عنوان الدرس:

الدرس 8

اسم الأستاذ:

الشيخ محمود العالي

اسم الدورة: غسل الأموات - شرحًا على منهاج الصالحين للسيد السيستاني
تسلسل الدرس 8
تاريخ الدرس 08/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

حكم الغسل الارتماسي للميت

كان الكلام في أن غسل الميت يصح بنحو الارتماس، أو لا يجزي فيه إلا الترتيبي. المشهور بين الفقهاء أنه لا يصح الارتماس في غسل الميت، بل لا بد من الترتيب.

أدلة القول بالمنع

واستدلوا على ذلك بدليلين:

الدليل الأول: ظهور النصوص في الترتيب. هذا الاستدلال الذي ذكرناه بالأمس يحتاج إلى شيء من التعميق. والمقصود من ظهور النصوص في الترتيب، هل ظهورها بمعنى أنها دالة على الترتيب، أم ظهورها في تعيُّن الترتيب؟

إن كان المقصود من ظهورها في الترتيب بهذا المعنى، أي أنها ظاهرة في الترتب، بأن يغسل الرأس أولاً، ثم يغسل الجانب الأيمن، ويغسل الجانب الأيسر، فإن كان المقصود هذا المعنى فهذا لا مجال لإنكاره، بحيث إن جملة من النصوص، ولو بمجموعها من ضم بعضها إلى بعض، يكون لها ظهور في الترتيب بهذا المعنى، أي دالة على الترتيب. أما إذا كان المقصود من ظهور النصوص هو تعيُّن الترتيب، فهذا ما يشتغل. وإن كان المقصود من ظهورها في الترتيب بهذا المعنى تعيُّن الترتيب، فإذا كان مقصود ظهورها في تعيُّن الترتيب، فهذا لا دلالة فيها على ذلك. هي ظاهرة في الترتيب، ولو بمعونة ضم بعضها إلى بعض، تدل على الترتيب بهذا المعنى: بدء غسل الرأس ثم ميامن الميت ثم مياسره. وإن كان المقصود تعيُّن الترتيب بحيث لا يجزي الارتماس، فهذا يوجد مجال لإنكاره. اقرأوا روايات الماضية التي قرأناها، فهل هي ظاهرة في تعيُّن الترتيب؟ بحيث تقول بأنه لا بد من الترتيب ولا يجزي غيره؟ هذا لا ظهور لها فيه، مع غض النظر عن الإشكال الآخر الذي ذكرناه بالأمس.

بعد التأمل يمكن أن يقال: لا ظهور للروايات في تعيُّن الترتيب. والذي ينفع هو أن تكون هذه الروايات ظاهرة في تعيُّن الترتيب، وأن الترتيب هو المتعين بحيث إن الارتماس لا يجزي. هذا المهم الذي لا بد من إثباته، وهذا المعنى يمكن أن ننكره، فنقول الروايات ليس لها ظهور في تعيُّن الترتيب، وإن كانت دالة على الترتيب. دالة على الترتيب بمعنى أنه لا يصير أن يبدأ الإنسان قبل الرأس بجسده، ولا يصير أن يبدأ بالجانب الأيسر قبل الجانب الأيمن، فلا بد من الترتيب بهذا النحو، بأن يبدأ بالرأس ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر. بهذا المعنى نحن نسلم بأن هذه الروايات ظاهرة في الترتيب. أما بمعنى تعيُّن الترتيب وعدم إجزاء الارتماسي، فهذا لا دلالة لهذه النصوص على ذلك، ويحتاج إلى تأمل زائد.

أدلة القول بالجواز

القائلون بجواز الارتماس في غسل الميت، بمعنى أنه كما يجزي الغسل الترتيبي، يسقط الترتيبي بالارتماس، بأن يرمس الميت ثلاث رمسات، استدلوا بدليلين:

الدليل الأول: هو ما ورد من تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة. واستفادوا من هذا التشبيه اتحاد غسل الجنابة مع، أو اتحاد غسل الميت مع غسل الجنابة في جميع الأجزاء والشرائط والكيفية. بمعنى أن ما دل على أن غسل الميت هو غسل الجنابة، هو تشبيه مو فقط من حيث الوجوب، وإنما تشبيه من جميع الجهات. وهذا ما يعبر عنه بإطلاق التشبيه. إطلاق التشبيه يعني مقتضى تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة وإطلاقه، حيث لم يشبه من حيث الوجوب فقط ولا من حيث ناحية معينة، وإنما أُطلق التشبيه. إطلاق التشبيه يقتضي اتحاد غسل الميت مع غسل الجنابة حتى في الكيفية، بحيث تكون الكيفية التي يغتسل بها الجنب جارية في غسل الميت. من الكيفيات هي الغسل الارتماسي، فكما يسقط الترتيبي في غسل الجنابة بالغسل الارتماسي، كذلك أيضاً يسقط الترتيبي في غسل الميت بالغسل الارتماسي.

واستدلوا بصحيحة محمد بن مسلم. قال البعض إن العمدة في ذلك هي صحيحة محمد بن مسلم، التي قرأناها بالأمس وسأقرأها اليوم مع الإشكال الوارد عليها.

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: “غسل الميت مثل غسل الجنب أو الجنابة”. إطلاق المماثلة من حيث أن غسل الميت مثل غسل الجنابة، ظاهر في إطلاق التشبيه، بحيث يشمل بمقتضى إطلاقه حتى الكيفية. فكما أن كيفية غسل الجنابة يسقط فيها الترتيبي مع الإتيان بالغسل الارتماسي، كذلك أيضاً في الميت يسقط الترتيبي مع الإتيان بالغسل الارتماسي.

مناقشة سند الرواية

هذه الرواية أشكل عليها غير واحد من الأعلام إما من ناحية السند أو من ناحية الدلالة. من ناحية السند، لوقوع إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، وهو أخو علي بن مهزيار، في سندها. اختلف الأعلام في وثاقته، هل أنه ثقة أم لا. بعضهم ذهب إلى توثيقه واعتباره من الأجلاء الذين لا يحتاجون إلى توثيق، واستدلوا على توثيقه بمجموعة من الوجوه:

  • الوجه الأول: ما ذكره العلامة المجلسي رحمه الله في “الوجيزة” من قوله إنه “ثقة من السفراء”. ناقش السيد الخوئي رحمه الله هذا الوجه بأن هذا اجتهاد من المجلسي رحمه الله، وتوثيقات المتأخرين اجتهادية حدسية وليست حسية، فلا يقبل.
  • الوجه الثاني: أن العلامة قدس الله سره الشريف صحح رواية في سندها إبراهيم بن مهزيار إلى بحر السقاء. والإشكال هو الإشكال الوارد على كلام المجلسي، أن تصحيحات المتأخرين لا يمكن الاعتماد عليها لأنها ليست بحسية.
  • الوجه الثالث: ما ذكره أمين الدين الاسترابادي في كتابه “الرجال”، وهو الميرزا الاسترابادي، حيث قال إن وثاقة إبراهيم بن مهزيار معروفة بين الإمامية الاثني عشرية، وأنه من السفراء كما نقل ذلك السيد ابن طاووس رحمه الله في كتابه “ربيع الشيعة”. الإشكال الذي ذكرناه عن المجلسي يأتي هنا، ويحتمل أن مرجع كلام السيد ابن طاووس إلى الوجه الرابع.

مع كل هذه المناقشات، ألا يحصل لنا من مجموعها نوع وثوق بحسن حاله؟ هذا كافٍ.

التمرير إلى الأعلى