شرعي أمكن التعويل عليه، بني على شعيرية هذه الشعيرة. ما لم يرد فيه دليل شرعي يعول عليه، لا مجال للبناء على شعيرية هذه الشعيرة.

بخلاف ما لو كان مفهوم الشعيرة مفهوماً عرفياً، فإن المدار في الرجوع إلى العرف، وبالتالي قد تتسع الدائرة. نعم، قد يكون للزمان والمكان دخالة، فقد تكون شعيرة ما في زمان ما أو في مكان ما، ولا تكون شعيرة في زمان ما أو في مكان ما؛ فتتغير الشعيرة ربما حسب معطيات وظروف الزمان والمكان. أيضاً تتسع، فيمكن أن تضاف مجموعة من الشعائر حينئذ ما دام ينطبق عليها عرفاً عنوان الشعيرة.

الشروط اللازمة لتحقق عنوان الشعيرة

من هنا نحتاج أن نلتفت إلى حقيقة الشعيرة ما هي؟ وكذلك الشروط اللازم توفرها كيما يبنى على أن هذا الأمر شعيرة وإلا فلا. قبل كل شيء، لا بد أن يلتفت إلى أن هناك شروطاً لا بد أن تكون متوفرة في الشيء حتى ينطبق عليه عنوان الشعيرة:

الشرط الأول: القابلية الشعارية

أهم شيء أن يكون الموضوع له قابلية الشعارية، إما من حيث الاقتضاء الذاتي، أو من حيث الاقتضاء العرضي. خصوصاً أن الموضوعات التي يمكن أن يتظاهر العرف بها لأجل إحياء الشعائر أو لأجل تعظيمها كثيرة، لكن هل كل موضوع موضوع يصلح لهذا العنوان؟ فينطبق عليه مثلاً أنه شعيرة؟ إنصافاً بعضها يصلح وبعضها فلا.

لنفترض في أيام الجاهلية، أما كانت العرب تعظم الكعبة لتعظيمها؟ متفق على ذلك. كان من تعظيمهم للكعبة أن لا يطوف أحدهم بالبيت الحرام بثوب حرام أو يشتمل على حرام؛ النتيجة عمدوا إلى الطواف حول الكعبة المعظمة عراة! فهل يمكن أن نجعل الطواف حول البيت عراة تعظيماً وشعاراً أو شعيرة؟ فنرتب عليها أثراً؟ أو بالعكس، نقول بأن الطواف حول البيت بهذه الكيفية كان فيه إهانة إلى عظمة الكعبة الشريفة.

الشرط الثاني: اقتضاء التعظيم

الشرط الثاني، لا بد أن يكون الأمر مما يقتضي التعظيم. نحن ولو لم نقبل فيما مضى، لكن المفروض أن عنوان الشعيرة يؤخذ فيها عنوان التعظيم: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ). فلا بد من ملاحظة هذا الأمر، وبالتالي لا بد من أن يتضمن إظهار العظمة، لأن التعظيم مصدر يتضمن مبالغة؛ فالمقصود حينئذ هو مطلوبية المبالغة في التعظيم. وعليه لا بد أن يكون الشيء في نفسه عظيماً حتى يصح تعلق الأمر بتعظيمه، وإلا سوف يكون المناسب هو تعظيم الشعائر، لا تعظيمها. فلا بد أن يكون الشيء عظيماً حتى يبالغ في تعظيمه.

تعال الآن، التطيين عظيم حتى يبالغ في تعظيمه؟ إذا قلت نعم، قلنا بأنه شعيرة. إذا قلت لا، سوف يبنى على عدم انطباق عنوان الشعيرية.

الشرط الثالث: إمضاء الشارع المقدس

الشرط الثالث وهو الأخير: هو ملاحظة إمضاء الشارع المقدس له. إما من خلال أن الشارع نص عليه كما في البكاء، كما في الزيارة، كما في الجزع؛ أو من خلال أن الشارع المقدس قد أمضاه.

