الدليل الثاني: السنة النبوية ودلالتها على مشروعية الشعائر
بسم الله الرحمن الرحيم. لا يزال الكلام مستمراً في الأدلة التكميلية التي أفادها الفاضل المعاصر -دام موفقاً- لإثبات شرعية الشعائر بقول مطلق. وقد ذكرنا أنه عرض أدلة ثلاثة: الأول عبارة عن الآيات القرآنية، والثاني عبارة عن السنة، والثالث عبارة عن الأدلة اللبية. انتهينا من الأول وهو الآيات القرآنية، وأضفنا لذلك آية وهي: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، وقلنا بأنها يمكن أن تكون بنحو أو بآخر صالحة للدلالة على المدعى على شيء من التأمل قد مضى.
أقسام السنة ودلالتها
بعد ذلك كان الحديث في الدليل الثاني وهو السنة، وقد ذكر -وفقه الله- أن السنة بأقسامها الثلاثة: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية، دالة على شرعية الشعائر الدينية بقول مطلق، ومنها الشعائر الحسينية.
أشرنا إلى القسم الأول من أقسام السنة وهي السنة القولية، وذلك باستعراض مجموعة من النصوص، ما كان منها دالاً على المطلوب بالدلالة المطابقية، وما كان منها دالاً على المطلوب بالدلالة التضمنية، وما كان منها دالاً على المطلوب بالدلالة الالتزامية. ولن أعقب على الحديث عن السنة القولية إلا بعد استكمال السنة بقسميها الآخرين ليكون التعقيب بعد ذلك على الدليل الثاني بصورة كاملة.
القسم الثاني: السنة الفعلية
الكلام الآن حول القسم الثاني من أقسام السنة وهو عبارة عن السنة الفعلية. أفاد -وفقه الله- بأن المستفاد من سيرة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) والعترة الطاهرة عليهم أفضل الصلاة والسلام تعظيمهم للشعائر.
هو الآن سيتعرض إلى تعظيم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والعترة الطاهرة إلى تعظيم مجموعة من الشعائر الدينية بقول مطلق، ليخرج منها بعد ذلك إلى إثبات تعظيم الشعائر الحسينية. يعني سيستفيد من تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) مثلاً للقرآن، تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) للكعبة، تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) للمسجد، أو مثلاً العترة الطاهرة تعظيمهم إلى آثار النبي (صلى الله عليه وآله)، تعظيمهم إلى ذرية النبي وما شابه. هذا كله بعدين سيعطينا عنواناً عاماً مفاده أن الشعائر الدينية مورد عناية وتقديس وإجلال عند الشارع المقدس، وبالتالي سيكون الكلام في الصغرى: الشعائر الحسينية من مصاديق الشعائر الدينية، النتيجة لابد وأن تكون الشعائر الحسينية موضع إجلال وتعظيم وتقدير من المكلفين.
تطبيقات السنة الفعلية في تعظيم أهل البيت (عليهم السلام)
جرت سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والعترة الطاهرة عليهم أفضل الصلاة والسلام على تعظيم الشعائر وإظهار مكانتها في موارد متعددة، مثلاً: الكعبة الشريفة، مثلاً: القرآن الكريم، مثلاً: المساجد، مثلاً: آثار النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته وذريته.
وقد تواترت الأخبار بطرق الفريقين أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يظهر مكانة أهل بيته، ويشدد على حرمتهم، ويدعو الناس إلى تعظيمهم وإبداء غاية المحبة والاحترام لهم بالقول والعمل. وفي نفس الوقت نجد النبي (صلى الله عليه وآله) قد حرم التخلي عنهم أو التخلي عن احترامهم وإجلالهم وتقديرهم وإبراز رفعة شأنهم، وحرم خذلانهم وحرم عدم نصرتهم وما شابه.
السر في كل ذلك هو أن من أعظم آيات الدين وأكبر شعائره بحيث تساوق محبتهم محبة الله عز وجل ومحبة رسوله، وتساوق عداوتهم عداوة الله عز وجل وعداوة رسوله؛ إيذاؤهم يساوق ذلك، فمن هنا يظهر الأمر.
