عنوان الدرس:

حجية قطع القطّاع: الأقوال والأدلة ومناقشة التفصيل

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: بحث الأصول 2025-2026م
تسلسل الدرس 60
تاريخ الدرس 18/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

حجية قطع القطاع ومناقشة التفصيل بين المنجزية والمعذرية

بسم الله الرحمن الرحيم، لا زال الكلام مستمراً في عرض الأقوال الواردة في حجية قطع القطّاع. وقد عرفت منا فيما تقدم أن في البين أقوالاً ثلاثة:

الأقوال في المسألة

القول الأول: عدم الفرق في الحجية

البناء على عدم الفرق في الحجية بين القطع الذاتي والقطع الموضوعي، فكما يبنى على حجية قطع القاطع من السبل والوسائل المتعارفة، يبنى أيضاً على حجية القطّاع، والبناء على قوله من دون فرق بين المنجزية والمعذرية. وقد عرفت منا نسبة هذا القول لجملة من أعيان الطائفة، بل لعله المشهور بينهم، من ذلك الشيخ الأعظم الأنصاري، والمحقق النائيني، وصاحب الكفاية، والسيد الخوئي، والسيد الشهيد الصدر، وجملة وافرة من أعلام وأعيان الطائفة رضي الله تعالى عمن مضى وأطال في عمر من بقي.

القول الثاني: التفصيل في الحجية

البناء على التفصيل في حجية القطع بين ما إذا كان القطع مربوطاً بالمنجزية، وبين ما إذا كان القطع مربوطاً بالمعذرية. فيبنى على أن قطع القطّاع يتنجز عليه التكليف ولا يُعذر، فيفصل بين المنجزية وبين المعذرية.

أدلة القول بالتفصيل

وقد أشرنا إلى أنه يمكن برهنة هذا التفصيل بين المنجزية والمعذرية بوجهين؛ ذكرنا الوجه الأول وعقبنا عليه، وذكرنا الوجه الثاني.

الوجه الثاني: الاستناد إلى كلام المحقق العراقي

جميل جداً أن يلتفت إلى أن هذا التفصيل مستفاد من كلمات المحقق العراقي (قدس الله تربته الطاهرة) في كتابه (نهاية الأفكار)، فإنه أشار إلى التالي: قال: إذا كان كلام الشيخ كاشف الغطاء (رضي الله تعالى عنه) ناظراً إلى معذرية القطع، بمعنى أن العقل لا يعتبر قطع القطّاع معذراً له فالحق معه، والإجابات التي صدرت من الأعلام عن الشيخ كاشف الغطاء في غير محلها.

إذن محصل ما يقرره الشيخ العراقي (قدس الله تربته الطاهرة) هو هذا. هذه عبارته تقريباً التي جاءت في كتابه (نهاية الأفكار). ولعله إلى ما ذكرناه من البناء على التفصيل بين المنجزية والمعذرية نظر القائل بعدم اعتبار قطع القطاع.

فيراد من ذلك عدم اعتباره في العذرية ولو بملاحظة تقصيره في مقدمات قطعه من الأول، الناشئ من جهة قلة مبالاته وعدم تدبره، الموجب لخروجه بذلك عما عليه متعارف الناس من الاستقامة إلى الاعوجاج في السليقة، بنحو يحصل له القطع من كل شيء مما لا يكون مثله سبباً عادياً لحصول الظن بل الشك لمتعارف الناس. لا عدم اعتباره في مقام المنجزية ومرحلة إثبات التكليف والاشتغال به. بل ويمكن أن يحمل عليه أيضاً مقالة الأخباريين.

الشاهد يهمنا أن مؤدى كلام الشيخ العراقي (قدس الله تربته الطاهرة) التفصيل بين المنجزية والمعذرية، فيقول البناء على عدم حجية قطع القطّاع في جانب المنجزية في غير محله، لكن البناء على عدم حجية قطع القطّاع في جانب المعذرية بحيث لا يكون معذوراً حال التقصير في امتثال التكليف المتوجه إليه، فلو بنى على أن ذمته ليست مشغولة بتكليف وبان مخالفته للواقع، لم يكن قطعه معذراً له في عدم استحقاقه العقوبة.