التعريف اللغوي والاصطلاحي للشعيرة

نجي الآن لمفهوم الشعيرة، ماذا يقول علماء اللغة عن عنوان الشعيرة؟ إذا رجعتم إلى كلمات أهل اللغة تجدونهم يعرفون الشعيرة بأنها: العلامة والرمز.

نجي إلى الاصطلاح، وهنا دائماً وأبداً عندنا نقطتان: مرة يكون المعنى الاصطلاحي مغايراً للمعنى اللغوي، وهذا يستدعي أن هناك نقلاً في بيان الحقيقة اللغوية. وهنا، هل أن المقصود من الشعيرة في الاصطلاح عين ما وجد في كلمات أهل اللغة (الرمز والعلامة)؟ أو أن للشارع المقدس معنى آخر يغاير الحقيقة الموجودة عند أهل اللغة؟

الظاهر والله سبحانه وتعالى أعلم، أن معنى الشعيرة في الاصطلاح لا يختلف عن معناها في اللغة، وأن المقصود بها عبارة عن الرمز والعلامة. نعم، اعتبروا في الشعيرة الاصطلاحية قيد الإضافة إلى الدين؛ ولذلك قالوا في تعريفها: العلامات والرموز ذات الارتباط بالدين.

الخلاصة: هل الشعائر توقيفية؟

يبدو لي والله سبحانه وتعالى أعلم، أن البناء على أنها من الموضوعات الشرعية من الصعوبة بمكان. أنا ما وقفت في شيء من الأدلة التي تعرضت للحديث عن الشعيرة، سواء الشعيرة الدينية أم الشعيرة الحسينية، ما يشير إلى بيان هذه الحقيقة وإلى تعريفها.

ودائماً وأبداً عندنا قاعدة عامة في باب الظهورات مذكورة: كل مفهوم ورد في لسان الشارع المقدس ولم يتعرض الشارع المقدس إلى وضع حده أو رسمه التامين، فإنه قد أحال ذلك إلى العرف. فما يقرره العرف في مقام بيان حقيقته، سواء العرف العام أو العرف الخاص، هو المتبع في المقام.

نجي إحنا الآن في المقام، فنقول: هل أنها من الموضوعات العرفية، والتي عمد الشارع المقدس إلى التصرف فيها سواء بإضافة شيء إليها أو بمنع قيد كان مأخوذاً فيها؟ أو أنها تكون من الموضوعات المستنبطة؟

لن نخرج عن أحد احتمالين: إما أن يكون موضوعاً عرفياً بأحد المعنيين المتصورين، أو أن يكون موضوعاً مستنبطاً. وبالتالي نحتاج تحديد الشعيرة ضمن أي من هذين الأمرين.

لو بنينا على أن الدليل على مشروعية الشعيرة قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وبنى أن الشعائر مفردها شعيرة، فسوف يبنى على أن موضوع الشعيرة موضوع عرفي.

أما لو اتبعنا الشيخ أبا الشريف في عدم دلالة هذه الآية، وبنى مثلاً على أن الدليل على مشروعية الشعيرة ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (أَحْيُوا أَمْرَنَا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا). هل تضمن هذا النص مفهوم الشعيرة؟ لم يتضمن النص الإشارة لمفهوم الشعيرة، وإنما سيكون مفهوم الشعيرة متصيداً من مثله وأمثاله من النصوص، وهذا سوف يجعل الشعيرة موضوعاً مستنبطاً وليس مفهوماً عرفياً، يقوم الفقيه بتحصيله وتشخيصه من خلال النصوص.

إذا رفعنا اليد عن دلالة آية (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) على مشروعية الشعائر، سوف تكون الأدلة على مشروعيتها خالية من ذكر مفهوم الشعيرة، وهذا يجعل المفهوم من المفاهيم التي يتصيدها الفقيه من خلال إعمال نظره في الأدلة، فتكون الشعيرة من الموضوعات المستنبطة. وعند الأمر يترتب الأثر.

التمرير إلى الأعلى