بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله وسلم على سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، الهداة المهديين، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
كان الكلام في أن الواجب في غسل الميت ثلاثة أغسال أو غسل واحد. نُسب إلى سلّار أنه قال يجب غسل واحد، واستدل على ما ذهب إليه بثلاثة أدلة.
الدليل الأول: التمسك بأصالة البراءة
الدليل الأول هو التمسك بأصالة البراءة عما زاد على الواحد المتيقن. وتقدم النقاش في هذا الوجه.
الدليل الثاني: تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة
الوجه الثاني الذي استدل به سلّار هو ما ورد في جملة من الأخبار متضمنةً أن غسل الميت كغسل الجنابة. بلحاظ التشبيه، وهو أن غسل الميت مثل غسل الجنابة، ومن الواضح أن المشبّه به، وهو غسل الجنابة، لا يجب إلا غسل واحد. فبمقتضى تشبيه المشبّه، وهو الميت، بالمشبّه به، وهو غسل الجنابة، يثبت الاشتراك في الوحدة. فبالاتفاق، غسل الجنابة لا يجب أكثر من غسل واحد، فبمقتضى التشبيه معناه أن المشبّه لا يجب فيه أكثر من غسل.
وهذا الوجه واضح المناقشة، لأن ظاهر التشبيه ليس بلحاظ الكمية، وإنما بلحاظ الكيفية. بمعنى أن غسل الميت يشابه غسل الجنابة من جهة الكيفية، لا أنه من جهة الكمية، وهو أن غسل الجنابة فيه غسل واحد معناه أن غسل الميت أيضاً فيه غسل واحد. وإنما التشبيه بلحاظ الكيفية.
ولو فُرض أن هذا التشبيه ليس واضحاً بلحاظ الكيفية، فيمكن أن يقال بقرينة جملة من الروايات أن التشبيه بلحاظ علة الوجوب. لماذا يجب غسل الجنابة؟ لخروج الماء. “إنما الماء من الماء” كما في جملة من الروايات. فالذي يوجب غسل الجنابة هو نزول الماء أو التقاء الختانين. وقد ورد التعليل في غسل الميت بأنه يخرج مع روحه النطفة التي خُلق منها أو التي أنشئ منها، فلذلك يجنب. بعض الإخوان الذين يتصدون لتغسيل الأموات يقولون إنهم يجدون في الميت الجنابة ومع الرطوبات رطوبة المني. فواضح أنه مع خروج الميت، يُجنب والماء ينزل. فالعِلّة لإيجاب غسل الميت هي العِلّة لإيجاب غسل الجنابة، فكما أن الجنابة تجب لنزول الماء والنطفة، فكذلك يجب غسل الميت لأنه مع خروج روحه تخرج النطفة ويمني. لذلك في بعض الروايات، أن الميت جنب.
ولو فرضنا أن هذا المعنى لم نقبله، نقول إن فيها إجمالاً. هل أن التشبيه بلحاظ الوجوه أو بلحاظ الكيفية أو بلحاظ الكمية؟ فإجمال الرواية هكذا: “أن غسل الميت كغسل الجنابة”. فهل هو تشبيه بلحاظ علة الوجوب أو التشبيه من لحاظ الكيفية أو بلحاظ الكمية؟ فلو فرض تردد الحديث بين هذه الاحتمالات الثلاثة، يكون مجملاً ولا يمكن الاستدلال به.
الدليل الثالث: الروايات الدالة على الاكتفاء بغسل واحد
الدليل الثالث الذي استدل به سلّار على عدم وجوب أزيد من غسل واحد للميت، وهو الغسل بماء القراح، وأما الغسلان الآخران فلا يجبان، هو الاستدلال بما تضمن “أن الميت جنب يغسل غسلاً واحداً”.
لاحظوا صحيحة زرارة: “قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ميت مات وهو جنب، كيف يغسل وما يجزيه من الماء؟ قال: يغسل غسلاً واحداً يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت، لأنهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة”.
فهذه الرواية تقول بأنه يجزيه غسل واحد، فمعناه أن الأزيد من ذلك لا يجب. تقريب الاستدلال أنه يجزيه غسل واحد عن الموت وعن الجنابة، فالأزيد من ذلك، وهما الغسلان الآخران، لا يجبان.
ولكن الإنصاف أن الرواية لا تدل على هذا المعنى، بل الرواية ظاهرة في معنى آخر. هو الآن جنب في حال حياته، أجنب ثم مات. يُتوهم الآن أنه يجب غسلان: الغسل الواجب بالموت وهو ماء القراح، وغسل آخر من جهة الجنابة. وبطبيعة الحال هذا يستدعي السؤال، هل يكفي الغسل الثالث بالماء القراح عن الاثنين (غسل الميت والجنابة)؟ فالسؤال عن هذه الجهة، حيث أن الميت يجب في ضمن أغساله الثلاثة الغسل بماء القراح، وهذا الغسل يكفي عن الميت (حدث الموت) ويجزي عن الجنابة، أو لا بد من التعدد بمعنى يجب غسلان، أحدهما لحدث الموت والآخر لحدث الجنابة. فالإمام قال يكفي غسل واحد يرتفع به الحدثان: حدث الموت وحدث الجنابة. وهذا من باب التداخل.
ويؤيد هذا ما ورد في موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن المرأة إذا ماتت في نفاسها كيف تغسل، قال: “مثل غسل الطاهر، وكذلك الحائض، وكذلك الجنب، إنما يغسل غسلاً واحداً فقط”. باعتبار أن السؤال عن هذه الجهة، أي وجود حدث ثانٍ زائد على حدث الموت، فهل يكتفى بغسل واحد يرفع الحدثين، أم لا بد من غسلين للحدثين؟ فقال الإمام إن غسلاً واحداً يكفي. هذا الغسل الواحد يرتفع به حدث النفاس على فرض موتها وهي نفساء، ويرتفع به حدث الحيض لو ماتت وهي حائض، ويرتفع به حدث الجنابة لو كان جنباً. فهذا الغسل يجزي عن الحدثين، ولا ينافي هذا المعنى وجوب زيادة أكثر من غسل للميت بمقتضى الروايات الأخرى الدالة على لزوم تغسيله ثلاثة أغسال.
نعم، في رواية صحيحة العيص ابن القاسم، قد يقال إنها تنافي ما ذكرناه، وأنه تكتفي بغسل واحد. “سألته عن رجل مات وهو جنب، قال: يغسل غسلة واحدة بماء، ثم يغتسل بعد ذلك”. وجه منافاتها من جهتين: الأولى تأنيث “الغسلة” الظاهر في وحدتها، والثانية قوله “ثم يغتسل بعد ذلك” بناءً على أن ظاهره يغتسل المغسِّل.
ومهما كان، سواء أمكن توجيهها أو لم يمكن، فهي لا يمكن الأخذ بظاهرها لأمرين: الأول أن القول بغسل واحد في غسل الميت مخالف لما عليه كلمات الفقهاء الذي ادُّعي عليه الإجماع والشهرات. والأمر الثاني الروايات المتعددة كصحيحة عبد الله بن مسكان وغيرها الدالة على لزوم تغسيله ثلاثة أغسال. فلا يمكن رفع اليد عن هذه الروايات والأخذ بقول سلّار لرواية هي أيضاً في مضمونها تحتاج إلى تأمل.