عنوان الدرس:

الصوم والاعتكاف - 6

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: الروضة البهية - الصوم والاعتكاف - 1447هـ
تسلسل الدرس 6
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

شرح أحكام قضاء الصوم والكفارات

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

وقت نية قضاء رمضان وحكم الإفطار فيه

توقفنا عند قول المصنف: (ويتخير قاضي رمضان ما بينه وبين الزوال).

قاضي شهر رمضان، وهو الذي يقضي ما فاته من أيام شهر رمضان، يجب عليه قضاؤها. ولكن لو أنه صام يومًا قضاءً ثم أراد بعد ذلك أن يفطر، هل يجوز له الإفطار في صوم القضاء أم لا؟ يمكن له أن يفطر إلى قبل الزوال، أما إذا دخل الزوال فعليه الكفارة.

قال: (ويتخير قاضي شهر رمضان) -طبعًا هذا متى عاد؟ هذا إذا لم يكن قد ضاق عليه الوقت، أما إذا ضاق عليه الوقت حتى لو كان قبل الزوال تلزمه الكفارة، هذا مع سعة الوقت- قال: (ويتخير قاضي شهر رمضان بين البقاء عليه) -على القضاء- (وبين الإفطار ما بينه) الضمير هنا يعود إلى الزمان الذي هو ظرف المكلف المخير وما ظرفية زمانية، أي يتخير في المدة التي بينه حال حكمنا عليه بالتخيير (وبين الزوال).

يعني شنو معناه؟ اختصارًا لهذه الجملة: وهو أن القاضي لشهر رمضان يمكنه أن يفطر لكن بشرط أن لا يدخل عليه الزوال، أما إذا دخل عليه زوال فيحرم عليه الإفطار، ولا يجوز له هنا التخيير، لا يبقى تخيير بعد ذلك باعتبار أن الوقت قد تضيق عليه عند الزوال حتى لو لم يكن هناك بينة بان كان فيه أو بعده فلا تخيير، إذ لا مدة ويمكن عوده إلى الفجر بدلالة الظاهر، حيث إن ذكر الزوال قرينة على كون مرجع الضمير هو العجز الذي هو مبدأ الصوم فيما لو كان قد عجز عن الصوم.

حكم تضيق وقت القضاء

قال: بأن كان فيه أو بعده فلا تخيير إذ لا مدة ويمكن عوده إلى الفجر بدلالة الظاهر، بمعنى تخييره ما بين الفجر والزوال، هذا مع سعة وقت القضاء. أما لو تضيق بدخول شهر رمضان المقبل، عليه مثلًا عشرة أيام وباقي بس عشرة أيام عن شهر رمضان، هذا مضيق، هذا لا يشرع له حكم التخيير في الإفطار ما بينه -يعني ما بين الفجر- وما بين الزوال.

قال: (أما لو تضيق بدخول شهر رمضان المقبل لم يجز الإفطار، وكذا لو ظن الوفاة قبل فعله) أي ظن أنه يموت لو أخر القضاء، قبل أن يأتي به، قبل أن يأتي بالقضاء في الوقت الذي يريد فعله، فيجب عليه تقديم القضاء والتعجيل به، كما في كل واجب موسع إذا صار ضيقًا يجب عليه الإتيان به، فهذا الصوم كذلك هو واجب موسع لكن بما أنه قد ضاقت الأيام فيجب الإتيان به ولا تخيير للإفطار بين الفجر والزوال.

قال هنا بسبب الإفطار، لكن لا كفارة هنا بسبب الإفطار؛ لأن الكفارة خاصة بالإفطار في شهر الصيام فحسب، أو ما دل عليه دليل خارج، وحيث لا دليل هنا على وجوب الكفارة فلا تجب. وإن وجبت الفدية مع تأخيره عن رمضان المقبل.

قضاء الصوم عن الغير والنهي عن إبطال العمل

قال: (واحترز بقضاء رمضان عن غيره) لو كان عليه قضاء غير شهر رمضان، كما لو كان قضاء صوم معين كان نذر مثلًا فاته، والآن هو لا بد من قضائه، (كقضاء النذر المعين حيث أخل به في وقته) يعني لم يصم في الوقت المحدد الذي كان قد عينه وصار عليه واجبًا بسبب النذر، (فلا تحريم فيه) أي لا تحريم في الإفطار بعد الزوال.

