شرح أحكام الصوم: المحبوس والمسافر ومن نسي الغسل
مقدمة
أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين. ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
كان كلامنا في الدرس السابق حول إثبات شهر رمضان، وقلنا أن شهر رمضان كغيره من الشهور يثبت برؤية الهلال في أوله، وأما في آخره إما أن لم يُرَ الهلال الذي بعده فيكون بإكماله العدة ثلاثين يومًا، وإما أن يُرى فيكون 29 يومًا. وذكرنا بعد ذلك أنه من رأى الهلال حتى وإن لم يره غيره يجب عليه أن يعمل على ضوء ما رأى أو بشهادة عدلين أو بالشياع أو مضي 30 يومًا وإلى غير ذلك.
حكم المحبوس واشتباه الأشهر
توقفنا عند قول المصنف: (والمحبوس يتوخى على ظنه، فإن وافق أجزأ، وإن ظهر التقدم أعاد).
المحبوس الذي يجهل دخول شهر رمضان وغمّت عليه الشهور – يعني ماذا غمت عليه الشهور؟ يعني لا يعلم بأيها هو فيه، لا يعلم هذا شعبان وما بعده شهر رمضان أو لا – فغمت عليه الشهور. قال: (يتوخى) يعني يتحرى (شهرًا يغلب على ظنه) – يعني يجتهد حسب قدرته حسب استطاعته حسب ظنه الغالب – (أنه هو) يعني أنه شهر رمضان، فيجب عليه صومه.
(أحد الطلاب): شيخنا سؤال، زين إذا هو أول يوم دخل السجن ليش ما يبدي مثلاً يحسب مني؟
(المحاضر): إحنا كلامنا شيخنا فيما لو غمت عليه الشهور، أما إذا هو بدأ يحسب فبحسب حسابه، وأما إذا لا فبحسب اجتهاده وغلبه ظنه. بالنسبة إلى مسألة أنه يحسب كذا ما عندك كلام وياه هذا يضبط وياه شهر رمضان.
(أحد الطلاب): هو حتى لو حسب ما بيضبط، الشهور الهجرية تتفاوت.
(المحاضر): لا، قد يضبط. إحنا كلامنا فيما إذا جهل الشهر، فيجب عليه أن يتحرى شهرًا يغلب على ظنه أنه هو – يعني شهر رمضان – فيجب عليه صومه. (فإن وافق) – وافق فعلاً أنه شهر رمضان – (أو ظهر متأخرًا أو استمر الاشتباه أجزأ، وإن ظهر التقدم أعاد). إذا لا اتضح أنه صام شعبان يجب عليه إعادة.
ويلحق ما ظنه حكم الشهر في وجوب الكفارة في إفساد يوم منه، ووجوب متابعته وإكماله ثلاثين لو لم يرَ الهلال وأحكام العيد بعده من الصلاة والفطرة.
ولو لم يظن شهرًا تخير في كل سنة شهرًا مراعيًا للمطابقة بين الشهرين، يعني لا يفصل بين مختاره في هذه السنة ومختاره في السنة الأخرى أقل ولا أكثر من أحد عشر شهرًا، يعني معناه كل 11 شهر صام، صحيح يصير؛ لأنه السنة 12 شهر فكل 11 شهر صام صحيح يصير.
وقت الإمساك (الكف)
قال: (والكف) عن الأمور السابقة التي ذكرناها (وقته من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية) في الأشهر وخالف المشهور جماعة من الفقهاء كما ذهب إليه الشيخ الطوسي في الذكرى والفاضل الهندي صاحب كتاب كشف اللثام قالوا أن الغروب يتحقق بغياب القرص ولا يشترط غياب الحمرة المشرقية. يُنقل أيضًا أن الشيخ الصدوق يرى هذا الرأي أيضًا.
حكم المسافر والنية
قال: (ولو قدم المسافر بلده أو ما نوى فيه الإقامة عشرًا سابقة على الدخول) – أو مقارنة أو لاحقة قبل الزوال – (قبل الزوال). قدم إلى بلده في شهر رمضان ودخل إلى بلده قبل الزوال، أو لا، دخل إلى بلد سيقيم فيه عشرة أيام قبل الزوال، هني شسوي؟ فقط يجدد النية. لو كان مسافر ورجع إلى وطنه قبل الزوال ولم يتناول شيئًا فيجدد النية، أما لو تناول شيئًا فعليه أن يمسك تأدبًا ويسمى صوم التأدب ويقضيه لاحقًا.