الوجه الثاني للدليل (العلم الإجمالي)

أيضاً من الذين بنوا على هذا التفصيل يا شيخ حيدر، السيد الروحاني (قدس الله تربته الطاهرة) في كتابه (المنتقى) في المجلد الرابع، وسوف أشير إلى كلامه بعد قليل. نحن كنا في البحث الماضي وكما ذكرت قبل قليل بصدد استعراض ما يصلح دليلاً لهذا التفصيل، وقد أشرنا إلى أن دليل هذا التفصيل وجهين، تعرضنا الوجه الأول وقد عرفت الجواب عنه. كنا فعلاً بصدد عرض الوجه الثاني وقد ذكرناه.

أشير إليه ببيان آخر غير ما تقدم ذكره في البحث الماضي ثم ننظر هل أن هذا البيان أو الدليل يصلح أو ينقض وما شابه. حاصل الدليل أن يقال هكذا:

(إن علم القطّاع الإجمالي بأن بعض قطوعاته النافية للتكليف ليست مطابقة للواقع، وأن بعضها يشتمل أحكاماً إلزامية، ما يولد لديه علماً إجمالياً بوجود تكاليف إلزامية في دائرة تلك القطوعات).

وهذا يستدعي الالتزام بتنجز التكاليف الواقعية عليه حينئذ، فتكون التكاليف الواقعية جميعاً منجزة عليه في دائرة القطوعات النافية. ما يعني أن القطع الذاتي بعدم التكليف لا يكون معذراً، فلو عمل على وفق قطعه وتبين مخالفة ذلك للحكم الواقعي، كان مستحقاً للعقاب على تلك المخالفة؛ لأن الحكم الواقعي منجز عليه بمقتضى العلم الإجمالي.

المناقشة والرد على الوجه الثاني

هذا الدليل الذي ذكر للبناء على التفصيل قد يعترض عليه فيقال: إننا نسلم بوجود علم إجمالي حدوثاً عند القطّاع، وهو يعلم أن ما سيحدث له من قطوع نافية سوف لا تكون مطابقة للواقع، ولكن عند حصول تلك القطوع يرتفع العلم الإجمالي؛ لأنه لا يمكن أن يشك في قطعه بل هو قاطع بالفعل. ونحن ندور مدار وجود العلم الإجمالي وعدمه، فإن كان العلم الإجمالي موجوداً فهو منجز، وإن لم يكن العلم الإجمالي موجوداً فلا تنجيز، وهنا نقول لا يعقل أن يكون التنجيز موجوداً وسببه غير موجود، وهذا يعني معذرية القطع الذاتي.

قياس المنجزية على القدرة (الحدوث والبقاء)

بعبارة ثانية يا شيخ محمد، أنتم تدعون بأن الموجب للبناء على عدم المعذرية بالنسبة للقطّاع وجود العلم الإجمالي. في مقام الجواب نحن نقرر بأنه لا وجود للعلم الإجمالي حال وجود قطع عند القطاع ينفي التكليف؛ لأنه سوف يزول العلم الإجمالي جزماً؛ لأن فرض وجود مثل هذا العلم الإجمالي بأن بعض قطوع القطاع النافية للتكليف غير مطابقة للواقع يعود إلى الشك في قطعه، مع أن المفروض أن القطاع قاطع في المقام، مع أن المفروض أن القطاع قاطع بالفعل، ولا يمكن لقاطع أن يشك ولو للحظة في قطعه، لأنه يخرج بذلك عن كونه قاطعاً.

فعليه، لا يوجد في المقام علم إجمالي، ومع عدم وجود العلم الإجمالي لا معنى لأن تقولوا بأن المورد مورد عدم معذرية.

مناقشة شرطية القدرة

لكن هذا الإشكال يمكن أن يجاب عنه، فنقول: عندما يقرر أن القدرة شرط في صحة توجه التكليف، نسألكم يا شيخ نصر: القدرة التي تعتبرونها شرطاً في صحة التكليف، ماذا تقصدون بها؟ هل المقصود بها أن القدرة شرط حدوثاً وبقاءً؟ أم أنها شرط حدوثاً فقط لا بقاءً؟

مثلاً: لو كان الإنسان واقفاً على السطح، فهل يستطيع المولى أن يوجه إليه الخطاب فيقول: (لا ترمِ نفسك)؟ لأنه قادر على امتثال التكليف. لكن لو رمى المكلف نفسه وكان في حالة السقوط هنا، هل يستطيع المولى أن يقول له لا ترمِ نفسك؟ لا يمكن، لا يستطيع أن يقول له لا ترم نفسك.

