عنوان الدرس:

الزكاة - 6

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد جعفر السعيد

اسم الدورة: الروضة البهية - الزكاة - 1447هـ
تسلسل الدرس 6
تاريخ الدرس 13/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--


شرح أحكام دفع الزكاة وزكاة الفطرة

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

حكم دفع الزكاة للإمام أو نائبه

كلامنا في لمن تدفع الزكاة. قال: (ويجب دفعها إلى الإمام مع الطلب بنفسه أو بساعيه). باعتبار أن الإمام هو الولي المطلق، فيجب الدفع إليه؛ لأن الإمام سلام الله عليه هو حجة الله على العباد، كما في قول الإمام صاحب العصر والزمان سلام الله عليه: (أنا حجة الله عليكم وأنتم حجج الله في الخلق).

قال: (لوجوب طاعته مطلقاً)، مو بس في الزكاة، في الزكاة وفي غيرها. قيل: وكذا يجب دفعها إلى الفقيه الشرعي في حال الغيبة؛ لماذا؟ لأن الإمام سلام الله عليه أمرنا باللجوء إلى الفقهاء وتقليد الفقهاء. (وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه). وكذلك قول الإمام صاحب العصر والزمان: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجة الله عليكم وأنا حجة الله)، فهو حجة الله. فهؤلاء استمدوا حجتهم من حجة المعصوم سلام الله عليه، فهم نواب عن الإمام سلام الله عليه. غاية ما في الأمر أن النيابة الخاصة قد انتهت بالغيبة الصغرى، فهؤلاء يمثلون الإمام على نحو النيابة العامة، فأمرهم واجب. فإذا طلب الفقيه أن تسلم له الزكاة يجب تسليمها إليه.

قال: لو طلبها بنفسه أو وكيله، تارة لا، تارة وكيل هذا الفقيه هو الذي يطلب أن تسلم الزكاة له، فيجب؛ (لأنه نائب للإمام كالساعي بل أقوى)، بل هو أقوى من الساعي باعتبار أنه يمثل الفقيه، والفقيه يمثل الإمام سلام الله عليه.

مخالفة المالك للأمر وتلف المال

(ولو خالف المالك وفرقها بنفسه لم يجزئ)؛ للنهي المفسد للعبادة. حيث إن أمر الإمام عليه الصلاة والسلام وطلب الإمام عليه السلام يقتضي النهي عن مخالفته؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فالأمر بوجوب تسليمها إليه يقتضي النهي عن تسليمها لغيره، فهذا مفسد للعبادة. وبما أن أداء الزكاة عبادة والنهي في العبادة مقتضٍ لفسادها، فالزكاة التي يخالف في إعطائها لغير ما أمر الإمام عليه الصلاة والسلام به تقع باطلة، فالعبادة تقع فاسدة فلا تكون مجزية. واضح هذا شيخنا؟

قال: (وللمالك استعادة العين مع بقائها). المالك الذي دفع قال له تعال انت شو اللي دفعت؟ الإمام يقول لازم تسلمها إليه أو تسلمها إلى الفقيه أو إلى وكيله، قال أنا ما أدري ودفعت، نقول له روح خذها، روح للفقير واسترجعها منه. قال: (وللمالك استعادة العين مع بقائها)، يعني المالك دفع المال، دفع الزكاة إلى الفقير باختياره، وعندما تلف هذا المال كأنما هو الذي تسبب بتلفها؛ لأنه عندما أعطاه لهذا الفقير فقد سلطه على هذا المال والفقير أتلف هذا المال. ففي هذه الحالة يمكنه استرجاع هذا المال في صورتين:

  • الأولى: إذا كانت العين باقية ولم يتلفها الفقير، سواء كان عالماً بواقع الأمر أو لا. تارة الفقير ما يدري أنه يجب أن تسلم للإمام أو للفقيه، ما يدري، قال له أنت محتاج؟ قال نعم أنا محتاج، قال تفضل. وتارة لا، تارة الفقير يدري أنه لابد أن تسلم إلى الفقيه.
  • والثانية: يكون الفقير عالماً بأن تسليم هذه الزكاة إليه فاسد، مخالف لأمر الإمام فهو فاسد، فيجب عليه إرجاع العين إلى مالكها سواء تلفت أو لم تتلف؛ لأنه كان يعلم بعدم استحقاقه للمال وتصرف في هذا المال.