قال: (ولو قدم المسافر بلده أو ما نوى فيه الإقامة عشرًا سابقة على الدخول أو مقارنة أو لاحقة قبل الزوال) ويتحقق قدومه برؤية الجدار – يعني يتحقق قدوم المسافر برؤية الجدار – أو سماع الأذان في بلده وما نوى فيه الإقامة قبله، يعني كيف يعني؟ هذا يسمونه حد الترخص. ولهذا حد الترخص متى ما وصل إليه فعليه أن… يحسب بداية السفر، إذا أراد أن يصلي يصلي قصرًا ويمكنه الإفطار. أما لو أنه لم يقطع المسافة التي لا تعد حدًا من حدود الترخص بحيث يرى المدينة يرى سور المدينة يسمع الأذان فهذا لا يجوز له أن يصلي قصرًا أو يفطر، لا يجوز له ذلك إلا إذا خفي سور المدينة ولم يسمع الأذان.
قال: (ويتحقق قدومه) – يعني قدوم المسافر – (برؤية الجدار أو سماع الأذان في بلده وما نوى فيه الإقامة قبله. أما لو نوى بعده من حين النية) – يعني بعد الدخول نوى بعد الدخول الزوال – (أو برئ المريض قبل الزوال) وهذا ظرف القدوم والبرء، يعني قبل الزوال برئ المريض ولم يتناولا شيئًا – القادم والمريض – لم يتناولا شيئًا من مفطر الصوم (أجزأهما الصوم)؛ لأنه قبل الزوال، أما بعد الزوال لا، بل وجب عليهما.
مسائل الصبي والكافر والحائض
بخلاف الصبي إذا بلغ بعد الفجر، والكافر إذا أسلم بعده أيضًا هذا لا يجب عليه أن يصوم هذا اليوم ولا هذا الصبي أن يصوم هذا اليوم.
قال: (والحائض والنفساء إذا طهرتا) يجب عليهما الصوم إذا طهرتا قبل الزوال.
قال: (والمجنون والمغمى عليه فإنه يعتبر زوال العذر) في الجميع قبل الفجر في صحته ووجوبه، وإن استحب لهم الإمساك بعده إلا أنه لا يسمى صومًا.
حكم قضاء الصوم
قال: (ويقضيه) أي صوم شهر رمضان (كل تارك له عمدًا أو سهوًا أو لعذر من سفر أو مرض وغيرهما)، إلا الصبي والمجنون إجماعًا ليس عليهما قضاء، والمغمى عليه في الأصح.
عندنا رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيها: (كلما غلب الله عليه فليس على صاحبه شيء). والمغمى عليه في الأصح، هنا عندما قال في الأصح أكو عندنا قاعدة كلية أنه يجب القضاء على من فاته الصوم أداءً، لكن في مقابل الأصح هناك قول يخالفه وهو السيد المرتضى والمفيد خالف المشهور، وأن المغمى عليه إذا نوى وأغمي عليه فلا قضاء، وإذا لم ينوي وأغمي عليه فعليه القضاء.
عندنا أيضًا رواية أيوب بن نوح عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عمن أغمي عليه يومًا أو شهرًا هل يقضي بعده أو لا؟ فكتب عليه السلام: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة).
الكافر الأصلي والمرتد
قال: (والكافر الأصلي). أما العارضي كالمرتد فيدخل في الكلية، الكافر الأصلي هذا لا يجب عليه قضاء الصوم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. وفي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان قال: (ليس عليه إلا ما أسلم فيه)، يعني ما فاته من الصوم لا قضاء عليه. هذا بالنسبة إلى الكافر الأصلي.