من هنا إذا قلنا أن القدرة شرط حدوثاً وبقاءً فلا قدرة في صورة البقاء، وعندها لا يمكن أن يتوجه إليه خطاب لا ترمِ فلا عقاب. أما إن قلنا إن القدرة شرط حدوثاً وليست شرطاً بقاءً، وقد زالت هذه القدرة بسوء اختيار المكلف، يكون العقاب باقياً على حاله. فيكفي في دخول التكليف دائرة حق الطاعة أن يكون الفعل مقدوراً حدوثاً، حتى وإن انتفت القدرة بسوء الاختيار.

فإذا قيل إن القدرة شرط حدوثاً لا بقاءً، وإن وصول العلم بالتكليف من قبيل القدرة يكفي فيه الحدوث وإن انتفى البقاء، يكون الوجه الثاني للاستدلال على عدم معذرية القطع الذاتي تاماً ويبطل الاعتراض عليه.

أما لو قيل أن الوصول المنجز للتكليف هو الوصول الفعلي، ولا يكفي كونه واصلاً حدوثاً بل لا بد بقاءً، فقد بطل الاستدلال ويكون الاعتراض تاماً.

تطبيق المثال على العلم الإجمالي

تعال نطبق هذا المعنى يا سيد يوسف على العلم الإجمالي. نقول: العلم بوجود تكاليف إلزامية في موارد القطع بعدم التكليف ابتداءً يعني وصولها إلى المكلف إجمالاً. زوال هذا العلم الإجمالي بعد ذلك يعني زوال ذلك الوصول. فالوصول كان حدوثاً مثل القدرة، وقد زال بعد ذلك.

وعندها، إن بُني على أن الوصول كالقدرة يكفي في دخول التكليف في دائرة حق الطاعة أن يكون الفعل مقدوراً حدوثاً، وإن زالت القدرة بعد ذلك بسوء الاختيار من المكلف (مثلاً لو فرض وجود ماء عنده للوضوء وقد حان وقت الصلاة، فأراق ذلك الماء، فقد زالت عنه القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية بسوء اختياره، حيث أنه هو الذي أراق الماء وعجّز نفسه، فقد كان قادراً على الصلاة بالطهارة المائية حدوثاً، وقد زالت عنه القدرة بقاءً لأنه الآن غير قادر بحسب الفرض) مثل هذه القدرة الحدوثية كما قلنا كافية لدخول التكاليف في عهدة المكلف وتنجزها عليه، فيستحق العقاب على المخالفة وإن كان مضطراً إليها لأنه بسوء اختياره.

ما نحن فيه من الوصول الحدوثي وهو العلم الإجمالي في بداية الأمر هكذا؛ فإنه يكون كافياً في تنجز التكليف الواقعي عليه ودخوله في دائرة حق الطاعة في موارد القطع بعدم التكليف. وإن زال الوصول والعلم بعد ذلك بسوء اختياره؛ لأنه لو كان متبعاً الطرق والوسائل المتعارفة مبتعداً عن العوامل الذاتية والنفسية لم يحصل له القطع بعدم التكليف، فيكون حصول القطع له باختياره وبسبب ابتعاده عن المبررات الموضوعية، ما أدى إلى زوال العلم الإجمالي بالتكليف في دائرة قطوعاته.

نتيجة البحث في القول الثاني

إذن القدرة الحدوثية كافية لتنجز التكليف، كذلك الوصول الحدوثي يكفي لتنجز التكليف عليه. وهذا يعني أن وجود العلم الإجمالي الحاصل في بداية الأمر يكفي لتنجز التكاليف الواقعية في موارد القطع بعدم التكاليف. وعلى هذا الفرض يبتني البرهان المتقدم في عدم معذرية القطع الذاتي (الوجه الثاني).

إذن النتيجة: متى بنيت يا شيخ حيدر على أن الوصول الحدوثي كالقدرة الحدوثية، كان الاستدلال بالوجه الثاني الناجم من البناء على التفصيل تاماً على عدم معذرية القطع الذاتي، وبطل ما ذكر من اعتراض عليه.

أما لو بني على أن الوصول المنجز للتكليف هو خصوص الوصول الفعلي، ولا يكفي مجرد كونه واصلاً حدوثاً، فسوف يبطل الاستدلال ويتم ما ذكر من الاعتراض عليه؛ لأنه مع عدم الوصول الفعلي لا يوجد منجز للتكليف، وإن كان قد وصل حدوثاً وزال ذلك الوصول بسوء اختياره.

