حجية الشعائر وتحديد الموضوعات المستنبطة
كان الكلام فيما تقدم في استعراض الأدلة العامة التي يمكن الاستناد إليها لتصلح عاماً فوقياً لشرعية مطلق الشعائر، فاستعرضنا مجموعة من الأدلة الخاصة ومجموعة من الأدلة العامة التي يمكن الاستناد إليها في إثبات شرعنة الشعائر بقول مطلق.
قصور الأدلة العامة عن إثبات الجزئيات
كانت النتيجة التي انتهينا إليها فيما مضى عدم صلاحية ما ذُكر من الأدلة لإثبات هذه الكلية الكبرى، وهذا يعني أنه متى ما أُريد إثبات شعيرة ما أو إثبات شرعية شعيرة ما، لابد من وجود دليل خاص كيما يستند إليه.
فالشعائر الحسينية على سبيل المثال متى ما أُريد إثباتها لا يمكن أن تثبت من خلال الأدلة العامة مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، إذ قد عرفنا فيما مضى عدم صلاحيتها وكذا عدم صلاحية غيرها من الأدلة بصورة عامة.
فلو أردنا إثبات شرعية البكاء مثلاً على الإمام الحسين (عليه السلام) لابد من ملاحظة الدليل الخاص وملاحظة مدى إمكانية الاستناد إليه بعد توفر المقتضي وفقدان المانع لترتيب الأثر. ولو أردنا إثبات شرعية الجزع مثلاً نحتاج عندها البحث عما يصلح للدليلية من حيث تمامية المقتضي ومن حيث تمامية المانع.
هل الشعائر توقيفية أم مخترعة؟
وهذه النقطة التي انتهينا إليها تخدمنا كثيراً في معالجة قضية أساسية وهي: هل أن الشعائر الحسينية منصوصة؟ أو أن الشعائر الحسينية مخترعة؟ وقد أشرت إلى ذلك إجمالاً فيما مضى.
مثلاً: متى ما بنينا على الدعوى التي انتهينا إليها فمقتضى ذلك البناء على توقيفية الشعائر، لأننا سنكون محصورين في مقدار ما يدل عليه الدليل وما يفيده. فإن دل الدليل مثلاً على شرعية البكاء التزمنا، دل الدليل على شرعية الجزع التزمنا، دل الدليل على شرعية اللطم التزمنا، فستكون القضية أقرب ما تكون إلى الأمر التوقيفي المنحصر في خصوص عناوين معينة وهو مقدار ما دل عليه الدليل ليس إلا.
بخلاف ما لو تمت الكليات التي تقدم الحديث عنها والتي يستند إليها في إثبات مشروعية مطلق الشعائر، فإن الأمر سيختلف إذ يمكن البناء عندها على اختراعية الشعائر، لأن المدار هو انطباق عنوان الشعيرة، فلو انطبق عنوان الشعيرة على التجمير مثلاً أو انطبق عنوان الشعيرة على التطيين مثلاً فسوف يُلتزم بشعيرية التطيين، سوف يُلتزم بشعيرية التجمير مع أنه لا يوجد عندنا دليل خاص يدل على مشروعية التطيين بنفسه أو مشروعية التجمير بنفسه، لكن الأدلة العامة التي تقدمت الإشارة إليها تكفي حينئذ للبناء على الشرعية بعد انطباق عنوان الشعيرة.
تحديد نوع موضوع الشعائر
وهذا يجرنا إلى مطلبين لابد من تنقيحهما مضافاً لما تقدم تنقيحه:
المطلب الأول: الشعائر بين الموضوعات المستنبطة والصرفة
هل أن الشعائر من الموضوعات المستنبطة؟ أم أن الشعائر من الموضوعات الصرفة؟ لابد أن نحدد هذه النقطة فإن لذلك مدخلية، إذ متى ما بُني على أن الشعائر -أو الشعيرة- من الموضوعات الصرفة اتسعت الدائرة حينئذ، لأن المدار سيكون على ما يراه العرف أنه شعيرة، يكفي ذلك لترتيب الأثر حينئذ.
بخلاف ما لو قررنا بأن الشعيرة من الموضوعات المستنبطة، فستضيق الدائرة كثيراً لأن الأمر سيكون بيد الفقيه، فمتى ما قرر الفقيه شعيرية شيء ما رتبنا على ذلك الأثر، ومتى ما نفى الفقيه شعيرية شيء ما رتبنا على ذلك الأثر.
