عنوان الدرس:

الدرس 7

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 7
تاريخ الدرس 03/09/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

مناقشة دلالة آية تعظيم الشعائر على العموم أو الخصوص وموارد استعمالها القرآني

تمهيد: استعراض رأي المحقق النراقي في دلالة الآية

كان الكلام فيما تقدم في الاستدلال على مشروعية الشعائر الإلهية وضرورة تعظيمها بقوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وذلك بناءً على الاستفادة من عموم مفردة الشعائر. وقد أجاب عن ذلك (المحقق النراقي قدس الله تربته الطاهرة بمنع دلالة الآية القرآنية على العموم، وتمسك لنفي دلالة الآية على العموم بقرائن أربع) تقدم ذكرها فيما مضى.

وقد كانت القرينة الأولى التي استند إليها رضوان الله تعالى عليه: أن الشعائر في الآية القرآنية تعني (مناسك الحج) أو (معالمه)؛ لأننا حكينا عنه أقوالاً أربعة: القول الأول بأن المقصود من الشعائر هو المعنى العام، والقول الرابع أن المقصود من الشعائر هو البُدن خاصة، فرفض القول الأول واحتمل القول الرابع، ثم تنازل عنه وقال بأن الأمر يدور بين القولين الثاني والثالث وهو عبارة عن مناسك الحج أو معالم الحج.

تعميق القرينة الأولى: النظر في السياق والاستعمال القرآني

يمكن أن نعمق ما أفاده الفاضل النراقي قدس الله تربته الطاهرة في القرينة الأولى، فنقرر أن الشعائر في الآية القرآنية ناظرة إلى مناسك الحج أو ناظرة إلى معالم الحج. ويساعد على هذا المعنى استعمال مفردة الشعائر في القرآن الكريم؛ فإن المتتبع لموارد استعمالها في القرآن الكريم يجدها قد استعملت بمعنى مناسك الحج أو بمعنى معالم الحج.

حتى يتضح هذا المعنى، نحتاج أن نستعرض موارد الاستعمال التي تضمنها القرآن الكريم في هذا المضمار. أول تلك الموارد الآية القرآنية محل البحث: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وقد أشار الفاضل النراقي إلى أن السياق يساعد على كون المقصود بالشعائر في الآية الأمر الخاص وليس الأمر العام.

استعراض سياق الآيات في سورة الحج

نحن أبعد من ذلك، سنستعرض تمام موضوع الآيات القرآنية وسنوقع من ضمنها الآية محل البحث، سنجد من خلال مجموع الآيات -وهو سياق أيضاً- أن الحديث كان منصباً عما يرتبط بالبيت الحرام وما شابه ذلك، أي قصة تشريع فريضة الحج وما يتعلق بأمر النسك.

يقول عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ bِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).

ثم تأتي الآية محل الشاهد: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).

نتيجة الاستعراض القرآني وأقوال المفسرين

هذه الآيات القرآنية لو دققناها والتي تلونا جزءاً منها، سنجدها كلها تتحدث عن مسألة شعائر الحج أو عن مسألة تشريع فريضة الحج والمناسك المرتبطة بذلك. وهذا المعنى الذي ذكرت أشار إليه غير واحد من علماء التفسير، فمن القائلين بأن الآية القرآنية موضوعها معالم الحج ومناسكه: ابن عباس، ابن زيد، مجاهد، قتادة، الضحاك، السدي، أبو عبيدة، الزجاج، الماوردي، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم.

وهو أيضاً مذهب الشافعي، كما ورد ذلك في كلمة الإمام الباقر (عليه أفضل الصلاة والسلام). بل يمكن لمن أراد أن يتابع أن يجد هذا المعنى أيضاً في كلام البيضاوي، ويجد هذا المعنى أيضاً في كلام الشيخ الطوسي قدس الله تربته، وإن كان لم يلتزم بذلك في نهاية المطاف، وهو مختار الشيخ الطبرسي (رضي الله تعالى عنه) أيضاً في مجمع البيان.

فإن جميع من ذكرت من الأسماء قرروا بأن مدلول الآيات القرآنية، وعلى رأسها قوله تعالى (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، أنها عبارة عن تشريع فريضة الحج، فالحديث في هذه الآية (شعائر الله) يعني معالم الحج، يعني مناسك الحج وما شابه.

الأدلة الروائية (الاستعمال الخاص)

يساعد على أن المقصود بالشعائر في الآية محل البحث هو خصوص معالم الحج ومناسكه، الروايات الواردة في تفسير الآية القرآنية. نشير إلى بعضها:

  • ما ورد في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنما يكون الجزاء مضاعفاً فيما دون البُدن، حتى يبلغ البُدن، فإذا بلغ البُدن فلا تضاعف؛ لأنه أعظم ما يكون)، قال الله عز وجل: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). فالرواية صريحة في تفسير الآية القرآنية تفسيراً تطبيقياً بالأنعام التي تساق هدياً في الحج، وأن تعظيمها بجعلها بُدنة، لأن البُدن هي أعظم ما يكون من أفراد الأنعام المهداة إلى البيت العتيق.
  • ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إذا رميت الجمرة فاشتر هديك، إن كان من البُدن أو من البقر، وإلا فاجعل كبشاً سميناً فحلاً… وعظم شعائر الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ذبح عن أمهات المؤمنين بقرة بقرة، ونحر بُدنة، فعظم شعائر الله). الإمام يتكلم عن الهدي، ويتكلم عن منسك من مناسك الحج، وعبر (فعظم شعائر الله).
  • ما رواه العلمان الجليلان الكليني والصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، قال: (تعظيم البُدن جودتها). وهذا أيضاً تفسير لكلمة الشعائر بالبُدن.
  • ما نقله القاضي أبو حنيفة النعمان المصري في كتابه دعائم الإسلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن رسول الله خطب يوم النحر فقال: أيها الناس من كان عنده سعة فليعظم شعائر الله، ومن لم تكن عنده سعة فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها).

مناقشة الإشكال حول الروايات التطبيقية

قد يُستشكل بأن الرواية ليست من الروايات البيانية في مجال التفسير، وإنما هي من الروايات المصداقية (الجري والتطبيق)، وأن ذكر البُدن في الرواية إنما هو من باب الجري والتطبيق، فتكون الرواية مصداقية وليست بيانية فلا تصلح للمدعى.

الجواب: عادة إذا حملنا الرواية على الجري والتطبيق لابد أن يكون هناك عنوان عام وهذا مصداق من مصاديقه. والسيد الشهيد (قدس الله تربته) يقرر أن الروايات التي تفسر (أولي الأمر) في الآية القرآنية بالمعصومين محمولة على الجري والتطبيق لأن هذا أجلى وأوضح المصاديق. ولكن إذا حملتم الرواية هنا على أنها رواية مصداقية، فأين العنوان العام الجامع؟

بكلمة ثانية: لا مجال لحمل الرواية التي قرأت على أنها من باب الجري والتطبيق، بل ظاهرها أنها رواية بيانية في مقام التفسير والبيان، فيصعب ترتيب الأثر عليها على أنها مجرد تطبيق لمفهوم عام.

وهناك آية ثانية أيضاً تساعد على ما ذكرنا، وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)، وسيأتي الحديث عنها.

 

التمرير إلى الأعلى