مقدمة: هل يستفاد وجوب الترتيب في الغسل من الروايات؟
الكلام كان في أنه هل يستفاد وجوب الترتيب بين الرأس وبين الجانب الأيمن والجانب الأيسر من الروايات الواردة في الغسل.
الإنصاف أن هذه الروايات لا تدل على لزوم الترتيب، وذلك لثلاث قرائن:
القرينة الأولى: ورود الأمر بالترتيب في سياق الكيفية الكاملة المستحبة
القرينة الأولى هي ورود الأمر بإضجاعه مثلاً على شقه الأيسر حتى يغسل الجانب الأيمن، أو العكس، إضجاعه على جانبه الأيمن ليغسل الجانب الأيسر. هذا ورد في الكيفية المشتملة على الغسل الكامل. بما أنه وارد في الكيفية الكاملة، وبعضها قطعًا لا يمكن الالتزام بوجوبه، بل بعضها من المعلوم أنه من الآداب والمستحبات، فهذا ورود الأمر بإضجاعه على الجانب الأيسر ليبدأ بغسل ميامنه، أو إضجاعه على الجانب الأيسر الأيمن ليبدأ بالأيسر، احتفافه ووروده في الكيفية الكاملة – حيث إنه نعلم أن هذا في مقام بيان الكيفية الكاملة – فهذا يمنع من ظهور الأمر في الوجوب. وبتعبير آخر، ورود الأمر في هذا السياق يشكل قرينة على أن هذا الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب، فما يمكن أن نستفيد منه الوجوب لاحتفافه بما يصلح للقرينية على رفع اليد عن ظهوره في الوجوب وحمله على الاستحباب، أو على أقل تقدير إجماله، أنه مجمل.
نظير ذلك، لو أن المولى يأمر عبده فيقول له: اكنس دار الضيافة، وجمرها (بخرها)، وضع المائدة في الوسط. فلو افترضنا أن بعض هذه الأوامر للمستحب، وفي جملة منها أمر لا ندري هل هو للوجوب أو للاستحباب؛ فإن ورود هذا الطلب في سياق مشتمل على جملة من المستحبات، إما أن نقول إنه يمثل قرينة يقينية على عدم إرادة الوجوب، أو على أقل تقدير يوجب إجمال الكلام، فلا يمكن أن نستفيد منه الوجوب. هذه هي القرينة الأولى.
القرينة الثانية: إهمال ذكر الترتيب في مقام البيان
القرينة الثانية هي أنه في الروايات الواردة في كيفية الغسل وفي مقام بيان الغسل، أهمل الإمام ذكر الترتيب، والمقصود بالإهمال هنا معناه المصطلح الأصولي. أهمل ذكر الترتيب، ولم يذكر الترتيب. فكيف يعقل مع أن الإمام في مقام البيان، وفي مقام بيان الواجب والكيفية، يهمل لزوم الترتيب، مع أنه ذكر الترتيب بين الغسلات، بأن يغسل أولاً بماء السدر، ثم بماء الكافور، ثم بماء القراح؟ ذكر الترتيب بين الغسلات، لكن الترتيب في الغسلة في الجسد، بأن يبدأ بالميامن ثم المياسر، لم يذكره.
فعدم ذكره للترتيب يمثل قرينة على أن الترتيب ليس بواجب. لاحظوا صحيحة سليمان بن خالد: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الميت كيف يغسل؟ قال: بماء وسدر، واغسل جسده كله، واغسله أخرى بماء وكافور، ثم اغسله أخرى بماء، قلت: ثلاث مرات؟ قال: نعم”. هذه الرواية سواء كانت في مقام الفتوى أو في مقام بيان الحكم، النتيجة واحدة. الإمام قال إنه يُغسّل ثلاث مرات بهذا الترتيب: أولاً بماء وسدر، ثم بماء وكافور، ثم بماء قراح. لكن الترتيب بين أجزاء الجسد بأن يبدأ بالرأس ثم بالأيمن ثم بالأيسر، لم يتعرض له. فعدم ذكره للترتيب يمثل قرينة على أنه لو فُرض ما ذكر في رواية الفضل بن عبد الملك وغيره من البدء بميامينه ثم مياسره، فهذا يحمل على الاستحباب.
القرينة الثالثة: اضطراب متون الروايات التي ذكرت الترتيب
القرينة الثالثة هي وقوع الاختلاف والاضطراب في الروايات التي تضمنت البدء بالميامن ثم المياسر، وهي صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة الحلبي وصحيحة الكاهلي. اضطراب هذه الروايات لا يخلو، فإذا قرأتم هذه الروايات الثلاث، تجدون اضطرابًا فيها. وقوع هذا الاضطراب في متون هذه الروايات يمنع من الأخذ بظهورها في الوجوب، مما يجعلها محمولة على أحد أمرين: إما على استحباب ما اشتملت عليه، أو أن ما ذُكر هو من باب التسهيل على الغاسل. فاحتمال أن ما ذُكر إما للاستحباب، أو لأن ما ذُكر في هذه الروايات الثلاث إنما هو من باب بيان الطبع السهل على الغاسل.
مناقشة دليل تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة
أما الدليل الثالث، وهو تشبيه غسل الميت بأنه غسل جنابة، فقد قلنا إنه يرد عليه أولاً أن هذه الروايات غالبها ناظر إلى التشبيه من حيث العلة، أي أن علة وجوب تغسيل الميت أنه مجنب، فما فيها نظر إلى الكيفية.
ثانياً، هناك احتمال لا يبعد، وهو أن هذا التشبيه بلحاظ عدم حاجته إلى الوضوء، على خلاف العامة الذين يوضئون الميت. فاحتمال أن هذه الروايات التي قالت إن غسل الميت غسل جنابة هي إشارة إلى أنه لا يحتاج معه إلى وضوء.
ثالثاً، وهو العمدة، أنكم تقولون إن غسل الميت كغسل الجنابة في لزوم الترتيب. لو سلمنا بظهور التنزيل من ناحية الترتيب، فيجب أولاً أن نثبت أن الترتيب في غسل الجنابة مسلم، مع أننا لا نسلم به، فهناك فتاوى الكثير من الأصحاب كالمحقق في المعتبر والشيخ في أحد قوليه وجماعة كثيرون قالوا بأنه لا يجب الترتيب. فكيف يقال إن التشبيه يثبت الترتيب، مع أن المشبه به (غسل الجنابة) أمر غير مسلم فيه لزوم الترتيب؟
النتيجة النهائية
فالإنصاف أنه لا يمكن استفادة لزوم الترتيب من هذه الروايات، وهي في محل منع. وأما التمسك بأصالة الاشتغال، فلا مجال له مع وجود المطلقات، وصحيحة سليمان بن خالد واضحة في أنه لا يجب الترتيب لأنه في مقام البيان، وهذا ما نعبر عنه بالإطلاق المقامي. فمقتضى هذه الإطلاقات أن الطهارة تحصل بالغسل كيفما اتفق.
فالنتيجة أنه لا يجب الترتيب في غسل الميت بهذا المعنى الذي ذكره الأصحاب، ويجزئ غسل جسده كيفما اتفق، وإن كان الاحتياط مراعاة للرأي المشهور. الأحوط هو الترتيب بهذا النحو بأن يغسل رأسه ثم يغسل جسده، هذا أحوط. وبعد ذلك في الغسلات يبدأ من الرأس، وهذا الموافق للاحتياط.