عنوان الدرس:

الدرس 5

اسم الأستاذ:

الشيخ محمود العالي

اسم الدورة: غسل الأموات - شرحًا على منهاج الصالحين للسيد السيستاني
تسلسل الدرس 5
تاريخ الدرس 21/05/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

حكم عدد غسلات الميت واستخدام الخليطين

الكلام في أن الصحيح ما عليه المشهور من لزوم وضع ثلاثة أغسال، وليس غسل واحد، كما أنه أيضًا لا بد من السدر والكافور كما عليه المشهور.

يدل على ذلك جملة من الروايات منها معتبرة ابن مسكان، عبد الله بن مسكان. الرواية من حيث السند صحيحة ولا إشكال في سندها. “سألت عن غسل الميت فقال: اغسله بماء وسدر، ثم اغسله على أثر ذلك غسلة أخرى بماء وكافور وذريرة إن كانت، واغسله الثالثة بماء قراح. قلت: ثلاث غسلات لجسده كلها؟ قال: نعم. قلت: يكون عليه ثوب إذا غسل؟ قال: إن استطعت أن يكون عليه قميص فغسله من تحته. وقال: أحب لمن غسل الميت أن يلف على يده خرقة حين يغسله”.

نلاحظ كيف أن ظهور الرواية ودلالتها، بخلاف تلك الروايات التي لا تخلو من تشويش وظهور غير واضح. فهذه الرواية تدل على لزوم التثليث في الأغسال. مضافًا لدلالتها على لزوم تثليث الأغسال، هي أيضًا ظاهرة في لزوم الخليطين، وهما السدر والكافور. وهي معتضدة بروايات أخرى أيضًا وسندها معتبر، مضافًا إلى عمل المشهور بها.

فالصحيح في المقام أن الواجب ثلاث غسلات لا غسلة واحدة، والواجب أيضًا إضافة الخليطين، خلافًا لما نسب إلى سلار من غسلة واحدة، وخلافًا لما نسب إلى ابن حمزة الطوسي من عدم اعتبار إضافة الخليطين.

حكم الترتيب في غسل الميت

انتهينا من هذا المطلب. المطلب الجديد وهو لزوم الترتيب، بمعنى أن يبدأ برأسه، ثم بجانبه الأيمن، ثم بجانبه الأيسر.

في الترتيب يوجد أيضًا مطلبان: المطلب الأول، هل الترتيب بهذا النحو، بأن يبدأ بالرأس مقدمًا على الجانبين الأيمن والأيسر، أو أنه لا، الترتيب بهذا النحو: يبدأ بالميامين من جسده من الرأس إلى القدمين، وهذا كافٍ، ثم الجانب الأيسر أيضًا يبدأ من منتصف الرأس إلى القدمين؟ أو لا بد من البدء بالرأس، ثم التثنية بالجانب الأيمن، ثم التثليث بالجانب الأيسر؟ فالبحث يقع في مقامين: أولًا أصل لزوم الترتيب، هل يجب الترتيب أم لا؟ والنقطة الثانية في كيفية الترتيب.

أدلة وجوب الترتيب

أما بالنسبة إلى لزوم الترتيب، فقال في الجواهر: “لا أجد فيه خلافًا”. يعني اعتبار الترتيب بين الرأس والجانبين بأن يبدأ بالرأس ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر مما لا خلاف فيه. بل حكى هو صاحب الجواهر رحمه الله عن الانتصار للسيد المرتضى، والخلاف للشيخ الطوسي، دعوى الإجماع على لزوم الترتيب. بل في المعتبر والذكرى أنه لا خلاف فيه، وفي التذكرة أيضًا نسبته إلى علمائنا، بعد أن ذكر الترتيب قال: عليه علماؤنا. يعني علماء الشيعة كلهم على لزوم الترتيب.

وكيفما كان، فمع غض النظر عن الإجماعات المدعاة، ما هو الدليل على ذلك؟ يستدل على ذلك بثلاثة وجوه أو أربعة وجوه. على لزوم الترتيب، هو النصوص المستفيضة، مثل مرسلة يونس في الباب الثاني من أبواب غسل الميت، مشتملة على قوله: “ثم اضجعه على جانبه الأيسر حتى يغسل جانبه الأيمن، يضجعه على جانبه الأيسر حتى يبدأ بالأيمن، من نصف رأسه إلى قدميه ثلاث مرات. ثم بعد كلام، ثم اضجعه على جنبه الأيمن واغسل جنبه الأيسر كما فعلت أول مرة”. فهذه الرواية دالة على الترتيب، بأن يبدأ بالجانب الأيمن ثم يبدأ بالجانب الأيسر. ورواية عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: “ثم تبدأ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر”. فدلالة النصوص على لزوم الترتيب بين الجانبين، الجانب الأيمن والجانب الأيسر، في الجملة مما لا يكاد ينكر، وغيرها من الروايات الدالة على ذلك.

هذا الوجه الأول وهو الاستدلال بالنصوص التي عبر عنها في الجواهر بأنها مستفيضة دالة على لزوم الترتيب.