وكذا كل واجب غير معين كالنذر المطلق والكفارة إلا قضاء رمضان، قضاء رمضان يلزمه الكفارة فإنه يحرم عليه الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان المبارك وإن لم يتضيق وإن لم يتعين. ولو تعين لم يجز الخروج منه مطلقًا حتى لو كان قبل الزوال يعني.

وقيل يحرم قطع كل واجب عملًا بعموم النهي عن إبطال العمل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (يَا أَ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ). وهذا عمل عبادي أنت أتيت به فعليك إكماله حتى وإن رخص لك على أن تفطر قبل الزوال إذا لم يكن متضيق، إلا أنه الإكمال أفضل من القطع.

حكم الإفطار بعد الزوال في قضاء رمضان

قال: (ومتى زالت الشمس حرم قطع قضائه)، يعني إذا زالت الشمس تعين عليك ولا يجوز لك الإفطار. (فإن أفطر بعده أطعم عشرة مساكين)، هذه كفارة الإفطار في القضاء، وهذه كفارة يمين يعني عشرة مساكين، كل مسكين مدًا، والمد هو كم؟ 750 غرام تقريبًا ثلاثة أرباع الكيلو. (أو إشباعه)، حتى لو كان أقل من المد.

قال: (فإن عجز عن الإطعام صام ثلاثة أيام). ويجب المضي فيه مع إفساده، يعني مو معناته أفسده بعد خلاص يأكل ويشرب لا يجب الإمضاء فيه عليه أن يمسك كما لو واحد أبطل صومه يجب عليه الإمساك هنا أيضًا يجب عليه الإمساك. والظاهر تكررها بتكرر السبب كأصله، أي أن الكفارة تتكرر بتكرر السبب كذلك الصوم ثلاثة أيام يتكرر بتكرر ذلك الإفطار نفس الشيء.

المسألة الثانية: ترتيب الكفارة

الكفارة في شهر رمضان والنذر المعين والعهد في أصح الأقوال فيهما: (عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا). اعتمادًا على صحيحة عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام).

وقيل هي مرتبة بين الخصال الثلاث والأول أشهر. من هو الذي يسند إليه القيل؟ هو الشيخ العماني والسيد المرتضى واعتمدوا على رواية علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).

هؤلاء قالوا من أفطر على محرم فكفارته كفارة جمع. ولو أفطر الصائم على محرم أي أفسد صومه به بالمحرم مطلقًا، أصليًا كان تحريمه كالزنا والعياذ بالله والاستمناء والخمر وغيره، وتناول مال الغير بغير إذنه، وغبار ما لا يجوز تناوله، ونخامة الرأس إذا صارت في الفم، أم عارضًا كوطء الزوجة في الحيض، وما له النجس.

تفصيل في النخامة

بالنسبة إلى النخامة، فرق العلماء بين النخامة الصاعدة من الصدر وبين النخامة النازلة من الرأس. بالنسبة إلى نخامة الرأس هذه محرمة بالأصل لوجود قول قديم يقول بأنها من الخبائث وقد حرم الله الخبائث. فالعلماء عندهم خلاف بالنسبة إلى النخامة، فمنهم قال: مطلق النخامة مفطر سواء كانت صاعدة من الصدر أو نازلة من الرأس مطلقًا، لكن متى تكون؟ إذا وصلت إلى فضاء الفم.

قال: (فثلاث كفارات)، وهي أفراد المخيرة سابقًا مجتمعة، على أجود القولين وهو قول الشيخ الصدوق في الكافي وابن حمزة وابن سعيد والعلامة والشهيد الأول والشهيد الثاني، فهؤلاء قالوا من أفطر على محرم فكفارته كفارة جمع.

المسألة الثالثة: استمرار المرض

قال: (لو استمر المرض) معه في شهر رمضان إلى رمضان آخر (فلا قضاء) لما أفطره، (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، هذا ما صار عنده مكنة من القضاء فلا قضاء عليه (ويفدي عن كل يوم بمد من طعام) في المشهور.

