شرح كتاب الصوم: أحكام ذوي الأعذار والصوم المندوب
المسألة السادسة: حكم الشيخ والشيخة
ذكر الشهيد الأول والشهيد الثاني هنا المسائل، وقد تكلمنا عن خمس مسائل، واليوم المسألة السادسة حيث توقفنا. قال: (السادسة الشيخان) المراد من الشيخين هما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة في السن، قال: (ذكراً أو أنثى).
(إذا عجزا) عن الصوم أصلاً، ليس عندهما القدرة على الصوم وتحمل الصوم، (أو لا) صاما ولكن (مع مشقة شديدة)، قال: (فدية بمد ولا قضاء عليهما)، أي يجب إخراج الفدية بدلاً عن الصوم، وذلك لعدم تمكنهما من الصوم ولو مع مشقة شديدة. قال: (عن كل يوم بمد) مد من الطعام.
الشيخ الطوسي -رضوان الله تعالى عليه- قال: عن كل يوم بمدين من الطعام. لكن الروايات التي تتكلم عن مدين من الطعام حُملت على الاستحباب، ولهذا قالوا الواجب مد والمستحب مدان. قال: (ولا قضاء عليهما) لأنهما لا يتمكنان من الصوم أصلاً، (لتعدره) أي لتعذر القضاء في حقهما لعدم تمكنهما من الصوم.
ودلت على هذا الحكم الروايات الصحيحة. وخالف في ذلك الشيخ المفيد والسيد المرتضى والعلامة، قالوا بأن الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام سقطت الفدية والقضاء. تمسكوا بماذا؟ وقد تمسكوا بالآية القرآنية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ). يعني شنو؟ يعني إذا لم يتمكن ولا يطيق الصيام ليس عليه فدية، هذا منطوق، مفهومه ماذا؟ (وعلى الذين يطيقونه)، الذين لا يطيقونه ليس عليهم فدية. فتمسكوا بهذا فقالوا حتى الفدية ليس عليهم.
من هو؟ الشيخ المفيد والسيد المرتضى والعلامة. وهذا مبني على الغالب من أن عجزهما عنه -يعني عن الصوم- لا يرجى زواله، لأنهما في نقصان. وإلا فلو فُرض قدرتهما على القضاء وجب القضاء مو الفدية.
(أحد الطلاب): شيخنا المخرج الفطرة في شهر رمضان نفسه؟ لو رمضان الثاني؟
(المحاضر): لا رمضان الثاني.
(أحد الطلاب): زين المشقة الشديدة فيها قدرة على القضاء؟
(المحاضر): إحنا كلامنا في ما حتى ولو كان بمشقة شديدة غير متمكن. يعني إذا كان يقدر على الصوم ولو بمشقة يجب عليه أن يصوم، ولكن لو عجز عن الصوم ولو بمشقة ينتقل إلى الفدية.
وهل يجب حينئذ الفدية معه -يعني مع القضاء-؟ قطع به في الدروس، أي قطع بوجوب الفدية في الدروس. والأقوى أنهما إن عجزا عن الصوم أصلاً فلا فدية ولا قضاء. وإن أطاقاه بمشقة شديدة، قال: لا يتحمل مثلها عادة، فعليهما الفدية، ثم إن قدرا على القضاء وجب، والأجود حينئذ ما اختاره في الدروس من وجوبها معه، لأنها وجبت بالإفطار أولاً بالنص الصحيح، وهو ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام: (الشيخ الكبير الذي به عطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في رمضان، ويتصدق كل واحد منهما بمد من طعام، ولا قضاء عليهما). قال والقضاء وجب بتجدد القدرة، والأصل بقاء الفدية لإمكان الجمع.
حكم ذي العطاش
قال: (وذو العطاش) بضم أوله (عُطاش)، وهو داء لا يروي صاحبه، صاحبه كله عطشان ولا يتمكن من ترك شرب الماء طول النهار، ما يتمكن، لازم يشرب. (المأيوس من برئه) كذلك، يعني يسقط عنه القضاء ويجب عليه الفدية عن كل يوم بمد، (ولو برأ قضى)، لو برأ من مرضه وعطاشه قضى. وإنما ذكره هنا لإمكانه، حيث إن المرض مما يمكن زواله عادة.
بخلاف الهرم (الشيخوخة)، لأن هذاك (الهرم) جاي في نقصان، لكن المريض يتعالج ويصحى.