الوجه الثاني ما ورد أيضًا في الأخبار المستفيضة التي شبهت غسل الميت بغسل الجنابة، بعد ضم مسألة أخرى، وهو لزوم الترتيب في غسل الجنابة، أو على الأقل الترتيب في الجملة بين الرأس وسائر البدن. إما أن نقول بالترتيب في الجنابة بمعنى البدء بالرأس ثم الأيمن ثم الأيسر، أو الترتيب بمعنى البدء بالرأس ثم الجسد. ففي الجنابة الترتيب في الجملة معتبر، بين الرأس والجسد لا إشكال في لزوم الترتيب. لكن الآن بالنسبة إلى الجسد هل يجب البدء باليمين ثم اليسار أو لا؟ المسألة تقدمت وقلنا إنه لا يبعد عدم وجوب الترتيب بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر، بل يكفي أن يفيض الماء على سائر جسده، وكلما أصابه الماء فقد طهر كما في المعتبرة، معتبرة زرارة.

فما دام الروايات شبهت غسل الميت بغسل الجنابة، فمعناه أن كل ما هو معتبر في غسل الجنابة معتبر في غسل الميت. وبما أن الترتيب في الجملة معتبر في غسل الجنابة، فهو معتبر في غسل الميت. من الروايات الدالة على هذا المعنى، وهو تشبيه غسل الجنابة بغسل الميت، بل في بعضها أنه نفسه غسل الجنابة، صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “غسل الميت مثل غسل الجنابة” تمامًا. والظاهر أن التشبيه من حيث الكيفية، هذا هو المتبادر، لا من حيث الوجوب. راجعوا الباب ثلاثة من أبواب غسل الميت.

الوجه الثالث هو التمسك بأصالة الاشتغال، بتقريب أن الواجب في غسل الميت هو تحصيل الطهارة حتى يلاقي الله وهو طاهر، والغسلات إنما هي مقدمة لحصول الطهارة. إذا حصل الترتيب لا شك أنه تحصل الطهارة جزمًا، أما لو لم يرتب، يشك في حصول الطهارة، فحينئذ الشك من باب الشك في المحصَّل لا في المحصِّل، وإنما في المحصَّل، وهو أن الطهارة المأمور بها حصلت أم لا، فلا بد من مراعاة الترتيب للتيقن بحصول المحصَّل، يعني لليقين بأن المأمور به وهو الطهارة قد حصل.

مناقشة أدلة وجوب الترتيب

هذه الوجوه الثلاثة قابلة للمناقشة. أما الإجماع فليس بمعلوم أنه حجة كاشف عن قول الإمام لوجود هذه الوجوه، إذ نحتمل أن المعتمد والمستند لدى المجمعين هذه الروايات، فهذا الإجماع غير كاشف، على أنه نسب الخلاف في هذه المسألة أيضًا إلى ابن حمزة الطوسي في مراعاة الترتيب.

أما الاستدلال بالروايات، فقد يشكل عليها بأنها ما دام هي واردة في جملة من المستحبات، فيمنع من ظهور الأمر في الوجوب، بل إنه يكون هذا الكلام إما محتفًا بالقرينية على أنه للاستحباب، لوروده في سياق جملة من المستحبات، فيمنع من ظهور الأمر في الوجوب بقرينة وروده في سياق جملة من المستحبات. أو على الأقل أن هذا الظهور محتف بما يحتمل القرينية فلا يكون ظهوره واضح في نظر العرف. أما احتفافه بما يمثل قرينة، فلاحظوا نفس رواية مرسلة يونس، وكذلك صحيحة الكاهلي، فإن ورود الأمر بالبدء بالجانب الأيمن من خلال ضجعه على الجانب الأيسر، ثم ضجعه على الجانب الأيمن ليبدأ بالأيسر، بما أنها وردت في سياق جملة من المستحبات، فيكون الأمر إما محتفًا بالقرينة أو بما هو محتمل القرينية، فلا يبقى للأمر ظهور معتد به في الوجوب.

وأما التمسك بأن غسل الميت كغسل الجنابة، فما عدا الرواية الثامنة، وإلا بقية الروايات والرواية الأولى، ليس الظاهر منها التشبيه من حيث الكيفية، بل أصلاً لا نظر لهذه الروايات في التشبيه من حيث الكيفية ولا من غيرها، وإنما هي بيان علة وجوب تغسيله، لماذا الميت يغسل؟ قال لأنه جنب. ولكن هل يلازم كون الميت جنبًا أن الغسل الذي يقع على الحي لا بد بالكيفية نفسها يقع على الميت؟ من نفس هذه الروايات لا، يحتمل أنه يكفي تغسيله جميع بدنه من رأسه إلى قدمه، ويحتمل بأي كيفية اتفقت كيفما يغسل. فالإنصاف أن هذه الروايات ما عدا الرواية الأولى والثامنة، لا ظهور لها في تشبيه غسل الميت من حيث الكيفية بنفس غسل الجنابة، وغاية ما تدل عليه أن الوجه في وجوب تغسيل الميت أنه جنب، ولا ملازمة بين كونه جنبًا واتحاد كيفية تغسيل الميت مع غسل الجنابة من الحي.

التمرير إلى الأعلى