المسألة الرابعة: القضاء عن الميت

قال: (إذا تمكن من القضاء ثم مات قضى عنه أكبر ولده الذكور). الرواية تقول بأن الذي يقضي عن الميت هو أولى الناس بميراثه ولكن الفقهاء ذكروا الولد الأكبر. الرواية ذكرت الميت، والميت يصدق على الذكر ويصدق على الأنثى، فهل أن الأم إذا ماتت وعليها صلاة قضاء، هل الولد الأكبر يجب عليه أن يقضي عنها؟ الدليل دل على الأب فقط، ولكن إنصافًا النظر في الروايات يستدل من خلالها على أن الروايات مطلقة.

قال: (قضى عنه أكبر ولده الذكور) وهو من ليس له أكبر منه، وإن لم يكن له ولد متعددون مع بلوغه عند موته، فلو كان صغيرًا ففي الوجوب عليه بعد بلوغه قولان: القول الأول هو الذي ذهب إليه المشهور وقال بأنه عليه القضاء إذا بلغ لإطلاق الأدلة، والقول الثاني الذي ذهب إليه الشهيد الأول وقال بأن وجوب القضاء على الولد الأكبر فرع التكليف، والأصل هو الميت، وهذا فرع التكليف الذي كان على أبيه، وبما أن الولد الأكبر غير مكلف لأنه غير بالغ عند الموت فلا قضاء لأن الصبي مرفوع عنه القلم.

وقيل يجب القضاء وهذا القول قاله الشيخ علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق وابنه أيضًا الشيخ الصدوق وقاله الشيخ المفيد والقاضي ابن البراج والشهيد الأول، وقيل يجب القضاء على الولي مطلقًا من مراتب الإرث حتى الزوجين والمعتق وضامن الجريرة، ويقدم الأكبر من ذكورهم فالاكبر ثم الإناث، واختاره في الدروس (الشهيد الأول)، ولا ريب أنه أحوط. وقد دلت عليه صحيحة حفص عن الإمام الصادق (عليه السلام): (يقضي عنه أولى الناس بميراثه).

ولو مات المريض قبل التمكن من القضاء سقط، كما قاله الشيخ الطوسي والعلامة وابن إدريس الحلي، هذا هو المشهور. وفي القضاء عن المسافر لما فاته منه بسبب السفر خلاف، أقربه مراعاة تمكنه من المقام والقضاء.

ولو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض، وقيل يقضى عنه مطلقًا لإطلاق النص روايات متعددة وهي مطلقة كما في رواية منصور بن حازم ورواية أبي بصير ورواية أبي حمزة والفقهاء قالوا بالجمع بين هذه الروايات، فبالجمع بين هذه الروايات تكون النتيجة عند عدم التمكن من القضاء يجب القضاء، وعند تمكنه من القضاء يستحب القضاء عنه.

قال: (ويقضى عن المرأة والعبد ما فاتهما على الوجه السابق) -كالْحُرّ- لإطلاق النص ومساواتهما للرجل الحر في كثير من الأحكام. وقيل لا، لأصالة البراءة وانتفاء النص الصريح، والأول في المرأة أولى (عندنا رواية ابن أبي حمزة عن الإمام الصادق عليه السلام حيث كان السؤال عن المرأة). وفي العبد أقوى، والولي فيهما كما تقدم لورود النص بلفظ الرجل وهو يشمل العبد أيضًا.

وحيث لا يكون هناك ولي أو لم يجب عليه القضاء يتصدق من التركة عن كل يوم بمد في المشهور، خلافًا لبعضهم حيث ذهب إلى وجوب استئجار من يقضي عنه (ذهب ابن إدريس إلى وجوب استئجار من يقضي عنه). هذا إذا لم يوصي الميت بقضائه وإلا سقطت الصدقة حيث يقضى عنه.

ويجوز في الشهرين المتتابعين صوم شهر والصدقة عن آخر من مال الميت على المشهور وهذا خلاف ابن إدريس حيث حكم بوجوب قضاء الشهرين.

ولو صام المسافر حيث يجب عليه القصر عالمًا عامدًا، أعاد قضاء ما صامه للنهي المفسد للعبادة، ففي رواية يحيى بن أبي العلاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث أن رجلًا قال للنبي (صلى الله عليه وآله): (أصوم شهر رمضان في السفر؟ قال: لا). فهذه “لا” ناهية عن الصوم في السفر، والصوم عبادة، ومخالفة الأمر يقتضي الفساد؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده. ولو كان جاهلًا بوجوب القصر فلا إعادة. والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

التمرير إلى الأعلى