عنوان الدرس:

الدرس 9

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 9
تاريخ الدرس 05/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

مناقشة دلالة آية تعظيم الشعائر على العموم

بسم الله الرحمن الرحيم، كان الكلام فيما تقدم فيما أفاده الفاضل النراقي (قدس الله تربته الطاهرة) من البناء على عدم دلالة الآية القرآنية (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) على العموم، وأن مفادها الدلالة على أسرار الحج ومعالم ومناسك وما شابه، فلا تصلح الآية القرآنية عاماً فوقياً لإثبات مطلوبية الشعائر الإلهية ببيان مضى.

وقد استند المحقق النراقي (قدس سره) في النتيجة التي قررها إلى قرائن أربع أشرنا إليها، ثم عمدنا إلى تأييد مختار الفاضل النراقي من خلال أمور ثلاثة: ملاحظة الاستعمال القرآني لمفردة الشعيرة، ملاحظة كلمات المفسرين في الآيات التي نقلناها، وأخيراً ملاحظة النصوص الشريفة الواردة في تفسير الآيات المذكورة.

مناقشات الفاضل المعاصر لإشكالات النراقي

إن بعض فضلاء العصر (وفقه الله) أجاب عن ما أفاده الفاضل النراقي (قدس سره)، فمنع القرائن الأربع التي بنى عليها الفاضل النراقي استدلاله لمنع دلالة الآية القرآنية على العموم. ومن خلال جوابه عن القرائن الأربع الواردة في كلام المحقق النراقي ستكون النتيجة البناء على تمامية دلالة الآية القرآنية على العموم وصلاحيتها للاستدلال.

أولاً: المناقشة اللغوية في جمع (الشعائر)

أما بالنسبة إلى القرينة الأولى والتي استند إليها الفاضل النراقي؛ للتذكير ملخصاً: (قال الفاضل النراقي إنما يصلح الاستدلال بالآية القرآنية للدلالة على العموم لو كانت كلمة الشعائر جمعاً لكلمة شعار وليست جمعاً لكلمة شعيرة، أما لو كانت جمعاً لكلمة شعيرة التي هي البُدنة أو البدنة، فإن الآية القرآنية ستكون أجنبية عن المقام). ومع عدم إمكان ترجح أحد المحتملين على الآخر بأن تكون كلمة الشعائر جمعاً لكلمة الشعار أو جمعاً لكلمة الشعيرة، سيكون المورد من صغريات الإجمال، وبالتالي لا تصلح الآية القرآنية للدلالة.

الفاضل المعاصر أجاب عن ذلك فقال: بأن دعوى الإجمال الناشئة من تردد المعنى غير سديدة؛ لوجود معنى جامع بين سائر المعاني المحتملة للشعائر التي ذكرها أهل اللغة. واختلاف التعيين (هذا أو ذا أو ذا) يرجع إلى اختلاف اللحاظ والحالة. فسواء قلنا أن الشعائر جمع شعار أو قلنا أن الشعائر جمع شعيرة، فإن المعنى المشترك واحد، وبالتالي يترتب الأثر.

ثانياً: الخلط بين المفهوم والمصداق

لو بنينا على أن الشعائر جمع شعيرة، فإن تفسير الشعيرة بالبُدنة أو البدنة ليس وجيهاً؛ لماذا؟ قال: لأنه من مصاديق الخلط بين المفهوم والمصداق؛ فإن البُدنة مصداق للشعيرة وليست معناها، بحيث لا يدل على غيرها. فيكون تفسير الشعيرة بالبُدنة من صغريات من عرّف الماء بماء النهر، فإنه لا يدل على أن ماء المطر أو أن ماء البحر ليس ماءً، كما هو الحال في سائر المعاني التي تفسر بالمصاديق.

وبكلمة مختصرة، كان إشكال الفاضل المعاصر الثاني خلاصته: أن المحقق النراقي لم يفرق بين المفهوم والمصداق، وكان ينبغي عليه أن يفرق بينهما، خلطه بينهما أوجب هذا المعنى.

ثالثاً: الإضافة التشريفية والعموم

فيما يتعلق بالقرينة الثانية، وهي أن الإضافة في المقام إضافة تشريفية وليست إضافة حقيقية، ومقتضى الإضافة التشريفية تستدعي أن يكون في المقام مقدر حتى يثبت الغرض، وعندها يحتمل أن يكون المقدر كذا أو كذا (دين الله، طاعة الله..)، أجاب عن هذه القرينة بأن التردد في المضاف إليه المقدر لا تخل بالدلالة، وذلك لأمرين:

  1. ما ثبت في علم الأصول من أصالة العموم في كل دلالة عامة حتى يثبت التخصيص. فبالتالي سواء كانت دين الله، طاعة الله، إلى آخره، فهذا عموم شامل للجميع. ومجرد احتمال وجود معانٍ مقدرة قد توجب تخصيص الدلالة لا تضر؛ لأن الاحتمال الضعيف لا يمنع من التمسك بظهور العام في عمومه.
  2. على فرض التسليم بما ذُكر، إلا أن المعاني المقدرة المحتملة تنطبق على الشعائر الدينية، فيترتب الأثر.