وأما الكافر العارضي – تارة متولد من أبوين مسلمين فهذا مرتد فطري، وتارة لا متولد من أبوين كافرين ثم أسلم ثم ارتد فهذا يسمونه كافر ملي – هذا الكافر الملي ارتد في بداية شهر رمضان، بعد شهر رمضان لما صار العيد رد رجع إلى الإسلام، نقول له يجب عليك قضاء، يدخل تحت القاعدة الكلية، لماذا؟ باعتبار أنه يُنظر إلى كونه مسلمًا ثم صار كافرًا، أما لو كان الكفر سابق والإسلام لاحق هذا ما يقضي.
مسألة نسيان غسل الجنابة
قال: (مسائل: الأولى: من نسي غسل الجنابة قضى الصلاة والصوم في الأشهر). والمشهور اعتمد على صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وغيرها عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (عليه أن يقضي الصلاة والصيام).
وأما الصلاة فموضع وفاق للقاعدة (لا صلاة إلا بطهور). وإنما الخلاف في الصوم؛ لأن الصوم لا يبطل إلا في حال تعمد البقاء على الجنابة حتى يصبح، وهذا غير متعمد البقاء على الجنابة وهو ناسي الغسل، فنقول له أعد صلاتك وصومك صحيح؟ نقول: أما إعادة الصلاة إنما لقاعدة الطهارة (لا صلاة إلا بطهور)، وبما أنه ما زال جنبًا إذن كل الصلوات التي صلاها باطلة.
لكن بالنسبة إلى الصوم ما يجب عليه القضاء؟ ليش ما يجب عليه القضاء؟ لأنه مسألة الجنب في نهار شهر رمضان لا يتوقف صحة الصوم على الطهارة إلا في بداية دخول اليوم، ولهذا لو واحد بعد ما صلى الصبح احتلم قال ما أنا مغتسل الحين بغتسل لصلاة الظهر مرة وحدة، هل صومه فيه شيء؟ صومه صحيح. إذن الصوم لا يتوقف في صحته إلا في دخوله أن لا يكون جنبًا، أن لا ينام على جنابة حتى يصبح. ففي هذه الحالة هذا غير متعمد هذا ناسي، فبالنسبة للصلاة يجب عليه القضاء وأما الصوم فلا.
حكم المنذور المعين والفدية
وفي حكم شهر رمضان المنذور المعين. إذا كان قد نذر قال: لله علي لئن رزقني الله ولدًا ذكرًا سويًا لأصومن في كل خميس، ولكن يوم الخميس هذا أجنب ونسي أن يغتسل، نقول يجب عليه أن يقضي الصلاة والصوم، وكذلك المنذور المعين يعامل معاملة شهر رمضان تمامًا.
ويشكل الفرق على هذا بينه وبين ما ذكر قبل من عدم قضاء النائم، وبين ما ذكر من عدم قضاء ما نام فيه وأصبح، الطهارة عن الأكبر إن كانت شرطًا في الصحة وجب الحكم بالبطلان في الصورتين، وإلا لزم الحكم بالصحة فيهما. وربما جُمع بينهما بحمل وجوب قضاء الصوم على الناسي وتخصيص ذاك بالنائم عالمًا عازمًا، يعني هو يدري أنه جنب وعالم بالجنابة وعازم يغتسل لكن قعد الصبح سبح وراح العمل واستمر ونسي، فهل يجب عليه قضاء الصوم؟ هذا ناسي.
مسألة الفدية والقضاء للمريض والشيخ
لابد من تقييدها بعدم قيام غير القضاء مقامه، ليخرج الشيخ والشيخة وذو العطاش ومن استمر به المرض إلى رمضان آخر، فإن الفدية تقوم مقام القضاء. ويستحب المتابعة في القضاء لصحيحة عبد الله بن سنان.
ورواية عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) تتضمن استحباب التفريق. سالته عن الرجل يكون عليه أيامًا من شهر رمضان كيف يقضيها؟ قال (عليه السلام): (إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يومًا، وإن كان عليه خمسة أيام فليفطر منهم أيامًا وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، وإن كان عليه ثمانية أيام أفطر بينهما يومًا). وعمل بها بعض الأصحاب لكنها تقصر عن مقاومة تلك (صحيحة عبد الله بن سنان) فكان القول بالأول أقوى. وكما لا تجب المتابعة لا يجب الترتيب.