وعليه، كلاً من الاستدلال على عدم معذرية القطع الذاتي والاعتراض الوارد عليه يعتمد يا شيخ نصر على الالتزام بأن الوصول كالقدرة ليكفي الوصول الحدوثي وإن زال بقاءً، بخلاف ما لو كان المبنى هو كونه مخالفاً للقدرة فلن يكفي -أو لن يكون- مجرد الوصول الحدوثي كافياً من ذلك، بل لا بد وأن يكون باقياً ومستمراً.

عليه، لما كان المعتبر هو الوصول والعلم المنجز للتكليف هو العلم الفعلي، ولا يكفي مجرد العلم والوصول الحدوثي لإدخال التكليف في العهدة ما لم يكن ذلك باقياً ومستمراً، يبتني بطلان الوجه الثاني أيضاً، أو يتضح بطلان الوجه الثاني حينئذ وبالتالي يترتب الأثر.

مناقشة رأي السيد الروحاني

إذن انتهينا إلى الآن أن القول الثاني -وهو الذي يقضي بالتفصيل- قد اتضح عدم تماميته أيضاً بالبيان الذي ذكرناه. وهذا يجرنا إلى الحديث عن القول الثالث. يمكن يا شيخ نصر بداية وقبل البدء في الحديث أن نلتفت إلى أن القول الثالث وهو البناء على عدم حجية قطع القطاع قد تكون ناشئة من خلال الالتزام بأن حجية القطع عقلائية.

السيد الروحاني (قدس الله تربته) أشار إلى عدم معذرية القطاع عند العقلاء متى كانت قطعه من طريق غير متعارف. فمن أمر وكيله مثلاً بشراء متاع له بالقيمة السوقية، فاشتراها الوكيل بأزيد منها استناداً إلى قطعه بأن الثمن يساوي القيمة السوقية، وقد نشأ قطعه من سبب غير متعارف، هل يحق للموكل أن يعاتب الوكيل في إقدامه على الشراء بأكثر من قيمته السوقية أو لا يحق له؟ يقول السيد الروحاني: يحق للموكل معاتبة الوكيل. إذن ما في معذرية.

المثال الذي ذكره (قدس الله تربته الطاهرة) والمرتبط بعملية التوكيل في شراء كتاب أجنبي عن المقام؛ لأنه مرتبط بالقطع الموضوعي وليس مرتبطاً بالقطع الطريقي. وإذا كنتم تتذكرون فقد ذكرنا في مطلع الحديث مما مضى أن محل النزاع في القطاع هو القطع الطريقي المحض ولا ربط لنا بالقطع الموضوعي أساساً.

ثانياً: ما ذكره (رحمه الله) من استحقاق القاطع بطرق غير عقلائية للعقوبة ينبغي التفصيل فيه. بينما إذا قطع المكلف بعدم ثبوت التكليف عليه من طرق غير عقلائية كالرؤيا والجفر وقراءة الفنجان وما شابه ذلك اتفاقاً -فلم يتعمد هو سلوك تلك الطرق غير المتعارفة- وعمل وفق قطعه وكان مخالفاً لما عليه من التكاليف واقعاً، فإنه يقبح عقابه حينئذ بشهادة الوجدان.

وبين ما إذا سلك تلك الطرق غير العقلائية أو سلك مقدمات نهى المولى عن سلوكها نهياً طريقياً كما في القياس مثلاً وبان خطأ ذلك، فإنه يصح العقاب.

بقي أن أشير في النهاية إلى أن ما ذكر مبني على الالتزام بأن حجية القطع عقلية. أما لو اخترنا مبنى السيد السيستاني (دامت أيام بركاته) من أن حجية القطع عقلائية؛ لأن العقلاء يرون المنجزية والمعذرية للعلم الذي هو وضوح الواقع والبصيرة بالنسبة للقاطع، فلن يكون الاعتقاد الجازم الناشئ من مقدمات غير عقلائية منجزاً ولا معذراً، فبالتالي لن يترتب عليه أثر. وعليه سيكون توجيه عدم منجزية قطع الوسواس بالنجاسة مثلاً سهلاً جداً، وهذا كله أحيله للجلسة القادمة والحمد لله.

 

التمرير إلى الأعلى