شواهد روائية على التعظيم النبوي
نحتاج أن نشير إلى بعض الموارد المتضمنة إلى التعظيم من قبل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والعترة الطاهرة عليهم أفضل الصلاة والسلام:
1. المرور ببيت فاطمة (عليها السلام)
ما ورد في تعظيم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته خصوصاً الصديقة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام وأمير المؤمنين علي (عليه السلام). انظروا رواية أنس بن مالك المروية بطريق حسن أو صحيح بتعبير القوم، قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)).
هذا المعنى متواتر رواه جمع كبير من الصحابة وبطرق مختلفة. هذا العمل الصادر من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يدل على إظهار عظمة أهل البيت (عليهم السلام)، يشير إلى قدسيتهم قدسية جلية واضحة أقرها جميع أهل القبلة. إذا ضمنا وجوب التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله)، ووجوب الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) انطلاقاً من قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، سوف يدل ذلك على إمكان وقوف الناس عند بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) والإشادة بمكانتهما والإقرار بطهارتهما فيثبت المطلوب.
2. حديث الكساء وتجلية المكانة
ما ورد في إظهار عظمة أهل البيت ومكانتهم من الله عز وجل والرسول وهو متواتر، من ذلك ما رواه مسلم بسند صحيح عن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وآله غداة وعليه مرط من شعر أسود فجاء الحسن بن علي عليهما السلام فأدخله، ثم جاء الحسين عليه السلام فأدخله، ثم جاءت فاطمة عليها السلام فأدخلها، ثم جاء علي عليه السلام فأدخله، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)). أيضاً الإدخال تحت هذا الغطاء أو العباءة يشير إلى تخصيص هؤلاء، فكأنما يوحي بالتعظيم وضرورة إظهار العناية.
3. حديث المباهلة
ما ورد في إظهار مكانتهم وحرمتهم في آية المباهلة، وهو أيضاً متواتر. من ذلك ما ورد عن ابن عباس وغيره: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ يوم المباهلة بيد علي وحسن وحسين عليهم السلام، وجعلوا فاطمة عليها السلام وراءهم، ثم قال صلى الله عليه وآله: هؤلاء هم أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا). أيضاً إخراجهم في هذا الموقف المعين يدل دلالة بالغة جلية واضحة على حرمتهم، على مكانتهم عند الله عز وجل وعند النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، وهذا يستدعي التعظيم والتجليل.
القسم الثالث: السنة التقريرية
وهذا أيضاً نقلت أو تضافر النقل عن قيام جملة من الصحابة بالتعظيم والتقديس لبعض الشعائر في محضر النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) ولم يصدر الرد.
- حادثة أبي طيبة: ما ورد أن أبا طيبة شرب دم النبي (صلى الله عليه وآله) في دم الحجامة (القصة المعروفة)، فلم ينكر النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك، بل قال له: (لك براءة من النار) بأن النار لن تمس جسدك.
- تقبيل سوادة للنبي (ص): قضية سوادة الذي زعم أن له حق القصاص عند النبي (صلى الله عليه وآله) بدعوى أن النبي ضربه يوماً بصوت أو بالعصا. لما أراد استيفاء القصاص رفع النبي ثوبه ليضربه سوادة، فقبل بطن النبي (صلى الله عليه وآله) بدلاً من القصاص. إقدامه على تقبيل جسد النبي إنما هو لأن مورد تعظيم، ولذلك أقدم.
- تعظيم أبي هريرة للحسنين: ما ورد أن أبا هريرة كان يمسح الغبار عن قدمي الحسنين بثوبه تعظيماً لشأنهما.
خلاصة الدلالة
إن انضمام دلالة السنة القولية والتقريرية يشكلان قرينة في السنة الفعلية ليستفاد حينئذ التعميم، وأن هذه الروايات إنما ذكرت من باب مكانتهم. إذن من مجموع هذه الأخبار يستفاد وجوب تعظيم آل محمد (عليهم السلام)، ومن ذلك يتوصل إلى وجوب تعظيم كل ما يصدق عليه أنه من شعائر الدين بضميمة علو الرتبة أو اتحاد الصفة.