عنوان الدرس:

الدرس 3

اسم الأستاذ:

الشيخ محمد العبيدان

اسم الدورة: فقه الشعائر الحسينية - 2024-2025
تسلسل الدرس 3
تاريخ الدرس 28/08/2024
بسم الله الرحمن الرحيم
00:00 --:--

دلالة آية تعظيم الشعائر على الوجوب والعموم

بسم الله الرحمن الرحيم. لا زال كلامنا مستمراً في الحديث حول دلالة الآية الأولى من الآيات التي يُستدل بها على وجوب تعظيم الشعائر الدينية، ومن ثم سيندرج تحتها الشعائر الحسينية. وقد أشرنا فيما مضى إلى أن دلالة الآية القرآنية تمر بنحوين: النحو الأول النحو اللغوي، والنحو الثاني النحو الشرعي.

مراجعة الدلالة اللغوية

قلنا بأن النحو اللغوي يعتمد على ملاحظة ألفاظ ثلاث اشتملت عليها الآية المباركة: الأول وهو عبارة عن لفظ (الشعائر)، الثاني وهو عبارة عن لفظ (التعظيم)، الثالث وهو عبارة عن (تقوى القلوب). وقد بينا المقصود من كل واحد من هذه الأمور الثلاثة ببيان مضى. انتهينا إلى نتائج مهمة في المقام، ذكرنا أربع نتائج، كان الثالث منها: أن التعظيم للشعائر من الأفعال القصدية والتي تتلون بحسب القصد والننية، فيتميز الإخلاص فيها عن الرياء؛ لأن المطلوب كما قدمنا في تعظيم الشعائر عنصران: العنصر الجارحي والعنصر الجانحي. (الرياء) مجرد تعظيم جارحي وليس تعظيماً جانحياً، فهو يلحق بالنفاق، ولذا وصفته الأدلة بالشرك الخفي. من هنا يتضح أنه يصعب البناء على مشروعية الرياء في عملية إحياء الشعائر.

الدلالة الشرعية للآية على الحكم

فعلاً الكلام في دلالة الآية القرآنية من الناحية الشرعية. دلالتها الشرعية على المدعى -وهو وجوب تعظيم الشعائر الإلهية- تقع على نحوين:

  • النحو الأول: دلالتها على أصل الحكم، وهو وجوب تعظيم الشعائر الإلهية.
  • النحو الثاني: دلالتها على عموم الحكم، لتشمل جميع أصناف الشعائر.

أولاً: الدلالة على أصل الحكم (الوجوب)

يمكن تقريب دلالتها على أصل الحكم من خلال وجهين:

الوجه الأول: التمسك بالظهور

فإن الآية كما لا يخفاكم: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، جملة خبرية في مقام الإنشاء، وقد تضمنت معنى الطلب المتأكد الوقوع. وقد اتفقت كلمة الأصوليين على أن الجملة الخبرية آكد في الدلالة على الوجوب من صيغة الأمر. فإذاً قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) المقام مقام جملة خبرية، والجملة الخبرية آكد في الدلالة على الوجوب من الصيغة الأمر، فيثبت المطلوب.

اشتملت الآية القرآنية على أن (تقوى القلوب) مفروغ في المطلوبية من المولى، وحيث أن مؤداها جملة حملية موضوعها (تعظيم الشعائر) محمولها (تقوى القلوب) الذي هو مفروغ الوجوب، فسوف تدل الآية القرآنية على أن تعظيم الشعائر كذلك مفروغ الوجوب فيثبت المطلوب.

الوجه الثاني: الاستناد إلى التعليل

فإن التعليل ظاهر في أن علة التعظيم هو (تقوى القلوب): (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، فيستفاد أن علة التعظيم تقوى القلوب. فتدل الآية على المطلوب بطريقين:

الطريق الأول: إدخالها تحت عمومات الأدلة الدالة على وجوب التقوى. وهذا الوجه أشار إليه الفاضل المعاصر الشيخ المازندراني (حفظه الله) في كتابه (مباني الفقه الفعال الجزء الأول صفحة 256). ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الآية بما حاصله: أن التقوى واجبة مطلقاً لإطلاق مثل قوله تعالى: (فإياي فاتقون) وقوله: (واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) وغير ذلك من إطلاقات الكتاب والسنة. هذا مضافاً إلى ظهور لفظ التقوى حسب موارد استعماله في صيانة النفس والاحتراز عما فيه خوف العقاب.