(أحد الطلاب): السكلر شيخنا يعتبر ذو عطاش؟ يتضرر منهم؟
(المحاضر): لا، السكلر مو عطاش، ولكن إذا غلب عليه الألم والوجع بحيث لا يتمكن من الصوم ففي ضرر عليه، هنا يؤخذ بعين الاعتبار. الطبيب يقول له أنت ما يصلح لك أن تصوم، لأنه إذا صمت راح يتضاعف عليك المرض، راح تجيك النوبة، وفي ضرر عليك، بعد الطبيب هنا يؤخذ بعين الاعتبار.
قال: وهل يجب مع القضاء الفدية الماضية؟ الأقوى ذلك، بتقريب ما تقدم من قوله الفدية وجبت بالإفطار أولاً بالنص، وبه قطع في الدروس (الشهيد الأول). ويحتمل أن يريد هنا القضاء من غير فدية، كما هو مذهب المرتضى. واحترز بالمأيوس من برئه عمن يمكن برؤه عادة، فإنه يفطر ويجب القضاء حيث يمكن كالمريض من غير فدية. والأقوى أن حكمه -يعني حكم ذو العطاش المأيوس من برئه- كالشيخين، يسقطان عنه مع العجز رأساً، وتجب الفدية مع المشقة.
السابعة: الحامل والمرضع
قال: (السابعة الحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن). (إذا خافتا على الولد)، يعني إذا كان صومها يضرر الولد، إما لكونه حملاً فلا يحصل على ما يحتاج إليه لحفظه ولجعله آمناً، أو لا، أو لأن إذا صامت هذا الرضيع لا يحصل على حاجته من اللبن، يؤثر على صحته يؤثر على جسمه إلى غير ذلك. قال: (الحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن إذا خافتا على الولد تفطران وتفديان)، كل واحد منهما تطلع فدية بما تقدم، (وتقضيان) مع زوال العذر، فإذاً يجب عليهما القضاء والفدية.
وإنما لم يذكر القضاء مع القطع بوجوبه لظهوره، حيث إن عذرهما آيل إلى الزوال، فلا تزيدان عن المريض، فحكم فيه بوجوب القضاء مع البرء وزوال العذر، فكذلك ينبغي الحكم هنا في المرضعة والحامل المقرب كما في المريض.
قال: (وفي بعض النسخ وتعيدان بدل وتفديان). يعني ما تنتقل إلى الفدية وإنما تقضي، لكن الرأي الاحتياطي اللي عليه الفقهاء أنه تقضي وتطلع الفدية. وفيه تصريح بالقضاء وإخلال بالفدية إذا قال (تعيدان بدل وتفديان). وعكسه أوضح، يعني الثابت فعلاً في متن الكتاب، لأن الفدية لا تستفاد من استنباط اللفظ بخلاف القضاء.
ولو كان خوفهما على أنفسهما، فكالمريض تفطران وتقضيان من غير فدية. وكذا كل من خاف على نفسه (يعني من الهلاك) فيفطر ويقضي إذا تمكن وهم يطلع فدية. ولا فرق في ذلك -يعني في الخوف على النفس- بين الخوف لجوع وعطش، ولا في المرتضع بين كونه ولداً من النسب والرضاع، ولا بين المستأجرة والمتبرعة.
نعم لو قام غيرها مقامها، لو قام غير المرضعة متبرع آخر أو آخذاً مثلها أو أنقص، امتنع الإفطار والفدية من مالهما، وإن كان لهما زوج والولد له. والحكم بإفطارهما خبر معناه الأمر لدفع الضرر.
الثامنة: أحكام تتابع الصوم والنوافل
قال: (ولا يجب صوم النافلة بشروعه فيه)، لأصالة عدم الوجوب. والنهي عن قطع العمل مخصوص ببعض الواجب، قوله تعالى (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) إنما هذا مخصوص بالواجب فقط وليس المستحب. بل حتى أن بعض الواجبات هناك أيضاً قول كما قلنا لكم سابقاً أنه لا يحرم قطع الواجب فضلاً عن النوافل، وذلك كما في النذر غير المعين، واجب لكن يقدر يقطعه ويصوم يوم ثاني.
نعم، يكره نقضه بعد الزوال (صوم النافلة) للرواية المصرحة بوجوبه حينئذ، المحمولة على تأكد الاستحباب، لأنه إذا قلنا أنه مستحب كيف الرواية تقول بوجوبه؟ ومن هنا يجب فهم الرواية. مو أي واحد يجي يقول لك أنا أعمل بالروايات وخلاص، أنت لازم تفهم لسان الرواية، تفهم بعد الرواية، تفهم مصطلح الرواية. بعض الروايات تصرح بالوجوب ولا يستفاد منها الوجوب، بعض الروايات تصرح بالحرمة ولا يستفاد منها الحرمة.
