عنوان الدرس:

الدرس 31

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 31
تاريخ الدرس 11/05/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

الدليل الثالث على مشروعية الشعائر: الدليل اللبي والإجماع

لا زال الحديث موصولاً في البحث حول الأدلة التكميلية لإثبات مشروعية الشعائر الحسينية والدينية بشكل عام. وقد تم استعراض الأدلة اللفظية في المباحث السابقة، سواء من الآيات القرآنية أو الروايات الشريفة. وينعقد الكلام في هذا الدرس حول الدليل الثالث، وهو عبارة عن الأدلة اللبية، والمتمثلة في الإجماع.

مراتب تعظيم الشعائر عند الفقهاء

عند تتبع كلمات الفقهاء وأعلام المسلمين، نجد أنهم صرحوا في موارد متعددة بضرورة تعظيم الشعائر الدينية، وأن سيرتهم جارية على ذلك. ويظهر هذا من الإجماعيْن القولي والعملي، حيث بنوا على تعظيم الشعائر في الجملة، وقرروا أنها من الواجبات عندهم، وإن اختلفت درجة التعظيم. ويمكن تقسيم التعظيم عندهم إلى مرتبتين:

المرتبة الأولى: التعظيم الواجب (حفظ المكانة)

وهو التعظيم الذي يحفظ مكانة الشعيرة عرفاً وشرعاً ويظهر احترامها. وقد اتفق الفقهاء على وجوبه وحرموا تركه؛ لأن تركه أو إهماله يُعد (هتكاً) لها. وتنصرف الأدلة اللفظية الآمرة بالتعظيم إلى هذه المرتبة.

المرتبة الثانية: التعظيم المستحب (مزيد الاحترام)

وهو التعظيم الذي يُبدي مزيداً من الاحترام والتقديس زائداً على أصل التعظيم الواجب، بما يُعد عرفاً مبالغة أو تشديداً فيه. وقد اتفقوا على استحبابه، وهو ما يُعرف من المرتكز في نفوس المتشرعة، وجرت عليه سيرة العقلاء في كل ما له شأن ومكانة.

وقد مثّل الأستاذ لهاتين المرتبتين باحترام العالِم؛ فالأصل هو حفظ مرتبته وشأنه (وهو القدر الواجب)، وتارة يزاد في الأمر من خلال تقبيل يده أو القيام له إجلالاً (وهو الأمر المستحب). فالأول تركه يعد هتكاً، بينما الثاني تركه لا يعد هتكاً وإن كان خلاف الأولى.

تحليل الإجماع وحجيته

إن منشأ التعظيم عند الأعلام للشعائر له مرتبتان كما سلف، والمرتبة الأولى (المقدار الواجب) يُعد تركه هتكاً. فلو لم يُبرز الاحترام اللائق بالعالم الذي يحفظ شأنه لكان ذلك هتكاً، بخلاف ما لو تُرك تقبيل يده. ومن خلال التفاوت بين المرتبتين، يمكن التوصل إلى صيغة للجمع بين الآراء المختلفة في مسألة تعظيم الشعائر؛ حيث اختلف الأعلام بين قائل بالوجوب، وقائل بالاستحباب، وقائل بالجواز.

فمن قال بوجوب تعظيم الشعائر، فإنه ناظر للمرتبة الأولى (التي يعد تركها هتكاً). ومن قال بالاستحباب، فهو ناظر للمرتبة الثانية. ومن قال بالجواز، فهو ناظر أيضاً للمرتبة الثانية التي يجوز تركها ولا يجب الإتيان بها. وبهذا يتضح أن الموضوع في كلمات الأعلام ليس واحداً، بل متفاوتاً.

الإجماع المحصل والمنقول

لابد من التثبت هل يوجد في المقام إجماع منعقد على مشروعية الشعائر؟ إننا عندما نتحدث عن الإجماع، فإننا نتحدث عن (الإجماع المحصّل) الذي هو موضع اتفاق، والذي يكشف عن الحكم الشرعي. وقد نص على وجود هكذا إجماع مجموعة من الأعلام في كتبهم، بل نُقل الإجماع أيضاً على حرمة ما يوجب هتك بعض الشعائر والحرمات، كهتك حرمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام) بالسب، حيث أجمعوا على قتل الساب.

وقد جاء في (الجواهر): (ينبغي القطع بكفر الساب باعتباره فعل ما يقتضي الكفر)، وألحقوا بذلك سب الصديقة الزهراء (عليها السلام) وسائر الأنبياء والملائكة، فالجميع من شعائر الله، وهتكها هتك لحرمة الله عز وجل. واستدلوا بقوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، وقوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ).

شواهد من كلمات الفقهاء

نجد بعض الفقهاء طبقوا القاعدة على موارد مختلفة، مما يكشف عن أن لديهم (كُبرى مسلمة) وهي وجوب التعظيم، وأن حكمهم في (الصغرى) وتطبيقاتها نابع من انطباق تلك الكبرى. ومن النماذج على ذلك:

  • العلامة الحلي (في المنتهى): صرح باعتبار الأذان من الشعائر.
  • الشهيد الأول: اعتبر المؤمن من الشعائر، وأجاز تعظيمه بما جرت به عادة الزمان، مستدلاً بالآية: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ).
  • صاحب الحدائق: حرّم الاستنجاء بما كُتب عليه شيء من علوم الدين، لدخوله تحت عنوان الشعائر المأمور بتعظيمها.
  • صاحب الرياض: فرّع على استحباب تعظيم الشعائر جملة أمور، منها كراهة الاستنجاء باليد التي فيها خاتم منقوش عليه اسم الأنبياء والأئمة.
  • الشيخ كاشف الغطاء: ذهب إلى إلحاق قبر النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة بحكم المساجد من باب أنها من المشاعر التي يجب تعظيمها.

وبهذا يتقرر أن الإجماع منعقد بين أعلام الطائفة على ضرورة تعظيم الشعائر الدينية، وأن القاعدة مخصصة لأدلة المنع (إن وجدت). ويؤكد ذلك إجماع الفقهاء على وجوب الهجرة من بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام (كالصلاة والصوم والأذان)، لرجحان وجوب إقامة الشعائر. بل ألحق جماعة بذلك (بلاد الخلاف) التي لا يتمكن المؤمن فيها من إقامة شعائره الخاصة.

التمرير إلى الأعلى