عنوان الدرس:

الدرس 4

اسم الأستاذ:

الشيخ محمود العالي

اسم الدورة: غسل الأموات - شرحًا على منهاج الصالحين للسيد السيستاني
تسلسل الدرس 4
تاريخ الدرس 20/05/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

أحكام غسل الميت

كيفما كان، فالصحيح هو وجوب ثلاثة الأغسال؛ لكون الحكم مشهورًا بل فوق الشهرة إجماعيًا، وخصوصًا أنه لم يُعرف الخلاف إلا من سلّار، مضافًا إلى النصوص المستفيضة الدالة على تثليث الأغسال.

تبقى رواية العيص، هذه أحتاج إلى أنني ما استوفيت البحث كاملًا. بمقدار ما راجعت، فاتضح لي بهذا المقدار من المراجعة أنها ثلاث روايات وليست رواية واحدة، ويكون الأمر سهلًا إذا كانت هي ثلاث روايات وليست رواية واحدة. ثلاث روايات بثلاث طرق، فتكون التي يمكن أن يستدل بها لسلّار هي الرواية المشتملة على تأنيث الغسلة. وهنا نحتاج إلى أن نبحث أكثر، لكن بالمقدار الذي بحثته وصلت إلى هذا المقدار، ولست أقول إنه مقدار مطمئن به، ولكن بهذا المقدار، إنها ثلاث روايات مختلفة المضامين، مختلفة الأسانيد، وليست رواية واحدة. وإن شاء الله يأتي مزيد بحث عنها.

كيفية الغسل وحكم الارتماس

المطلب الآخر، ذكر الفقهاء، بما فيهم السيد دام ظله الشريف، قال: “وكل واحد منها -يعني من الأغسال الثلاثة- كغسل الجنابة الترتيبي، مع تقديم الأيمن على الأيسر، ولا يكفي الارتماس مع التمكن من الترتيبي على الأحوط”. في هذا المطلب يشير إلى أمرين: وهو أن غسل الميت هو ترتيبي، بمعنى أنه لا بد من البدء بالرأس ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، ولا يأتي فيه الغسل الارتماسي، فهو ليس مثل غسل الجنابة. نعم، لو تعذر الترتيبي وعدم إمكان الغسل الترتيبي لسبب وآخر، وأمكن الارتماسي، يغسل غسلًا ارتماسيًا في الأغسال الثلاثة، ويأتي تفصيل ذلك.

حكم الخليطين: السدر والكافور

وقبل الدخول في صلب المسألة، هناك فرع أيضًا لا بد من ذكره، وهو: هل الخليطان -السدر والكافور- واجبان أم مستحبان؟

نُسب إلى ابن حمزة الطوسي رحمه الله في “الوسيلة” أن الخليط ليس بواجب، لا خليط السدر ولا خليط الكافور. فإنه ذكر رحمه الله أن الغسلات ثلاث، يُغسّل ثلاثة أغسال، ثم ذكر في عنوان المستحب والمندوب أنه يستحب أن يضاف إلى الماء خليط السدر وخليط الكافور. فظاهره أن الخليط، وهو السدر الذي يخلط مع الماء أو الكافور الذي يخلط مع الماء، ليس بواجب، وإنما هو مستحب، وهو خلاف المشهور.

وأصرح من خلاف ابن حمزة الطوسي، خلاف ابن سعيد في “الجامع”. ابن سعيد في “الجامع” ذكر عبارة صريحة في أن الخليط ليس بواجب. عبارة ابن سعيد الحلي، ابن عم المحقق. هناك قصة مشهورة أنه لما جاء الخواجة نصير الدين الطوسي زائرًا الحلة وحضر بحث المحقق، المحقق رحمه الله احترامًا لمقام الخواجة قطع البحث. ثم بدأ يتعرف على العلماء في جلسة تعارف، فالخواجة سأل: “من أعلم القوم بالأصولين؟” – يعني أصول الفقه وأصول العقائد- فأشار المحقق إلى والد العلامة رحمه الله، الذي هو الشيخ يوسف، والد العلامة الحسن بن يوسف. فقال: “هذا أعلم القوم بالأصولين، بأصول الفقه وأصول الكلام”. يقال إن ابن سعيد صار في نفسه شيء، وكأنما بمصطلحنا صار في خاطره على المحقق، حيث أشار إلى والد العلامة الشيخ يوسف وقال هذا أعلم القوم بالأصولين وما أشار إليه. ثم المحقق رحمه الله أراد أن يطيب خاطره، قال له: “أنا لو قلت إنك أعلم وسألك الخواجة نصير الدين في مسألة في أصول العقائد، وهذا هو خريت هذه الصناعة، لوجه الحلة كله يذهب على أساس تعارف. فأنا أظهر الحقيقة ولا أتعارف، بعد ذلك هذا الخواجة نصير الدين الطوسي يطلع بنظرة سيئة وانطباع سيء عن الحلة”. هذه من لطائف التي تذكر في تراجمهم رضوان الله عليهم.

