مناقشة دلالة آية تعظيم الشعائر: إشكاليات العموم والخصوص
بعد أن انتهينا من بيان دلالة الآية القرآنية على إثبات وجوب التعظيم، والنتيجة أنه يجب تعظيم الشعائر الإلهية، ومن مصاديق الشعائر الإلهية الشعائر الحسينية فيجب تعظيمها ببيان قد تقدم. وقد عرفت أن تقريب دلالة الآية القرآنية على وجوب التعظيم تارة تكون بلحاظ الظهور، وأخرى تكون بلحاظ التعليل، وقد عرفنا أن الدلالة بلحاظ التعليل تكون بملاحظة قرينتين داخلية وخارجية ببيان سبق.
إشكال المحقق النراقي على الاستدلال
إن الاستدلال بالآية على المدعى أُشكل عليه بمجموعة من الإشكالات، عمدتها وأهمها إشكالان: الإشكال الأول ما طرحه (المحقق النراقي) قدس الله تربته الطاهرة في كتابه (عوائد الأيام)، العائدة الثانية، وهو من أهم الإشكالات.
خلاصة إشكال (المحقق النراقي) رضي الله تعالى عنه التالي: نحن نسلم بأن مفردة شعائر الله وإن كانت بحسب الظاهر عامة، فتشمل كل ما ينتسب لله سبحانه وتعالى، إلا أننا لا يمكننا أن نلتزم بكونها في المقام عامة؛ لأنها محتفة بمجموعة من القرائن المتصلة والمنفصلة الدالة على أن المقصود منها هي شعائر خاصة وليس مطلق الشعائر. والشعائر الخاصة هي ما يتعلق بالحج والأضحية، فتخرج دلالة الآية القرآنية عن موضوع القاعدة.
تحديد المقصود من مفردة “الشعائر”
أشار (المحقق النراقي) رضي الله تعالى عنه إلى أن هناك اختلافاً بين المفسرين في تحديد المقصود من حقيقة مفردة الشعيرة، حتى أن المراجع منكم لكلمات الشيخ الطبرسي رضي الله تعالى عنه في كتابه (مجمع البيان) يجده قد ذكر ثمانية معانٍ لبيان حقيقة الشعيرة وتحديد المقصود منها.
وقد لخص (المحقق النراقي) قدس سره الأقوال الموجودة في كلمات المفسرين فحصرها في أربعة:
1. (البُدْن خاصة): فشعائر الله في الآية القرآنية يقصد به البُدْن خاصة وليس مطلق شعائر الله.
2. (مناسك الحج وأعماله كلها).
3. (مواضع مناسك الحج ومعالمه): كعرفات، منى، مزدلفة، الصفا، المروة وهكذا.
4. (علامات طاعة الله عز وجل وأعلام دينه).
إن تمامية الاستدلال بالآية القرآنية تعتمد على الالتزام بالمعنى الرابع من المعاني المتقدمة دون البقية، لأنه هو الذي سوف يكون ما يشعر بالله سبحانه وتعالى. أما لو التزمنا بأي واحد من المعاني الثلاثة البقية، فطبيعي جداً سوف يُبنى على أن الآية المباركة لا تدل دلالة واضحة على الالتزام بالعموم والشمول.
السياق القرآني وتعيين المراد
كيف يمكننا أن نعين المعنى الرابع؟ أفاد رضي الله تعالى عنه أن عمدة ما يمكن الاستناد إليه لتعيين المعنى الرابع هو التمسك بعموم اللفظ الوارد في الآية القرآنية، لأنه جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم. إلا أن (المحقق النراقي) منع تعين المعنى الرابع في تفسير الآية القرآنية بأمرين:
الأمر الأول: أن تمامية ذلك تعتمد على الالتزام بكون كلمة “الشعائر” الواردة في الآية القرآنية جمعاً لكلمة “شعار” الذي هو بمعنى مطلق العلامة. أما لو كانت كلمة “الشعائر” في الآية القرآنية جمعاً لكلمة “الشعيرة” والتي هي البُدنة، فلن تكون دالة على ذلك. ولم يثبت أن كلمة الشعائر جمع لكلمة الشعار، بل الثابت خلاف ذلك.
يترتب على هذا المانع عدم صلاحية الآية القرآنية أن تكون أصلاً موضوعياً لعدم ثبوت عموم ولا إطلاق فيها لكل علامات دين الله سبحانه وتعالى، وإنما سوف تكون الآية القرآنية مختصة بالبُدْن.
الأمر الثاني: القرائن المقامية والسياقية. ذكر الشيخ النراقي قرائن تساعد على أن المقصود هو أحد المعاني الثلاثة الأول (البُدْن أو المناسك أو المواضع)، وليست المعنى الرابع العام.
تحليل سياق آيات سورة الحج
إن المقام مقام بيان أعمال الحج. لو تأملنا الآيات في سورة الحج، نجد السياق واضحاً في الحديث عن البُدْن والهدي. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ…) إلى قوله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا…)، ثم يذكر: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ).
ثم تأتي الآية محل البحث: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). ثم يكمل السياق: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ). إن الضمير في “محلها” يعود إلى الهدي والبُدْن، وهذا يرجح أن المقصود بالشعائر هنا هو البُدْن (الإبل المهداة) خاصة، أو ما يتعلق بمناسك الحج، مما يمنع من انعقاد الإطلاق الشمولي لجميع الشعائر الدينية في هذه الآية تحديداً.