بحث دلالة آية تعظيم شعائر الله: بين العموم وخصوصية مناسك الحج
كان الكلام في دلالة قوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) على استفادة وجوب أو استحباب تعظيم شعائر الله، وهل المقصود من ذلك مطلق عنوان الشعائر من دون تخصيص بشيء دون شيء؟
وقد تعرضنا لكلام المحقق النراقي (قدس الله تربته الطاهرة)، والذي تضمن منع دلالة الآية القرآنية على العموم من خلال قرائن أربع. وقد ذكرنا في البحث الماضي أنه يمكن أن يؤيد ويدعم مختار المحقق النراقي بالالتزام بعدم دلالة الآية القرآنية على العموم من خلال جوانب متعددة.
أدلة اختصاص “الشعائر” بمناسك الحج
إن ملاحظة الاستعمال القرآني للفظة “الشعائر” تفضي بنا إلى نتائج محددة، وذلك من خلال استعراض الآيات التي وردت فيها هذه اللفظة:
1. السياق في سورة الحج
إن مجموع الآيات القرآنية التي وقعت الآية محل البحث فيها -وهو ما يقرب من ثلاث عشرة آية- تتحدث عن تشريع فريضة الحج وما يرتبط بمناسك الحج ومعالم الحج ببيان مضى. وهذا كله يساعد على أن يكون المقصود من الشعائر في الآية القرآنية هذا المعنى، وليس المقصود مطلق الشعائر الإلهية.
2. قرينة كلمات المفسرين
لقد نقلنا أسماء عدة من علماء التفسير بنوا على أن المقصود من الشعائر في الآية وخصوص الشعائر الخاصة (مناسك الحج)، وأشرنا لمجموعة من الروايات المساندة والمساعدة على ذلك.
3. المؤيد القرآني من سورة المائدة
قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
لو تأملنا الآية القرآنية محل البحث، سنقف على أن السياق الذي قد وردت فيه يساعد على أن المقصود بمفردة الشعائر فيها: معالم الحج ومناسكه؛ فهي بصدد الحديث عن حرمة الصيد في الحج حال الإحرام، والنهي عن استباحة ذلك في هذه الحدود.
وهذا ما أشار إليه المحقق البوجنوردي (قدس سره) في كتابه (القواعد الفقهية) حيث قال:
(وأما قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ…” وإن كان النهي ظاهراً في التحريم كما قرر في الأصول، ولكن ليس المراد من إحلال شعائر الله هو إهانة ما هو محترم في الدين كي يكون دليلاً على حرمة مطلق إهانة المحترمات، بل الظاهر منها بقرينة فقرات البعد -أي السياق- هي حرمة ترك فرائض الحج ومناسكه).
4. أسباب النزول والروايات المفسرة
لا يوجد عندنا في المقام إلا رواية واحدة نقلها الشيخ الطوسي (قدس سره) في التبيان يبين فيها سبب نزول الآية القرآنية، وملخصها: أن الحطم بن هند البكري أتى النبي (صلى الله عليه وآله) ثم خرج من عنده، وأراد المسلمون التعرض له، فنزلت الآية تنهاهم عن ذلك لأنهم قاصدون البيت الحرام. فنزلت: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ). وهذا الحديث كله منصب على مسألة معالم الحج ومناسك الحج، فيكون المقصود بالشعائر هذا المعنى.
كما توافق المفسرون -كابن عباس وابن جريج والسدي والجبائي والبلخي- على أن المقصود بالشعائر في الآية معالم الحج ومناسكه.
وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي، جاء التصريح: (الشعائر: الإحرام والطواف والصلاة في مقام إبراهيم والسعي بين الصفا والمروة ومناسك الحج كلها من شعائر الله).
5. استعمال اللفظة في الصفا والمروة والمشعر
يقول عز من قائل: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا). نجد أن الآية القرآنية قد طبقت “شعائر الله” على معالم الحج ومناسكه (الصفا والمروة).
وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، و”المشعر” من مشتقات كلمة الشعيرة والشعائر، وهو موضع محدد في الحج.
الخلاصة والنتيجة
إن الاستعمالات القرآنية كلها تؤكد على نقطة واحدة: أن المقصود بالشعائر عبارة عن معالم الحج ومناسكه، مما يعني أن قوله تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) المقصود بشعائر الله في الآية: معالم الحج ومناسك الحج، وليس المقصود بذلك شيئاً آخر يغاير هذا المعنى.
وهذا يجرنا إلى حقيقة شرعية ثابتة لمفهوم الشعائر، وهي أنها لا تتجاوز فريضة الحج وأعلامه. وعليه، لا يمكن أن تستعمل هذه المفردة استعمالاً دينياً شرعياً في الحقائق أو المفردات الدينية الأخرى (كالشعائر الحسينية مثلاً) إلا إذا كان الاستعمال لغوياً أو مجازياً، وليس تأسيساً على دلالة هذه الآية بالخصوص.