المبادرة بدفع الزكاة للفقيه

قال: (ودفعها إليه ابتداءً من غير طلب)، يعني من غير طلب الإمام أو نائبه، أي معناه لا في أمر من الإمام ولا من نائب الإمام، متى صار الأمر؟ بعقب ما دفع. نقول هذا لا يخضع لاسترجاعها؛ لأن الأمر ما صدر قبل الدفع، وإنما بعد أن حصل الدفع أصدر الإمام الأمر مثلاً أو الفقيه.

وقيل والقائل المفيد والتقي -من هو التقي؟ هو أبو الصلاح الحلبي صاحب كتاب الكافي في الفقه، وهو الذي يسمى الشيخ تقي الدين بن نجم الدين الحلبي، وهذا الشيخ الحلبي كان معاصراً للشيخ الطوسي وقرأ عليه وعلى السيد المرتدى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ووصفه الشهيد الثاني قدس سره بقوله: الشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الحلبية، شوف شلون- قال: ويجب دفعها ابتداءً إلى الإمام أو نائبه. ومع الغيبة إلى الفقيه المأمون. لماذا قال الفقيه المأمون؟ لأن الفقيه هذا عنوان عام، قد يكون حتى المخالف فقيه، فلو قال إلى الفقيه فقط لقد يفهم منه المخالف، وهذا ما يصير ما يمكن، لا تحمل عبارة على هذا ولكن قيده بالمأمون، حتى وإن كان فقيهاً من المؤمنين ولكن غير مأمون ما تدفع له، شوف شلون.

وألحق التقيُّ الخمسَ محتجين بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. والإيجاب عليه يستلزم الإيجاب عليهم -على من؟ على الدافع- والنائب كالمنوب. يعني إيجاب الأخذ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستلزم إيجاب الدفع على أصحاب الزكاة، يجب عليهم أن يدفعوا. وبما أن الفقيه نائب عن المعصوم، سواء كان عن النبي صلى الله عليه وآله أو عن الأئمة سلام الله عليهم أجمعين، فالحكم يجري بالنسبة إليهم أيضاً، فيجب الدفع إلى الفقيه كما يجب الدفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى الإمام المعصوم. قال: والأشهر الاستحباب.

تصديق المالك واحتساب الزكاة

قال: (ويصدق المالك في الإخراج بغير يمين). ما يحتاج إذا جينا للمالك وقلنا له بالزكاة قال أنا دفعتها، يصدق، ما يحتاج يقول له تعال احلف يمين إنك دفعت، لا. (لأن ذلك -أي الإخراج- حق له كما هو عليه)، أي كما هو حق للفقراء على المالك فهو حق أيضاً للمالك، فلا يوجد عندنا مدعٍ ومنكر حتى نقول له تعال احلف يمين. ولا يعلم إلا من قبله.

قال: (وجاز احتسابها من دين وغيره). يعني شلون؟ يعني ممكن أنه أعطى الفقير ديناً ولما صارت الزكاة احتسبها عليه، ولما جاؤوا إليه قال له زكاتك؟ قال أنا دفعتها خلاص، ما يحتاج يقول له تعال احلف، أو دفعت أعطيتها منه ما منه، المقاصة يعني. وكذا تقبل دعواه عدم الحول وتلف المال وما ينقص النصاب ما لم يعلم كذبه، ولا تقبل الشهادة عليه في ذلك.

إلا مع الحصر، يعني لو ادعى المالك أنه صرف الزكاة في مصرف خاص معين، قال أنا صرفت الزكاة في سبيل الله مثلاً أو أنا أعطيتها معين جنس معين من الفقراء في المكان الفلاني مثلاً، فأنكر الشاهد على ذلك، قال لا لا مو صحيح كلامه، وشهد بأنه كان حاضراً وهذه الزكاة بدل ما يعطونها الفقراء راح باعها واستلم فلوسها، هنا غير، هنا يختلف. لأنه نفي، فليش ما قبلوه؟ لأن هذا نفي لعدم قبول الشاهد في صورة عدم الحصر. ويستحب فقط يقبل الشاهد في الحصر أما عدم الحصر ما يقبل الشاهد.

تقسيم الزكاة على الأصناف

قال: ويستحب قسمتها على الأصناف -أي أصناف؟ الثمانية، وقلنا من الفقهاء من قال كم؟ سبعة، ليش؟ (لأن الفقير والمسكين صنف واحد)- لما فيه من فضيلة التسوية بين المستحقين، وعملاً بظاهر الاشتراك وإعطاء جماعة من كل صنف اعتباراً بصيغة الجمع؛ لأن الآية المباركة ذكرت كل صنف بلفظ الجمع للفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، ولا يجب التسوية بينهم بل الأفضل التفضيل بالمرجح.