كيفما كان، ابن سعيد قال: “وأن من الواجب غسله ثلاثة أغسال على صفة غسل الجنابة”. الواجب ثلاثة أغسال بنفس كيفية غسل الجنابة. ثم قال: “ويستحب إضافة قليل من السدر في الغسل الأول ونصف مثقال من الكافور إلى الثاني”. عبارته صريحة في أن الخليط ليس بواجب وإنما هو مستحب.

الصدوق رضوان الله تعالى عليه في “الفقيه” وفي “المقنع” لم يذكر السدر في الغسل الأول، قال يجب ثلاثة أغسال، لكن الغسل الأول ما ذكر فيه إضافة السدر إلى الماء. وحكى هذا الكلام عن والده أيضًا، قال الوالد في رسالة شرائع الدين المعروفة، ذكر أنه يجب غسله أولًا بالماء، ثم ما ذكر أنه يوضع فيه شيء من السدر. فهذا مخالف ثالث، بل رابع مع الصدوق، حيث ذكر ذلك وحكاه عن والده، مع ابن حمزة وابن سعيد، هؤلاء أربعة من الأعلام.

الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه في “النهاية” و”المبسوط” -وإن كان بعد مراجعة المبسوط كلمات الشيخ في المبسوط لا تخلو من شيء من التهافت والتنافي، يعني ليست صريحة لكن فيها شيء من التهافت- الشيخ في “النهاية” و”المبسوط” اقتصر على غسل فرجه بالسدر قبل الشروع في الغسل. قال بأنه كما هو ظاهر جملة من الروايات، قبل أن يشرع في غسله يستحب أن يغسل فرجه بالسدر، واقتصر. ثم قال يغسل بالماء ويفاض على جسده كما في غسل الجنابة. وظاهره أنه يفاض على جسده بالماء يعني الماء الخالي من دون إضافة السدر. ثم بعد ذلك عنده عبارة أخرى الشيخ رحمه الله في المبسوط قال: “وبعد أن تغسله بالأغسال الثلاثة، وأضف إضافة شيء من الكافور”. بعدين عنده عبارة ثالثة بعد صفحتين أو ثلاث في المبسوط، قال: “وبعد تغسيله الثلاثة الأغسال، يؤذن للمؤمنين بالصلاة”. فعبارته فيها شيء من الاضطراب.

مناقشة أدلة القائلين بالاستحباب

على أي حال، سواء كان المخالفون أكثر من واحد أو أقل، ما هو دليل مثل ابن سعيد الذي ذهب إلى أن إضافة الخليط من السدر والكافور إنما هو مستحب ليس بواجب؟

الإنصاف أن الروايات فيها شيء من الغموض، وإذا أردنا أن نستدل، لا يستدل بنص خاص بوحده، وإنما يستدل بهذا الغموض الموجود في الروايات. هذا الغموض الموجود في الروايات شكل شبهة دليل على أن الخليط مستحب. فما في عبارات الأصحاب من أنه يستدل بخبر يونس بن يعقوب ومعاوية بن عمار أو غيره، هذه الروايات ما تصلح دليل كل خبر على حدة، وإنما التشويش الموجود في هذه الروايات ربما النظرة الأولى يفهم منه أن إضافة السدر أو إضافة الكافور ليس بواجب إنما هو مستحب. سأقرأ هذه الروايات الثلاث ولاحظوا كيف فيها تشويش.