رابعاً: الشعائر بين التعبدية والتوصلية

إن قلت: ذكر المحقق النراقي بأن المفروض أن الشعائر أمور توصلية وليست أموراً تعبدية، فبالتالي يعتبر في إضافتها إلى الله عز وجل قصد القربة مع أن الشعائر لا يعتبر فيها ذلك. يجيب الفاضل المعاصر عن هذا الأمر بأن القول بأن الشعائر من التوصليات وليست من التعبديات في غير محله؛ فإن الشعائر من الأعمال العبادية بالمعنى الأعم، لوجود ملاك الأمر فيها.

وقد قرروا في الأصول صحة الإتيان بالعمل بداعي امتثال الأمر، ويكون عبادياً. بل الظاهر تعلق الأمر بجملة منها مما يكشف عن كونها محبوبة شرعاً. والأعمال العبادية بعضها خاص وهي الأعمال التعبدية ويراد منها الأعمال التي تكون مشروطة بقصد القربة فلا يصح الإتيان بها من دون هذا القصد وإلا وقعت باطلة (مثل الصلاة والصوم والحج).

وبعض الأعمال العبادية عام، يراد بها الأعمال التي يؤتى بها بقصد وجود المحبوبية الشرعية فيها لأجل تحصيل الثواب ومزيد التقرب إلى الله عز وجل، مثل صلة الرحم وعقد النكاح. هذه الأعمال متوسطة بين التوصليات والتعبديات، فإنها تحظى بملاك الاثنين، ولذا يترتب الثواب عليها وينال العبد فيها القرب من الله عز وجل. إذا أوجدها من دون قصد القربة كانت صحيحة، ولو أوجدها مع قصد القربة كانت أفضل وأفضل.

مثلاً، نص الفقهاء على أن النكاح فيه شبه بالعبادة وهو أفضل من الانقطاع للعبادة. وفي الأخبار (أن من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر)، فإذا كان الزواج يوجب إحراز نصف الدين، ألا يعني ذلك فيه شبه بالعبادة؟

وقد أثار أحد الفضلاء إشكالاً بأن النكاح عبادة وليس مجرد مشابهة، والجواب: نعم، النكاح ليس قصد القربة فيه عنصراً مقوماً، فهو عمل توصلي، مع ذلك نجد النصوص الشريفة أخبرت عنه بما يناسب العبادات التي تتضمن عنصراً مقوماً، مما يعني أنه نزل منزلة هذه العبادات، ولذا قلنا فيه شبه بالعبادة. وكذلك الرواية الواردة (أحب بناء في الإسلام يحبه الله سبحانه وتعالى هو التزويج)، فإذا تزوج العبد بداعي هذه المحبوبية الشرعية للزواج يكون عمله عبادة وفيه الثواب والقرب.

إذن، ما قام به الأصوليون من التصنيف للأوامر إلى توصلية وتعبدية، ما يعني الانحصار فيهما، لأن يجمعهما عنوان الأمر العبادي. تعظيم الشعائر الدينية من هذا القبيل، فهي في الوقت الذي يراد الوصول بها إلى تعظيم الدين وإعلاء كلمته، يقصد بها أيضاً تحصيل الثواب والتقرب من المولى سبحانه وتعالى.

مناقشة الاستشهاد بالروايات

نعم، لو كان المقدر في المقام هو الحج خاصة – كما احتمله قوياً الفاضل النراقي في البداية – ستكون الآية خارجة حينئذ عن المدعى، وسيكون مدلول الآية أجنبياً عن المقام. وقد يقول قائل: لم لا يكون المقدر هو الحج خاصة؟ أجاب الفاضل المعاصر: يصعب البناء على أن يكون المقدر هو الحج خاصة؛ لعدم وجاهة هذا المعنى في نفسه لما ذكرناه من أن دلالة الآية على الحج ومناسكه من باب المثال وبيان المصداق، أو من باب أظهر المصاديق وأجلاها، لا من باب الحصر.

ويشهد لما ذكرناه بعض النصوص، فقد دلت على أن تفسير الشعائر بالأضحية من باب تطبيق المعنى الكلي على مصداقه. ومن الروايات التي نقلناها ويستشهد بها الفاضل المعاصر: صحيحة معاوية بن عمار، قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا رميت الجمرة فاشتر هديك، إن كان من البدن أو البقر، وإلا فاجعله كبشاً سميناً فحلاً، فإن لم تجد فموجوء من الضأن، فإن لم تجد فتيس فحلاً، فإن لم تجد فما تيسر عليك، وعظم شعائر الله عز وجل).

فإن قوله (وعظم شعائر الله) تضمن صيغة الأمر وهي تدل على الوجوب، كما أنه ظاهر في أنه كبرى كلية طبقت على مصاديقها المذكورة. وعليه لو تمت الدلالة فإنها تكون قرينة على حمل الروايات التي فسرت الشعائر بالبُدن على بيان المصداق، وسيأتي مزيد تفصيل في البحث القادم إن شاء الله.

التمرير إلى الأعلى