أقسام الموضوعات (الشرعية، العرفية، المستنبطة)
العناوين أو الموضوعات عندنا على ثلاثة أقسام:
- الموضوعات الشرعية: ما يمكن التعبير عنها بالحقائق الشرعية الصادرة من الشارع المقدس، ومثال ذلك (الصلاة)، فسواء عبرت بأنها حقيقة شرعية أم عبرت بأنها من العناوين المنقولة نهاية المطاف هي الآن موضوع شرعي، بحيث أننا متى ما ذكرنا لفظة الصلاة فإن المنصرف إلى الذهن هو عبارة عن الصلاة المعهودة المترتبة من أحد عشر جزءاً، خمسة أركان وستة واجبات. وكذلك (الصوم) و(الوضوء) و(الحج). ومنشأ تسميتها بالموضوعات الشرعية يعود إلى أن الشارع المقدس هو الذي قد أسسها وقد سماها.
- الموضوعات العرفية الصرفة (اللغوية): وهي التي تكون المرجعية فيها في التحديد ضبطاً وتحديداً للعرف، مثل مفهوم (الصعيد)، الشارع المقدس قال: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)، لكن كل عنوان ورد في لسان الشارع المقدس ولم يتعرض الشارع المقدس لبيان حدوده وضوابطه فالمرجعية فيه إلى العرف بقسميه العام والخاص. وكذلك (النكاح) هل المقصود منه ممارسة العلاقة الطبيعية أم إيقاع العقد؟ لو جئنا للعرف سنجد أن العرف يقرر بأن المقصود هو ممارسة العلاقة الطبيعية، ولذا لو أراد الشارع المقدس أن يستعمل هذا المفهوم في غير هذا المعنى العرفي لابد أن يشير لذلك بقرينة.
- الموضوعات المستنبطة: وهي عبارة عما لم يرد تحديده في لسان الشارع المقدس وليس المتبع فيه العرف مطلقاً، وإنما يتصيد المقصود من بيان حقيقة الموضوع والمفهوم من كلمات الشارع المقدس.
مناقشة تطبيقية: مفهوم الغناء
وهنا نحتاج إلى إعمال النظر والفحص والاستنباط والاستخراج من الدليل، وبعبارة دقيقة تحتاج إلى ممارسة، وطبيعي جداً أن يقع الاختلاف بين المجتهدين.
لنأخذ مثال (الغناء): هل هو من الموضوعات الشرعية؟ أو من الموضوعات العرفية الصرفة؟ أو من الموضوعات المستنبطة؟
تداخل أحد الطلاب [الشيخ يوسف]: واضح أنه ليس شرعياً.. ويبقى كذلك أنه ليس عرفياً باعتبار أن العرف لا يستطيع أن يحدد ما له مدخلية في انطباق المصاديق.
ذكر الأستاذ: يعني بمقتضى القسمة الحاصرة ما دام انتفى المحتملان الأول والثاني تعين الثالث، أنت في النتيجة تقرر بأن الغناء من الموضوعات المستنبطة، لأن العرف لا يفهم حقيقة الغناء.
تداخل طالب آخر [الشيخ أحمد]: الأقرب أنه موضوع عرفي، لأن العرف هم الذين يمارسونه وبالتالي يميزون.
ذكر الأستاذ: العرف قد يتردد في المصاديق، ويمكننا أن نذكر مثالاً: العرف يتردد هل أن الصوت المرجّع غناء؟ هل أن الحداء غناء؟ هل أن القراءة الملحنة غناء؟ الدعاء الملحن غناء؟ الشعر غناء؟ الترجيع غناء؟ الأناشيد الإسلامية غناء؟ فهنا العرف قد يتردد في المصاديق.
ومع تردد العرف في المصاديق سوف نحتاج إلى إعمال النظر وملاحظة الوجه والاعتبار وهذا عبارة عن الاستنباط. نعم، قد يكون الغناء كأصل العنوان جلي واضح في بعض مصاديقه ولا يتردد العرف، مثلاً (أغنية أم كلثوم) لا يتردد العرف ولو للحظة واحدة أنها غناء، لكن تعال إلى (الحداء)، تعال إلى قراءة الخطيب الحسيني الذي تتضمن مداً أو ترجيعاً أو تلحيناً، أو قراءة القرآن الكريم (عبد الباسط)، هنا يتردد العرف.
فمن جانب أتفق مع الشيخ يوسف أن العرف قد لا يتضح عنده بعض مصاديق الغناء، ومن جانب أتفق مع الشيخ أحمد أن العرف قد يجزم في بعض المصاديق. ولكن إذا بنيتم على أنه عنوان مستنبط فبالتالي نحن نحتاج أن نقتبس حقيقته من النصوص.
والنتيجة: الموضوع المستنبط هو الموضوع الذي يعتمد على بذل الجهد واستفراغ الوسع لمعرفة الحقيقة، سواء من خلال ملاحظة ما هو الموجود عند العرف أم من خلال ملاحظة ما هو الموجود عند أهل اللغة، فيستنبط ذلك من خلال الدليل فيرتب الأثر حينئذ.
وهذا ما سنقف عنده في الجلسة القادمة: الشعيرة، هل نلتزم بأنها من العناوين الشرعية؟ أم من الموضوعات العرفية الصرفة؟ أم من الموضوعات المستنبطة؟