مناقشة حجية الإجماع المدركي ونظرية تعظيم الشعائر
مقدمة في منهجية الاستدلال
لا يزال الكلام في الأدلة التكميلية التي أضافها الفاضل المعاصر دام موفقًا، للبناء على حجية أو شرعنة الشعائر مطلقًا. وقد عرفنا فيما مضى أنه سوف يذكر أمورًا: الآيات القرآنية، والنصوص المعصومية، والإجماع بقوله: (العلمي والعملي)، ثم بعد ذلك العقل.
إشكالية الإجماع المدركي
كان كلامنا فيما مضى فعلًا في مسألة الإجماع، وقد استعرض وفقه الله كلامًا ثم بعد ذلك نقل مجموعة من الشواهد المساعدة على توفر الإجماع القولي في البين. وقد أيد شواهده أيضًا بما ورد في كلمات بعض علماء المسلمين المساندة لمثل هكذا أمر.
أشار في نهاية هذا المطلب إلى أمر وهو إشكال وجواب. الإشكال الذي يذكر في المقام هو التالي: بأن هذا الإجماع المدعى إجماع مدركي، أو لا أقل من كونه إجماعًا محتمل المدرك. وما دام إجماعًا مدركيًا أو إجماعًا محتمل المدرك، فلا يمكن الاستناد إليه في المقام والتعويل عليه.
الجواب المبنائي والبنائي
أجاب عن هذا الإشكال بجوابين: الجواب الأول جواب مبنائي، والجواب الثاني جواب بنائي.
أما بالنسبة للجواب المبنائي فقال: نسلم بأن الإجماع المذكور في كلمات الأعلام هو إجماع مدركي، ولكن من قال بأن الإجماع المدركي ليس بحجة؟ نحن نبني على حجية الإجماع المدركي، وإن كان المشهور لا يبنون على حجيته.
طبيعي جدًا سيكون السؤال الموجه للفاضل المعاصر الآن: كيف تبني على حجية الإجماع المدركي؟ يقول: بأن هذا يعتمد على معرفة حقيقة الإجماع ما هو؟ منشأ الإجماع ما هو؟ دليل الإجماع ما هو؟ بناءً على تحديد هذه النقطة يتضح عندها أن الإجماع المدركي حجة أو أن الإجماع المدركي ليس بحجة.
حقيقة الإجماع عند الفاضل المعاصر
يوضح لنا حقيقة الإجماع بنظره الشريف والتي دعته للبناء على حجية الإجماع المدركي قائلًا: نحن نلتزم بأن حجية الإجماع تستند إلى بناء العقلاء، وتوثقهم من اتفاق أهل الخبرة، فيكون الإجماع طبقًا لهكذا أمر حجة عقلائية مستقلة. ما له علاقة استند إلى أمر أو لم يستند، كشف عن قول المعصوم أو لم يكشف.
مناقشة القول بحجية الإجماع المدركي
نسأل: إذا كان الإجماع حجة عقلائية ويكون مستندًا لهذه الأمر، إذن لن يرجع الإجماع في الحقيقة إلى دليلية السنة؛ لأنك لا ترى أن كشفه عن قول المعصوم (عليه السلام) عاملًا مقومًا وداعيًا للبناء على حجية الإجماع.
نقول: نسلم، نحن لا نرى مدخلية لقول المعصوم (عليه السلام) في حجية الإجماع وترتيب الأثر، وإنما تمام المدار عندنا أن اتفاق الخبراء على قول يورث الاطمئنان بصحته، أو أن اتفاقهم مما يعده العقلاء حجة ويصح الاعتماد عليه في مقام التنجيز والتعذير.
إذن؛ هذه حقيقة الإجماع، وبناء عليه سيكون الإجماع دليلًا مستقلًا عن دليلية السنة، فسيكون الإجماع قسيمًا. وهذا يعالج لنا مشكلة أساس وهي مشكلة المدرك؛ عندما تقولون بأن هذا الإجماع مدركي، نقول: ليكن، مجرد كونه مدركيًا لا يوجب رفع اليد عنه أو عدم التعويل عليه.
الرد على الأساس العقلاء للإجماع
نعم، لو أخذنا الإجماع بناءً على مقولة المشهور، وهم الذين يعدون الإجماع حجة تعبدية، امتداد إلى السنة، كاشف عن قول المعصوم؛ سوف يكون المدرك مانعًا. لأنه مع وجود الدليل تستندون إلى النكتة القائلة: (أن الإمام بآبائه وأمه بمقتضى أن الإمامة لطف يستحيل أن يجعل الأمة تجتمع على خطأ)، فيتدخل الإمام (عليه السلام) لإيقاع الخلاف أو للبيان. فبناءً عليه مع وجود المستند الدال على الحكم أو الدال على الموضوع كما يقولون، لا معنى عندها لأن يتدخل الإمام بآبائه وأمه لترتيب الأثر.
تعظيم الشعائر بين التعليل والتعبد
أما الجواب البنائي، فمن الذي قال بأن الأعلام قد استندوا في كثير من فتاويهم إلى الآيات القرآنية أو إلى الروايات؟ أبدًا، الأعلام قد استندوا إلى الكبرى المسلمة عندهم وهي عبارة عن (ضرورة تعظيم الشعائر)، واستندوا إليها من باب الاعتضاد لا حصر الدليل. ولذلك أضافوا إلى الآية التعليل بتعظيم الشعائر، وهذا يساعد على أن البناء عندهم على أن القضية قضية عقلائية وليست القضية قضية شرعية محضة.
فلو كانت القضية قضية شرعية محضة ما كان الأمر يحتاج أن يعضد بملاحظة التعليل، بل يكتفى بالأمر الشرعي المقدس: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
شروط الاعتماد على الإجماع المنقول
أي إجماع عندنا رهين توفر أمرين فيه:
الأمر الأول: أن يكون الإجماع الحاصل إجماعًا من الجيل الطليعي الأول للطائفة، ويكون ذلك من خلال أصحاب الأئمة (عليهم السلام) المعاصرين إليهم، أو لا أقل من الجيل القريب من عصرهم. وما لم يكن الأمر كذلك لا يمكن أن يعول على مثل هكذا إجماع.
الأمر الثاني: عدم توفر مدرك في البين، وإلا عُد الإجماع حينئذ إجماعًا مدركيًا.
وعلى فرض التسليم، فإن دعاوى الإجماع ظاهرة في نقل السبب وهو اتفاق الأعلام، وهذا النقل إذا كان دقيقًا فسوف ينفع في معرفة الحكم الشرعي واستكشافه على قاعدة كشف اتفاق الأصحاب أو الجيل الطليعي منهم، والذي يعد محورًا للتدريس والفتيا عن الارتكاز المتشرعي المتلقى من أصحاب الأئمة (عليهم السلام).