الباب الثاني من أبواب غسل الميت، الحديث السابع والثامن. الحديث السابع رواية معتبرة، الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد الأهوازي وإسناده إلى الحسين بن سعيد صحيح. عن يعقوب بن يقطين، وهو ثقة، قال: “سألت العبد الصالح عن غسل الميت، أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال: غسل الميت تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض، ثم يغسل وجهه ورأسه بالسدر”. هذه واضح أنها ما قبل الشروع في الغسل، وما قبل الشروع في الغسل هي سنن وآداب. “ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرات”. لاحظوا تعبير “يفاض عليه الماء ثلاث مرات”، ما ذكر أنه يفاض عليه ماء السدر ثم ماء الكافور. “ولا يغسل إلا في قميص، يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه، ويجعل في الماء شيء من السدر وشيء من الكافور، ولا يعصر بطنه إلا أن يخاف شيئًا قريبًا فيمسح به رفقًا من غير أن يعصر، ثم يغسل الذي غسله يده قبل أن يكفنه إلى المرفقين”. هذه الرواية يستدل بها على أن الخليط ليس بواجب وإنما هو أمر مستحب. تقريب الاستدلال أن الإمام ذكر أولًا إفاضة الماء عليه ثلاث مرات، الظاهر في أن الماء الذي يفاض على جسد الميت ماء خال من الخليطين. ثم ذكر ما هو مستحب بعد ذلك في سياق المستحبات: “ولا يغسل إلا في قميص” و”يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه”. في سياق هذه المستحبات ذكر أنه يجعل في الماء شيء من السدر وشيء من الكافور، ثم أيضًا عقبه بمستحب آخر وهو غمز البطن. فكأنما فيه إشعار أو ظهور على أن الخليط ليس بواجب وإنما هو أمر مستحب.

الرواية الثانية، رواية معاوية بن عمار، قال: “أمرني أبو عبد الله أن أعصر بطنه، ثم أوضيه بالأشنان، ثم أغسل رأسه بالسدر ولحييه، ثم أفيض على جسده منه، ثم أدلك به جسده، ثم أفيض عليه ثلاثًا، ثم أغسله بالماء القراح، ثم أفيض عليه بالماء والكافور وبالماء القراح، وأطرح فيه سبع ورقات”. لا تخلو من تشويش. أولًا، مع تجاوز مسألة أن الذي يتولى تجهيز الميت هو الإمام، إذ هو من مسلمات مذهبنا. فكيف الرواية تقول أمرني أبو عبد الله؟ على أن معاوية بن عمار في الجلالة والشان ليس في مثل مرتبة زرارة الذي كان موجودًا حال وفاة الإمام، أو مثل أبي بصير وغيره. فلو فرض أن الإمام يمكن أن يتولى تجهيزه غير الإمام، فالمناسب أن يسند هذا الأمر إلى من هو في الجلالة وعلو الشأن مثل زرارة. على أن هذه الرواية مضمونها لا يتوافق مع أصول المذهب. ثانيًا، لاحظوا: “ثم أوضيه بالأشنان، ثم أغسل رأسه بالسدر… ثم أفيض على جسده منه”، يعني من ماء الأشنان. “ثم أدلك به جسده، ثم أفيض عليه ثلاثًا”، ظاهره من هذا نفسه، ماء الأشنان. “ثم أغسله بالماء القراح”، هذه الغسلة الأولى بالماء القراح، ما فيها سدر. “ثم أفيض عليه بالماء والكافور، وبالماء القراح، وأطرح فيه سبع ورقات من السدر”. مضمونها فيه شيء من التهافت، حيث ذكر السدر في البداية، ثم ماء والكافور، ثم بالماء القراح. فمضمونها مضطربٌ إنصافًا، مع عدم توافقها مع أصول المذهب.

الرواية الثالثة التي يستدل بها على عدم وجوب الخليط، رواية الفضل بن عبد الملك، وهي صحيحة السند أيضًا. قال: “سألته عن أبي عبد الله عليه السلام عن غسل الميت، فقال: اقعده واغمز بطنه غمزًا رفيقًا، ثم طهره من غمز البطن، ثم تضجعه، ثم تغسله تبدأ بميامينه، وتغسله بالماء والحرض، ثم بماء وكافور، ثم تغسله بماء قراح، واجعله في أكفانه”. هذه أصلًا ما فيها ماء السدر أبدًا.

فالإنصاف أن هذه الروايات الثلاث -وقد يقال هناك رواية أخرى- مضافًا إلى أن بعضها لا يتوافق مع أصول المذهب مثل رواية معاوية بن عمار، والبعض منها لا يخلو من اضطراب وتشويش، والبعض الآخر وإن ذكر السدر إلا أنه جميعًا لا يمكن أن تصمد في مقابل الروايات الكثيرة المستفيضة الدالة على تثليث الأغسال والمعمول بها بين علماء الطائفة. فالترجيح لتلك الأخبار، لا لهذه الروايات التي لا تخلو من تشويش واضطراب بحيث لا يمكن أن يتحصل منها معنى جامع في مقابل تلك الروايات التي سوف يأتي التعرض لها. فخلاف هؤلاء الأعلام لا يمكن أن يكون مقبولًا في مقابل صراحة الروايات الدالة كثيرًا، المعتضدة بعمل الطائفة، على لزوم وضع شيء من السدر وشيء من الكافور كما سيأتي إن شاء الله في مقدار الخليط الذي يوضع في الماء.

التمرير إلى الأعلى