ويجوز الدفع إلى الصنف الواحد والفرد الواحد منه، لما ذكرناه من كونه لبيان المصرف فلا يجب التشريك. ويجوز الإغناء -يعني تعطيه بما يغنيه- وهو إعطاء فوق الكفاية، تخليه يصير غني، إذا كان دفعة واحدة لاستحقاقه حال الدفع، والغنى متأخر عن الملك فلا ينافيه، ولو أعطاه دفعات امتنعت المتأخرة عن الكفاية.

وأقل ما يعطى المستحق استحباباً ما يجب في أول نصب النقدين -نصف مثقال من الذهب وخمسة دراهم من الفضة- إن كان المدفوع منهما وأمكن بلوغ القدر. ولو كان المدفوع من غير النقدين ففي تقديره بأحدهما مع الإمكان وجهان.

الدعاء للمزكي

ويستحب دعاء الإمام أو نائبه للمالك عند قبضها منه، للأمر به في قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)، بعد أمره بأخذها منهم، والنائب كالمنوب. وقيل -وهذا القول قاله المحقق والشهيد الأول والشهيد الثاني رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-: يجب لدلالة الأمر عليه، لأن صلِّ صيغة أمر (افعل)، وصيغة افعل تدل على الوجوب. ويجوز بصيغة الصلاة للاتباع (اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانوا يدعون لهم بلفظ الصلاة: اللهم صل وزد وبارك عليكم فيما أنفقتموه… والأصل هنا عدم النقل، لأن معنى الصلاة لغة هو الدعاء، والأصل هنا عدم نقلها إلى ما هو المنصرف أن لفظ الصلاة هي ذات الأركان من الركوع والسجود، فالأصل بقاؤها على معناها الأول ما لم يعلم النقل.

زكاة الفطرة (زكاة الأبدان)

ندخل فصل جديد، الفصل الرابع في زكاة الفطرة. وهذه تسمى زكاة الأبدان، ويطلق على الخلقة وعلى الإسلام. كلمة الفطرة يعني خلقة الإنسان، يولد المرء على الفطرة… وتطلق (الفطرة) على الخلقة وعلى الإسلام، والمراد بها على الأول: زكاة الأبدان مقابل المال، وعلى الثاني: زكاة الدين والإسلام.

ومن ثم وجبت على من أسلم قبل هلال شوال. ويجب على البالغ العاقل الحر، لا على الصبي والمجنون والعبد، بل على من يعولهم إن كان من أهلها. ولا فرق في العبد بين القن والمدبر والمكاتب، يجب على مولاه أن يدفع الزكاة عنه، إلا إذا تحرر بعض المطلق فيجب عليه بحسابه.

وفي جزئه الرق والمشروط قولان، أشهرهما وجوبهما على المولى ما لم يعله غيره. ويجب على البالغ العاقل الحر المالك قوت سنته فعلاً أو قوة، فلا تجب على الفقير. ولا يشترط في مالك قوت السنة أن يفضل عنه أصواع بعدد من يخرج عنه، فيخرجها عنه وعن عياله من ولد وزوجة وضيف وخادم وخادمة وإلى غير ذلك، ولو تبرعاً.

حكم الضيف

والمعتبر في الضيف وشبهه صدق اسمه قبل الهلال ولو بلحظة. ومع وجوبها عليه (أي على من وجبت عليه الزكاة) تسقط عنهم وإن لم يخرجها، حتى لو أخرجوها تبرعاً بغير إذنه لم يبرأ من وجبت عليه، وتسقط عنه لو كان بإذنه. ولا يشترط في وجوب فطرة الزوجة والعبد العيلولة (أي الاعالة)، بل تجب مطلقاً لأنها من ضمن عياله، ممن تجب عليه. نعم يشترط كون الزوجة واجبة النفقة، فلا فطرة للناشز والصغيرة.

مقدار ونوع زكاة الفطرة

وقدرها صاع -والصاع كم؟ يقول أربعة أمداد، والمد كم؟ 750 غرام إلا، فيطلع المجموع قرابة ثلاثة كيلوات- وقدرها صاع عن كل إنسان من الحنطة أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأقط (وهو لبن جاف) أو اللبن. وهذه الأصول مجزية، وأفضلها التمر لأنه أسرع منفعة وأقل كلفة، ولاشتماله على القوت والإدام. ثم الزبيب لقربه من التمر في أوصافه. والصاع تسعة أرطال ولو من اللبن في الأقوى. ويجوز إخراج القيمة بسعر الوقت من غير انحصار في درهم عن الصاع أو ثلثي درهم. وتجب النية فيها وفي المالية من المالك أو وكيله عند الدفع.

والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


التمرير إلى الأعلى