إلا لمن يُدعى إلى طعام، فهنا يستحب له أن يستجيب، وأن يذهب ويلبي دعوة المؤمن، فلا يكره له قطعه مطلقاً، بل يكره المضي عليه. وروي (أنه -أي الصوم المستحب الذي يفطر صاحبه بسبب دعوة المؤمن إليه- أفضل من الصيام بسبعين ضعفاً). ولا فرق بين من هيأ له طعاماً وغيره، نعم يشترط كونه مؤمناً. والحكمة ليست من حيث الأكل، بل إجابة المؤمن هو المندوب إليه شرعاً، وكأنما دليل إجابة المؤمن لدعوته حاكم على الاستحباب لهذا الصوم.
التاسعة: النذر المتتابع والمطلق
قال: (التاسعة يجب تتابع الصوم) الواجب (إلا أربعة):
أولاً: النذر المطلق. والمراد من النذر المطلق هو النذر غير المقيد، يعني لم يقصده بالتتابع، فلو نذر أن يصوم ثلاثة أيام من شعبان مثلاً ولم يقيده بالتتابع، فإنه لا يجب عليه التتابع في صوم هذه الأيام الثلاثة. وأما إذا قيده بالتتابع، فيجب أن يصومها متتابعة.
ثانياً: وقضاء الصوم الواجب مطلقاً. سواء كان التتابع أصلاً فيه أو لم يكن، كرمضان والنذر المعين، وإن كان الأصل متتابعاً كما يقتضيه إطلاق العبارة. واستقرب في الدروس وجوب متابعته كالأصل.
ثالثاً: وجزاء الصيد. وإن كان بدل النعامة على الأشهر، وعن المفيد والمرتضى وسلار وجوب التتابع في الستين بدل كفارة النعامة.
رابعاً: والسبعة في بدل الهدي. (حج التمتع)، هذا اللي ما يحصل شاة، ما يحصل هدي، أو لا، ما يقدر، أو مثلاً سرق ماله ولا يتمكن من شراء هدي ليذبحه في اليوم العاشر، هذا عليه أن يصوم يصوم ثلاثة أيام في السفر متتابعة، وسبعة إذا رجع، تلك عشرة كاملة. السيد السيستاني حفظه الله عنده احتياط وجوبي أنه الآن باعتبار أن الذبح لا يكون في منى، يكون يذبح الهدي وهم يصوم، يجمع بين الاثنين.
على الأقوى، خلافاً للشيخ العماني والشيخ الحلبي حيث أوجبوا التتابع في الأيام السبعة. وقيل يشترط في المتابعة كالثلاثة، وبه رواية حسنة وهي رواية سليمان بن جعفر عن الرضا عليه السلام. وكل من أخل بالمتابعة لعذر كحيض ومرض وسفر ضروري بنى عند زواله، إلا أن يكون الصوم ثلاثة أيام فيجب استئنافها مطلقاً، سواء كان لعذر أم لغير عذر، كصوم كفارة اليمين، وكفارة قضاء رمضان إذا أفطر بعد الزوال، وثلاثة الاعتكاف، وثلاثة المتعة.
العاشرة: الصيام المندوب والمكروه
قال: (العاشرة الصوم المندوب)، وذكر أفراداً كثيرة، منها: (أول ذي الحجة) إلى التاسع وهو يوم عرفة لمن لا يضعفه الدعاء، (ويوم الغدير) الثامن عشر، (والمباهلة) الرابع والعشرون، (ويوم المبعث) السابع والعشرون من رجب، (ومولد النبي) صلى الله عليه وآله السابع عشر من ربيع الأول، (ودحو الأرض) الخامس والعشرون من ذي القعدة، (وعاشوراء) على وجه الحزن لا التبرك.
قال: (وأيام البيض)، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. سميت بذلك لبياض لياليها أجمع بضوء القمر. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن آدم عليه السلام لما أصابته الخطيئة اسود لونه، فألهم صوم هذه الأيام، فبيض بكل يوم ثلثه، فسميت بيضاً لذلك.
قال: (ويكره الصوم نافلة في السفر) إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة المشرفة. (ويكره صوم عرفة) لمن يضعفه عن الدعاء، أو يشك في الهلال. (ويكره صوم الضيف) تطوعاً (بدون إذن مضيفه)، والولد بدون إذن والده. (ويحرم صوم العيدين)، (وأيام التشريق) لمن كان بمنى ناسكاً كان أو لا. ويحرم صوم يوم الشك على أنه من رمضان، ويحرم نذر المعصية، وصوم الصمت، وصوم الوصال.