وعليه، يمكن استظهار وجوب تعظيم الشعائر من الآية بتقريب: أن تعظيم الشعائر من التقوى بدلالة الآية، وكل تقوى واجب بدلالة إطلاقات الأمر به، فتعظيم الشعائر واجب، وهو المطلوب. ولا يخفى أن الآية تدل بإطلاقها على كون تعظيم الشعائر مطلقاً من التقوى بلا فرق بين مصاديق التعظيم.

الطريق الثاني: ملاحظة الدلالة التلازمية للتقوى. وذلك لأن التقوى لا تكون عادة إلا من أمر مخيف أو من أمر يترتب عليه العقاب والضرر. ويساعد على هذا المعنى أن التقوى مأخوذة من الوقاية من الضرر. من هنا نقول: لا معنى للتقوى من الأشياء الحسنة كالمستحبات أو المباحات، وإنما تكون التقوى عادة من الأمور القبيحة كفعل المحرم أو ترك الواجب. وصفت الآية التعظيم بأنه من التقوى، دل ذلك على أن في مخالفته خروج عن التقوى، فيحكم العقل والشرع بوجوب التخلص منه. وبكلمة أخرى: نحن عندنا أمران: التعظيم والتوهين. التعظيم من التقوى، والتوهين من غير التقوى، وأنا أتقي من التوهين لأن التوهين أمر يترتب عليه العقاب والضرر. فإذا كنت متقياً من التوهين ثبت التعظيم، فدل ذلك على المطلوب.

ثانياً: الدلالة على عموم الحكم

هل أن الآية القرآنية عامة شاملة لجميع أصناف الشعائر؟ أم أن الآية القرآنية مختصة بفرد أو أفراد معينة من الشعائر يلزم تعظيمها؟ حتى تصلح الآية عاماً فوقياً كما سبق وذكرنا في مطلع البحث، لابد وأن تكون دالة على العموم لتكون شاملة لجميع أصناف الشعائر الإلهية من دون فرق بين شعيرة وشعيرة. ما لم تكن الآية القرآنية دالة على ذلك، ستكون أجنبية عن المقام.

من هنا أقول: يمكن استفادة دلالة الآية القرآنية على عموم الحكم لتكون شاملة لجميع أصناف الشعائر الإلهية من خلال قرينتين:

  • القرينة الداخلية: وهي عبارة عن الجمع المضاف. فقد جاء في الآية القرآنية التعبير بقوله تعالى: (شعائر الله). من المعلوم أن الجمع المضاف من أدوات العموم، فتدل الآية القرآنية على وجوب تعظيم كل شعائر الله سبحانه وتعالى.
  • القرينة الخارجية: وهي فهم الفقهاء. فإن جمعاً من الفقهاء (رضي الله تعالى عنهم) حملوا الآية القرآنية على العموم. راجعوا مثلاً كلام الشيخ البحراني صاحب الحدائق (قدس الله تربته) في مسألة الاستنجاء بالأوراق التي كُتب عليها لفظ الجلالة أو ما شابه، فإنه استدل بالآية القرآنية وقال: (لأن المطلوب هو وجوب تعظيم الشعائر وحرمة الإهانة)، فاعتبر استعمال هذه الأوراق شيئاً من صغريات إهانة الشعائر والتي أمرنا بوجوب تعظيمها.

كذلك السيد الشهيد الأول (قدس الله تربته الطاهرة) في كتابه القواعد والفوائد عندما جاء إلى مسألة الأذان أيضاً تمسك بالآية القرآنية. والشيخ كاشف الغطاء (قدس الله نفسه الزكية) أشار إلى الاستناد إلى الآية القرآنية.

إذاً لو تتبعنا فتاوى مجموعة من علماء الطائفة، سنجدهم قد استندوا للآية القرآنية في موارد متعددة، وما هذا الاستناد منهم إلا دليل كاشف عن استفادتهم العموم من الآية القرآنية. ولعل سائلاً يقول: إن فهم المشهور ليس بحجة. نقول: فهم المشهور وإن لم يكن حجة في نفسه إلا أنه يصلح قرينة على فهم الظهور استناداً إلى اللفظ، أو اعتباره قرينة خارجية مساعدة للدلالة على العموم.

خاتمة

انتهينا إلى الآن إلى أن الآية القرآنية تامة الدلالة على أمرين رئيسين: الأمر الأول على وجوب تعظيم الشعائر الإلهية، والأمر الثاني على الشمول والعموم والاستيعاب لجميع الشعائر الإلهية. يبقى الكلام فيما ذكره المحقق النراقي (قدس الله تربته الطاهرة)، فإنه منع دلالة الآية القرآنية على الشمول والعموم، وهذا ما أحيله للبحث القادم.

 

التمرير إلى الأعلى